ملاذ الفلول.. كيف أعادت قسد تدوير ضباط وجنود النظام المخلوع؟

منذ اتفاق 10 مارس/آذار، تُعرقِل قسد إدماجها في الجيش السوري، وتتمسك باندماج شكلي وسلاح مستقل، مع تصعيد عسكري وتجنيد فلول النظام، تحسباً لانشقاقات عربية.

By زين العابدين العكيدي
تتراوح أعداد فلول النظام المنضوين تحت راية ما يعرف بقوات قسد اليوم لما يقارب الـ 7000 عنصر في الخدمة حالياً، عدا العناصر الذين لا يزالون في المعسكرات / Reuters

منذ توقيع اتفاق 10 مارس/آذار بين الحكومة السورية وما يُعرف بقوات قسد، الذي ينص على إدماج الأخيرة في صفوف الجيش السوري، لم يطرأ أي تقدّم يُذكر على هذا المسار. إذ تواصل قسد تعنّتها إزاء تنفيذ الاتفاق، وتُبدي رفضاً عملياً للاندماج، في مسعى واضح للحفاظ على المكاسب التي راكمتها خلال السنوات الماضية، مستندةً في ذلك إلى الدعم الذي وفّره لها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وتُصِرّ قسد على طرح اللا مركزية شرطاً أساسياً، وعلى الإبقاء على قواتها كتلة واحدة داخل الجيش السوري، بما يعكس توجهاً نحو اندماج شكلي لا يمس بنيتها العسكرية أو استقلال قرارها. ومنذ اليوم الأول لتوقيع الاتفاق، لم تتوقف قسد، وهي واجهة تنظيم PKK/YPG الإرهابي، عن تعزيز حشودها العسكرية في مناطق التماس مع الجيش السوري، ومواصلة حفر الأنفاق في مناطق الجزيرة، إلى جانب تنفيذ استفزازات ميدانية متكررة، كان آخرها الاشتباكات التي شهدتها مدينة حلب في 22 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بالتزامن مع زيارة وزيري الخارجية والدفاع التركيين إلى دمشق.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، كثّفت قسد حضورها العسكري على خطوط التماس مع الجيش السوري، سواء في ريف حلب الشرقي، أو في مناطق دير الزور والرقة والحسكة. وضمن هذه التعزيزات، عمدت قسد إلى استقدام عشرات من عناصر جيش النظام المخلوع، المعروفين بـ"الفلول"، ما أعاد إلى الواجهة ملف استثمارها المنهجي في بقايا النظام السابق وتجنيدهم ضمن صفوفها.

ملاذ الفلول

بدأت القصة مع سيطرة قوات عملية ردع العدوان على مدينة حلب مطلع ديسمبر/كانون الأول 2024، حين فرّ عشرات من ضباط وعناصر جيش النظام المنهار آنذاك باتجاه ريف الرقة الغربي، لا سيما مناطق الدبسي الخاضعة لسيطرة ما يُعرف بقوات قسد. ومع تقدّم فصائل المعارضة وسيطرتها على مدينة حماة عقب معارك عنيفة مع جيش النظام البائد، ثم وصولها إلى تخوم مدينة حمص في السادس من ديسمبر/كانون الأول، شرعت قيادة جيش النظام بدير الزور في اتخاذ قرار تسليم المدينة، إلى جانب ريف الرقة الشرقي، إلى ما يُعرف بقوات قسد. وجاء ذلك خلال اجتماع عُقد بحضور ممثلين عن التحالف الدولي في حينه.

وبالفعل، دخلت قوات قسد مدينة دير الزور والقطع العسكرية التابعة لها، بالتوازي مع انسحاب كامل لقوات جيش النظام المنهار من المحافظة. ومع تسارع التطورات الميدانية وانقطاع طريق تدمر–دير الزور أمام أرتال النظام المنسحبة، لجأت غالبية تلك العناصر إلى مسارين: مجموعات عادت إلى مدينة دير الزور وسلّمت نفسها لقوات قسد، في حين فرّت مجموعات أخرى باتجاه الأراضي العراقية.

وخلال الفترة الممتدة من السادس وحتى العاشر من ديسمبر/كانون الأول، أقدمت قوات قسد على اعتقال جميع عناصر جيش النظام الذين عثرت عليهم داخل مدينة دير الزور، قبل أن تنقلهم عبر حافلات خاصة إلى مناطق سيطرتها، بالتزامن مع سحب كامل الأسلحة المتبقية لجيش النظام من ثكناته العسكرية في محيط المدينة والمطار العسكري.

وبحسب مصادر محلية تحدّثت لكاتب المقال، فإن عدد العناصر الذين نقلتهم قوات قسد من دير الزور وحدها في تلك الفترة يُقدَّر بنحو 3000 جندي وضابط. وتبع ذلك استقطاب العشرات من جنود النظام وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، جُمِعوا من مدينة الحسكة، لا سيما من المربعات الأمنية التابعة للنظام، إضافة إلى عناصر من فوج طرطب وفوج كوكب.

ويُضاف إلى هؤلاء الجنود الفارّون من مناطق ريف الرقة الشرقي والغربي، وبادية الرصافة، ودير حافر شرقي حلب، حيث عمدت قوات قسد أيضاً إلى نقلهم إلى معسكرات مغلقة قرب مدينة الرقة وشرقي محافظة الحسكة.

وشكّلت الرغبة في الإفلات من العقاب والخشية من المحاسبة الدافع الأساسي لفرار عدد كبير من عناصر النظام، في حين أُجبر آخرون على التوجّه مع قوات قسد قسراً، عقب دخولها مدينة دير الزور وإخلاء جيش النظام المنهار لمدينة الحسكة.

 
معسكرات وتجنيد منظم


بعد تمرد بعض عناصر النظام المنهار في أحداث الساحل في مارس/آذار من العام الجاري وما تلاه من أحداث، استغل ما يُعرف بتنظيم قسد الإرهابي الوضع هناك وشن حملات تحريض واسعة ضد الحكومة السورية، بالتوازي مع شكوك حول ضلوعه بشكل فعلي في ما حصل، لذلك بدأ باستقطاب العشرات من فلول النظام بالتحديد نحو مناطق سيطرته في الجزيرة السورية.

الصحفي مهاب ناصر قال لـTRT  إن أعداداً كبيرة من هؤلاء تسربت عبر شبكات تهريب منظمة تتعامل مع ما يعرف بقسد خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار، تعمل بنقل هؤلاء "المتطوعين" من مناطق الساحل السوري وريفَي حماة وحمص عبر مناطق ريف حلب الجنوبي وبادية حماة وصولاً إلى الرقة، وتمكنت القوات الحكومية السورية من القبض على عشرات منهم.

ويضيف ناصر أن قوات ما يعرف بقسد زجت بهؤلاء في معسكرات مغلقة توزعت كالتالي: فوج الميلبية بالحسكة – فوج كوكب بالحسكة – الفرقة 17 شمال الرقة – فوج الكوماندوز في جبل عبد العزيز بالحسكة – فوج الخرافي شمال دير الزور بناحية الصور.

ويضيف مهاب :"وبالتوازي مع استقطاب فلول النظام وتجنيد أبناء الطائفة العلوية، فقد تواصلت قسد كذلك مع جماعات مسلحة في محافظة السويداء جنوب البلاد مبكراً بعد سقوط نظام الأسد، وفتحت أيضاً معسكراً واحداً للمتطوعين الدروز يقع بالقرب من قلعة جعبر غربي الرقة".

وفرزت قوات قسد المنتسبين الجدد إلى معسكرات خاصة، خُصِّص جزء منها لجنود وضباط جيش النظام السابق، فيما خُصِّص قسم آخر للمتطوعين الجدد الذين التحقوا بها عقب أحداث مارس/آذار.

وقال مصدر خاص مما يُعرف بقوات مجلس الطبقة العسكري التابعة لقسد، لكاتب المقال، إنّ ضباط النظام من الرتب العليا نُقلوا مع عائلاتهم إلى مدينة الطبقة، حيث أُسكنوا داخل أبنية حكومية احتلها التنظيم الإرهابي تقع في المربع الأمني بالمنطقة الممتدة بين الحي الثالث والمشفى الوطني، في حين جرى إسكان الضباط والعناصر من الرتب الأدنى في شقق خاصة بمدينة المالكية، إضافة إلى مساكن رميلان في ريف الحسكة.

وبحسب المصدر ذاته، يُقدَّر عدد فلول النظام المنضوين حالياً في صفوف ما يُعرف بقوات قسد بنحو 7000 عنصر في الخدمة الفعلية، دون احتساب العناصر الذين لا يزالون يخضعون للتدريب داخل المعسكرات. ويتقاضى هؤلاء رواتب شهرية تتراوح بين 450 وألف دولار أمريكي.

وفي هذا السياق، وزّعت قوات قسد هؤلاء العناصر على أربعة تشكيلات عسكرية رئيسية تابعة لها، هي: ما يُعرف بمجلس الطبقة العسكري، وقوات مكافحة الإرهاب (YAT)، وقوات HAT، إضافة إلى قوات مجلس دير الزور العسكري المتمركزة في منطقة ساحة الكسرة.

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر خاصة من دير الزور بأن قوات قسد نقلت، خلال شهر يونيو/حزيران الماضي نحو 400 عنصر من فلول النظام إلى حقلَي العمر وكونيكو شرقي دير الزور، وذلك عقب انسحاب قوات التحالف الدولي منهما في وقت سابق. كما نُقل عدد آخر من هؤلاء العناصر إلى فوج الخرافي الواقع في ناحية الصوّر شمال دير الزور، حيث أُوكلت إليهم مهام تدريبية.

وأكدت المصادر ذاتها أنه نُشِرَت بالفعل أعداد من هؤلاء العناصر في عدة مناطق من ريف دير الزور، ووُزِّعوا على حواجز عسكرية مختلفة، وفق ما نقلته مصادر محلية من المنطقة.

الخشية من انقلاب عربي

منذ سقوط نظام الأسد، شهدت ما تُعرف بقوات قسد موجات فرار واسعة في صفوف المقاتلين العرب المنضوين ضمنها، إذ اتجهت الغالبية منهم إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية. وقد شكّلت هذه الانشقاقات تطوراً بالغ التأثير، دفع قيادة قسد إلى إعادة تقييم حساباتها، لا سيما ما يتعلق بمخاوفها من احتمال انقلاب العناصر العربية في صفوفها عليها.

وفي هذا السياق، كثّفت قسد حملات الاعتقال بحق السكان العرب، ومارست ضغوطاً أمنية متزايدة بحقهم تحت ذريعة "موالاة الحكومة السورية"، بالتوازي مع إطلاق عمليات تجنيد واسعة واستقطاب ممنهج لفلول النظام المخلوع، والزجّ بهم في صفوفها، مع التعويل عليهم في المناطق الحساسة وعلى خطوط التماس مع الجيش السوري.

وبات هؤلاء اليوم يشكّلون قوة عسكرية موزعة على أربعة تشكيلات رئيسية ضمن بنية قسد. وفي المقابل، تدرك قسد، بوصفها الواجهة السورية لتنظيم PKK المصنّف إرهابياً، أن غالبية المناطق التي تسيطر عليها ذات أغلبية عربية، وتُبدي رفضاً واسعاً لوجودها.