هندسة الإبادة في غزة.. لماذا تدخل "آيفونات ذهبية" ويُمنع الدواء والخيام؟
يمنع الاحتلال الإسرائيلي الأساسيات من دخول قطاع غزة فيما تتدفق سلع ترفيهية وهواتف فاخرة، في مشهد يكشف عن تناقض قاسٍ وسياسة انتقائية تُعمّق الجوع والمرض وتزيِّف حقيقة المعاناة.
وسط رفوف صيدلية شبه خالية من أي دواء، تقف النازحة الأربعينية أروى شبات، تتكئ على عكازها المهترئ، تنقّب بنظراتها عن مسكّن يخفف ألم قدمها المصابة منذ عام، لا شيء سوى فراغ، فيما يمرّ بالقرب منها رتل من الشاحنات المحمّلة بالبضائع التجارية، تعبر إلى غزة محمّلة بهواتف ذكية وسلع ترفيهية، لا تعني شيئاً لامرأة تنهشها الأوجاع ويُثقلها النزوح.
أروى، نازحة من بيت حانون شمال قطاع غزة، إلى دير البلح جنوبه، تصف المشهد بكلمة واحدة: "عبثيٌّ".
تقول لـTRT عربي: "الاحتلال يروّج لصورة كاذبة لحياة طبيعية داخل غزة، من خلال إدخال سلع تُعد كماليات في وقت لا يجد فيه الجائعون الدواء ولا مأوى آمناً من القصف، الأسواق اليوم ممتلئة بالشوكولاته والمشروبات الغازية والإندومي والتسالي، وحتى الأجهزة الإلكترونية الحديثة، فيما لا يتوفر حليب للأطفال، ولا بروتينات أو لحوم أو بيض لبناء أجسادنا المتهالكة بعد عامين من التجويع".
بلا مأوى ولا علاج
وتضيف بأسى: "لو توفر لي العلاج، ربما كنت اليوم قادرة على المشي، لكن لا وجود لأي مضادات حيوية أو مسكنات، حتى المراهم البسيطة غير موجودة، الألم يزداد يوماً بعد يوم، وأضطر إلى التنقل مستندةً إلى العكاز، كأن الزمن توقف منذ إصابتي".
المفارقة الصارخة، كما تراها أروى، ليست في غياب الدواء فقط، بل في "الحضور الاستعراضي" للسلع الفاخرة داخل القطاع المنكوب، ومنها أجهزة "آيفون" مطليّة بالذهب، تدخل في الوقت الذي تمنع فيه سلطات الاحتلال إدخال الخيام للنازحين، أو أبسط المستلزمات الطبية، في ظل انخفاض درجات الحرارة ومعاناة عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى.
هذه الازدواجية في معايير سياسة الاحتلال بين واقع المعاناة اليومية وسردية "الرفاهية الزائفة، خلقت بين الفلسطينيين الذين يتجرعون الويلات في غزة في ظل حصار خانق، وجوع، ودمار، ونظام صحي على شفير الانهيار، ونازحين يواجهون البرد القارس بلا خيام… خلقت موجة من الغضب والشكوك تجاه نيات الاحتلال الإسرائيلي”.
"نحن لا نريد هواتف ولا ترفاً، نريد فقط خيمة تحمينا من برد الشتاء". بهذه الكلمات عبَّر النازح صالح مطر، 37 عاماً، الأب لأربعة أطفال، عن سخطه من الواقع المرير الذي يفرضه الاحتلال على غزة.
يعيش صالح مطر، النازح من شرق رفح، واقعاً مزرياً مع عائلته في خيمة مهترئة في منطقة مواصي خان يونس، جنوب القطاع، شارحاً معاناته في أثناء حديثه مع TRT عربي: "الشتاء قاسٍ جداً هنا، السيول والطين في أثناء المطر يجرفان الخيمة. أطفالي يرتجفون من البرد، وأنا أعاني من مرض السكري، ولا أجد العلاج".
يكمل: "أحتاج إلى خيمة جديدة وعلاج لمرض السكري. لا أحد يسمعنا أو يهتم بمعاناتنا، فالاحتلال يرسم صورة مضلِّلة يسمح بدخول سلع غير مهمة ولا يُدخل لنا خياماً وسلعاً أساسية ولا علاجاً".
في السياق نفسه، اتهم المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الاحتلال بتشديد الحصار ومنع إدخال الأدوية والمواد الغذائية والخيام، ما فاقم الكارثة الإنسانية.
آيفون مطليّ بالذهب
أكدت وزارة الصحة في غزة خلال تصريحات إعلامية أن الاحتلال يتبع سياسة الانتقائية التي تعكس محاولة لتضليل الرأي العام الدولي وإخفاء معاناة الملايين في غزة، والتي تسمح بدخول أجهزة هواتف ذكية وأدوات رفاهية إلى غزة، فيما تمنع الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية الحيوية. موضحاً أن ما يتوافر من أدوية لا يلبي 30% من حاجة المرضى والمصابين.
يعلق الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، في مقابلته مع TRT عربي، بأن إدخال الهواتف المحمولة بكميات كبيرة يخدم هدفين رئيسيين:
أولاً، السياسة الإسرائيلية تهدف إلى تقديم صورة مزيفة عن تحسن الأوضاع في غزة، مع استمرار الحصار الذي يمنع دخول الخيام والأدوية والمواد الأساسية.
ثانياً، في الوقت نفسه، تُدفع الأموال لشراء سلع ثانوية باهظة الثمن كالهواتف، مما يحقق أرباحاً غير مباشرة للاحتلال.
ويؤكد أن الأسواق الغزية تمتلئ بالبضائع غير الأساسية، فيما يعاني السكان من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية. وترتفع الأسعار بسبب رسوم "التنسيقات" التي يدفعها التجار للاحتلال؛ للسماح بدخول بضائعهم.
ويشير أبو قمر إلى أن هذه الرسوم بلغت نحو مليار شيكل خلال عامين، وتسيطر عليها مجموعة صغيرة من خمسة تجار فقط، ما يخلق احتكاراً يتحكم في السوق والأسعار.
ويصف أبو قمر هذه السياسة بأنها محاولة مُحكمة للتحكم بمستوى الجوع في القطاع عبر توفير ما يمكن الاستغناء عنه، وحجب ما لا يمكن العيش من دونه.
تزييف الحقائق
وفي ما يتعلق بالغذاء، يقول أبو قمر إن الاحتلال يعتمد سياسة تقوم على إدخال كميات محسوبة، وفق حساب دقيق للسعرات الحرارية، بهدف إبقاء السكان عند حد أدنى من الاحتياجات الغذائية دون السماح للنظام الغذائي بالتعافي.
وبالعودة إلى السياق الأشمل، يكشف أبو قمر عن ممارسات أخرى تسهم في هندسة المجاعة داخل القطاع، فعلى الرغم من أن البروتوكول الإنساني ينص على إدخال 600 شاحنة يومياً إلى غزة كحدٍّ أدنى، فإن إسرائيل -وفي أفضل الأحوال- لا تسمح إلا بدخول ربع أو ثلث هذه الكمية.
أمام هذا الواقع، يشدد أبو قمر على ضرورة ممارسة ضغط حقيقي على الاحتلال عبر الوسطاء والمفاوضين لإعادة ترتيب أولويات السلع المسموح بدخولها، والتركيز على ما يحتاج إليه السكان فعلًا: مواد البناء، والخيام والكرفانات، والحديد، والمواد الخام، والأسمدة الزراعية، والمعدات الطبية، والأدوية، إضافةً إلى مئات السلع المصنَّفة "مزدوجة الاستخدام"، التي تُعدّ أساساً لإعادة إعمار الحياة.
في خضمّ ذلك يستبعد إسلام عطا الله، مختص الأمن الرقمي والمعلوماتي، خلال مقابلته مع TRT عربي، أن تكون هواتف "آيفون" التي تدخل غزة لأغراض تجسسية مباشرة.
ويوضح عطا الله أن أي جهاز إلكتروني معرَّض للمراقبة الإسرائيلية في غزة، ويشير إلى أن تجربة دخول الهواتف إلى غزة تختلف كلياً عن حادثة "البيجر" في جنوب لبنان، حيث كانت الأجهزة معدّة خصيصاً لأفراد حزب معين، وجرى التلاعب في قِطعها قبل إدخالها.