فالرجل الذي تجوّل بين أجنحة الصناعات الدفاعية التركية، واصفاً أنقرة بأنها "شريك موثوق" و"حليف قيّم"، ومشيراً إلى أن التجربة الصناعية التركية يمكن أن تشكل "نموذجاً" تستفيد منه كندا، كان يعكس تحوّلاً أعمق في نظرة الغرب إلى قطاع الدفاع التركي.
هذا المشهد كان يصعب تخيّله قبل سنوات قليلة فقط. فمنذ عام 2019 وحتى يناير/كانون الثاني 2024، فرضت كندا حظراً فعلياً على تصدير المكونات الدفاعية إلى تركيا، فيما كانت الولايات المتحدة قد أخرجت أنقرة من برنامج المقاتلة F-35 في يوليو/تموز 2019، قبل أن تفرض عليها عقوبات "CAATSA" في ديسمبر/كانون الأول 2020 على خلفية شراء منظومة S-400 الروسية.
وبين مرحلة العقوبات ومرحلة الانفتاح الحالية، تشكلت قصة معقدة تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية مع إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية التركية.
ومن هنا يبرز سؤالان أساسيان: ما الذي يدفع العواصم الغربية اليوم إلى إعادة الانفتاح على الصناعات الدفاعية التركية؟ وهل يعكس هذا التحول شراكة استراتيجية طويلة الأمد، أم إنه تقارب ظرفي تفرضه ضرورات المرحلة الحالية، ويمكن أن يتراجع مجدداً مع عودة التوترات السياسية بين أنقرة والغرب؟
خلال أقل من جيل، انتقلت الصناعات الدفاعية التركية من موقع التبعية التكنولوجية إلى موقع المنتج الصاعد في السوق الدولية. ولم يعد الأمر مقتصراً على تحقيق الاكتفاء الذاتي أو تقليص الاعتماد على الموردين الغربيين، بل بات يتعلق بتحول تركيا إلى مصدر رئيسي للسلاح والتكنولوجيا العسكرية داخل فضاء الناتو نفسه.
وتكشف خريطة الصادرات الدفاعية التركية عن هذا التحول بوضوح. فقد أعلن رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) البروفيسور خلوق غورغون أن نحو 56% من صادرات الصناعات الدفاعية التركية خلال عام 2025، والتي بلغت قرابة 5.6 مليار دولار، ذهبت إلى دول الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة، فيما توزعت النسبة المتبقية على آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وإفريقيا.
وأشار غورغون إلى أن دولاً أوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة، جاءت ضمن أكبر عشرة مستوردين للسلاح التركي، من بينها تشيكيا ورومانيا وبولندا وسلوفاكيا وبلغاريا، وجميعها أعضاء في حلف الناتو.
التحوّل الكندي.. نموذج للانفتاح المتدرّج
يكاد التحول الكندي يختصر جانباً مهماً من التحولات الجارية في سوق الصناعات الدفاعية العالمية، وفي طبيعة الشراكات داخل حلف الناتو.
فبين عامي 2019 و2024، فرضت كندا قيوداً مشددة على تصدير الأنظمة الدفاعية إلى تركيا، ولا سيما كاميرات الاستهداف الكهروبصرية التي تنتجها شركة "L3Harris WESCAM" في مقاطعة أونتاريو، وذلك تحت ضغط اللوبي الأرميني في كندا، عقب الدور الذي لعبته الصناعات الدفاعية التركية خلال حرب تحرير إقليم قره باغ عام 2020.
لكن المشهد تبدّل بصورة لافتة خلال معرض "SAHA Expo 2026"، حين صرّح ستيفن فور لموقع Defense News بأن "القوى المتوسطة تحتاج إلى التعاون بطريقة غير مسبوقة"، مضيفاً أن هذه الدول "ليست كبيرة بما يكفي منفردة، لكنها تصبح كذلك عندما تعمل مجتمعة".
ووصف فور تركيا بأنها واحدة من عدد محدود من الدول التي نجحت في بناء "منظومة صناعية دفاعية ناضجة ومستقلة إلى حد كبير"، مقارناً التجربة التركية بكل من كوريا الجنوبية وفرنسا.
وشهد المعرض توقيع مذكرة تفاهم بين مركز "سيسام" التابع لحوض السفن التركي "Sefine Shipyard" وشركة "كراكن روبوتيكس" الكندية، بهدف دمج نظام السونار المسحوب "كاتفيش" ضمن برمجيات تخطيط المهام، إلى جانب تطوير قدرات التعرّف الآلي على الأهداف.
كما أشار فور إلى زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إضافة إلى محادثات جارية بشأن اتفاقية تجارة حرة محتملة بين البلدين.
ويكتسب هذا الانفتاح أهمية إضافية في ضوء التحولات الجارية داخل السياسة الدفاعية الكندية. ففي قمة "NATO Summit 2025" التي عُقدت في لاهاي في يونيو/حزيران 2025، تعهدت كندا برفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بواقع 3.5% للإنفاق الدفاعي المباشر و1.5% للبنى التحتية المرتبطة به، وهو ما يعادل نحو 150 مليار دولار سنوياً، وفق تصريحات كارني لشبكة CNN.
وفي مارس/آذار 2026، أعلن كارني أن كندا حققت بالفعل هدف إنفاق 2% من الناتج المحلي للسنة المالية 2025-2026، عبر ميزانية دفاعية بلغت 63 مليار دولار، بزيادة قياسية وصلت إلى 8.7 مليار دولار مقارنة بالعام السابق.
كما تعهدت أوتاوا بضخ نحو نصف تريليون دولار في قطاع الدفاع خلال العقد المقبل، إلى جانب إطلاق برنامج "RDII" بقيمة 379.2 مليون دولار لدمج الشركات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل الإمداد الدفاعية.
بالتوازي مع ذلك، بدأت التزامات كندا شراء 88 مقاتلة من طراز Lockheed Martin F-35 Lightning II تواجه اهتزازاً متزايداً، على خلفية التوترات السياسية والتجارية مع إدارة ترمب، فضلاً عن تصاعد الجدل المرتبط بما يُعرف بـ"مفتاح القتل" (Kill Switch)، أي القدرة النظرية للولايات المتحدة على تعطيل الطائرات عن بُعد.
ورغم أن شركة "لوكهيد مارتن" ومكتب البرنامج المشترك للطائرة (JPO) نفيا بشكل قاطع وجود مثل هذه الخاصية، مؤكدين أنه "لا يوجد مفتاح قتل"، فإن المخاوف المرتبطة بالاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة ما تزال حاضرة بقوة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث جاستن برونك من المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بوجود "مفتاح قتل"، بل بما وصفه بـ"التبعية المستدامة"، المرتبطة بسلاسل التوريد وقطع الغيار والتحديثات البرمجية الخاصة بمنظومتي "أليس" و"أودين".
وتعززت هذه المخاوف بعد قرار إسبانيا إلغاء صفقتها الخاصة بطائرات F-35 في أغسطس/آب 2025، فيما تدرس كندا استبدال 72 طائرة من طلبية F-35 بمقاتلات Saab JAS 39 Gripen E السويدية، في خطوة قد تتحول إلى نموذج قابل للتكرار لدى عدد من الحلفاء الأوروبيين داخل الناتو.
خريطة الصفقات الكبرى
تعكس الصفقات الدفاعية التي أبرمتها تركيا خلال السنوات الأخيرة اتساع حضورها داخل أسواق السلاح الأوروبية والآسيوية، وتحول صناعاتها العسكرية من لاعب إقليمي إلى شريك متنامٍ داخل منظومات الناتو والأسواق الدولية.
في بولندا، استكملت أنقرة في مايو/أيار 2024 تسليم الطلبية الكاملة من طائرات "بيرقدار تي بي 2"، التي شملت 24 طائرة موزعة على أربع منظومات، تضم كل منها ست طائرات وثلاث محطات تحكّم أرضية، ضمن صفقة بلغت قيمتها 270 مليون دولار، تضمنت أيضاً نقل تكنولوجيا الصيانة والدعم الفني. ولاحقاً، انضمت وارسو في يوليو/تموز 2025 إلى "تحالف الطائرات المسيّرة" الذي تقوده لاتفيا، في خطوة تعكس تنامي الاعتماد الأوروبي على الطائرات التركية غير المأهولة.
وفي رومانيا، وقّعت بوخارست عقداً بقيمة 321 مليون دولار لشراء 18 طائرة "بيرقدار تي بي 2" لمصلحة القوات البرية، إلى جانب حزمة لوجستية متكاملة ضمن إطار التخطيط الدفاعي لحلف الناتو.
أما إسبانيا، فقد شهدت واحدة من أبرز الاختراقات التركية داخل السوق الدفاعية الأوروبية، بعدما وقّعت مدريد في ديسمبر/كانون الأول 2025 عقداً تاريخياً بقيمة 2.6 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 3.03 مليار دولار، لشراء 30 طائرة تدريب نفاثة من طراز "هورجيت" التي تطورها الصناعات الجوية التركية.
وتشمل الصفقة، التي تمتد عمليات تسليمها بين عامي 2028 و2036، منظومة تدريب متكاملة وبرنامج محاكاة متقدماً من تطوير شركة "هافلسان". وتُعد هذه الصفقة أول عملية تصدير لطائرة عسكرية مأهولة تركية إلى دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وفي البرتغال، وقّعت شركة "إس تي إم" التركية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2024 عقداً لتصميم وبناء سفينتي إمداد لوجستي لمصلحة البحرية البرتغالية، بطول 137 متراً وإزاحة تصل إلى 11 ألف طن ومدى تشغيلي يبلغ 14 ألف ميل بحري.
وبدأ رسمياً قطع الفولاذ الخاص بالسفينتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 داخل حوض "آدا" في إسطنبول، على أن يجري التسليم عام 2028. وتمثل هذه الصفقة أول عملية تصدير لسفن حربية تركية إلى دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو.
وفي إيطاليا، عززت شركة "بايكار" حضورها الأوروبي عبر الاستحواذ على شركة "بياجيو إيروسبيس" الإيطالية العريقة، التي تمتد خبرتها لنحو 140 عاماً، وذلك بعد موافقة "السلطة الذهبية" التابعة للحكومة الإيطالية.
وتعهدت الشركة التركية بالحفاظ على الوظائف في موقعي فيلانوفا دالبنغا وجنوة، مع خطط لتوسيعها مستقبلاً. كما أسست "بايكار" بالتعاون مع شركة "ليوناردو" الإيطالية شركة مشتركة باسم "LBA Systems"، تجمع بين منصات "بايكار" وأنظمة الاستشعار الإيطالية، مع استهداف سوق الطائرات المسيّرة الأوروبية، التي يُتوقع أن تتجاوز قيمتها 19 مليار دولار بحلول عام 2030.
أما الصفقة الأكبر، فجاءت من إندونيسيا، حيث وقّعت أنقرة في 26 يوليو/تموز 2025، خلال معرض "آيدف 2025"، أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ الجمهورية التركية، لتصدير 48 مقاتلة من الجيل الخامس "قان"، في عقد تشير تقديرات إلى أن قيمته تقترب من 10 مليارات دولار.
وتشمل الصفقة، التي تمتد عمليات التسليم فيها على مدار 120 شهراً، نقل تكنولوجيا واسع النطاق، ومشاركة مباشرة للصناعات الدفاعية الإندونيسية في البرنامج.
السياق الجيوسياسي الأوسع.. لماذا الآن؟
تفسّر ثلاثة عوامل متشابكة هذا التقارب المتسارع مع الصناعات الدفاعية التركية: أول هذه العوامل يتمثل في أزمة الذخيرة داخل حلف الناتو، التي كشفتها الحرب الأوكرانية بصورة غير مسبوقة. فقد أظهرت الحرب فجوة كبيرة بين حجم الاستهلاك العسكري وقدرات الإنتاج الغربية، ما دفع عدداً من الدول إلى البحث عن شركاء قادرين على الإنتاج السريع وتوفير بدائل أقل تكلفة وأكثر مرونة.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالتراجع النسبي في الثقة الأوروبية بالمظلّة الأمريكية خلال عهد ترمب الثاني. فالتهديدات المتكررة بفرض الرسوم الجمركية، والتشكيك بالتزام المادة الخامسة من ميثاق الناتو، إلى جانب قرار تجميد المساعدات العسكرية لأوكرانيا في فبراير/شباط 2025، أعادت فتح النقاش داخل أوروبا وكندا حول مخاطر الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في سلاسل التوريد الدفاعية.
وزاد الجدل المرتبط بمسألة "مفتاح القتل" الخاص بطائرات "إف-35" من حجم هذه المخاوف، حتى وإن نفت واشنطن رسمياً وجود مثل هذه الخاصية.
أما العامل الثالث، فيتعلق بصعود مفهوم "القوى المتوسطة"، وهو المفهوم الذي لخّصه فور بقوله: "لسنا كباراً بما يكفي منفردين، لكننا نصبح كذلك عندما نعمل مجتمعين".
ويعكس هذا التصوّر اتجاهاً متنامياً نحو بناء تحالفات صناعية ودفاعية مرنة بين دول متوسطة القوة، مثل تركيا وكندا وكوريا الجنوبية وأستراليا وإيطاليا، تقوم على تقاسم أعباء التصنيع والتكنولوجيا، وخصوصاً في قطاعات الذخائر والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار البحري، وهي المجالات التي أبدت أوتاوا اهتماماً متزايداً بالتعاون فيها مع أنقرة.
ويستند النموذج التركي في هذا السياق إلى ثلاثية باتت تشكل مصدر جاذبيته الرئيسية: "السرعة، والتكلفة الأقل، والتكامل العمودي". فالصناعات الدفاعية التركية لا تعتمد فقط على وتيرة إنتاج مرتفعة، بل تستفيد أيضاً من إرادة سياسية واضحة، ومن تنسيق مركزي تقوده مؤسسة "وقف تعزيز القوات المسلحة التركية" وشركات من القطاع الخاص، إلى جانب استعداد أكبر لنقل التكنولوجيا مقارنة بالنموذجين الأمريكي والفرنسي، كما ظهر في صفقة مقاتلات "قان" مع إندونيسيا، أو في عمليات الاستحواذ والشراكات الأوروبية مع "بياجيو إيروسبيس" و"ليوناردو".
وفي ظل أزمة الذخائر داخل الناتو، وتراجع موثوقية المورد الأمريكي في نظر عدد من الحلفاء، تبدو تركيا لكثير من الدول شريكاً يوفر حلاً سريعاً وعملياً لمشكلة استراتيجية متفاقمة.
كما أن البنية الصناعية التي بنتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب نموذجها الأكثر مرونة في نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، منحاها قدرة متزايدة على اختراق أسواق الناتو.
ومع ذلك، لا تزال هذه التحولات محاطة بهوامش هشّة ومعقدة. فقدرة كندا على تحويل تصريحات مسؤوليها إلى شراكات استراتيجية فعلية تبقى مرتبطة باستقرار حكومة مارك كارني، وبحجم الضغوط التي يمارسها اللوبي الأرميني داخل كندا، فضلاً عن قدرة أوتاوا نفسها على توسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية المحلية.
كما أن العلاقة بين أنقرة والعواصم الغربية لا تزال محكومة بتاريخ طويل من التوترات السياسية والأمنية، ما يعني أن هذا الانفتاح، رغم زخمه الحالي، لا يرقى بالضرورة إلى مستوى التحالف المستقر طويل الأمد، بقدر ما يعكس إعادة تموضع براغماتية فرضتها التحولات الجيوسياسية، وأزمة الثقة المتصاعدة داخل المنظومة الغربية نفسها.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.















