أمريكا اللاتينية بين الانصياع والمواجهة.. كيف يعيد ترمب رسم خريطة التحالفات؟

تجد دول أمريكا اللاتينية نفسها اليوم في قلب عاصفة جيوسياسية جديدة منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، إذ تواجه المنطقة مزيجاً معقداً من الضغوط الاقتصادية والابتزاز السياسي والاستعراض العسكري الأميركي.

By
وصلت حاملة الطائرات العملاقة جيرالد آر. فورد مع مجموعتها القتالية إلى بحر الكاريبي، في أكبر انتشار بحري أمريكي قرب أمريكا الجنوبية منذ عقود.

وبينما اختارت بعض الحكومات الرد بالمواجهة الصريحة، فضّلت أخرى الميل للتسويات أو الاحتماء بالصمت، فيما حاولت دول قليلة الوقوف في المنطقة الرمادية تفادياً للانخراط في مواجهة مفتوحة.

يصف أليخاندرو فرينكل، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سان مارتين الأرجنتينية، هذا الواقع بقوله: "لا توجد دولة في أمريكا اللاتينية تقف على أرضية متكافئة أمام الولايات المتحدة، عدم التوازن هو القاعدة الأساسية".

هذا التحول السياسي ترافق مع تصعيد عسكري أمريكي واسع في الكاريبي. ففي 16 نوفمبر/تشرين الثاني، وصلت حاملة الطائرات العملاقة جيرالد آر. فورد مع مجموعتها القتالية إلى المنطقة، لتنضم إلى سبع مدمرات وفرقاطات وغواصة نووية وطائرات F-35، في أكبر انتشار بحري أمريكي قرب أمريكا الجنوبية منذ عقود.

ورغم أنّ واشنطن تبرّر نشر هذه القوة الهائلة بأنه جزء من “مهمة مكافحة المخدرات”، تشير العمليات المنفذة على الأرض إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ نفّذت القوات الأمريكية 21 ضربة منذ سبتمبر/أيلول ضد قوارب تقول إنها مرتبطة بتهريب المخدرات، أسفرت عن مقتل 83 شخصًا على الأقل، وسط إدانات من منظمات حقوقية اعتبرتها "عمليات إعدام خارج القانون".

وفي هذا السياق، كشف مسؤول في البحرية الأمريكية لمجلة The War Zone أن 11 سفينة قتالية سطحية و4 سفن دعم متمركزة حالياً في الكاريبي، أي ما يعادل 15% من إجمالي الأسطول السطحي الأمريكي المنتشر عالمياً -وهي نسبة ضخمة لعملية يُفترض أنها "ذات طابع أمني محدود".

الصمت

تجد الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم نفسها أمام هامش محدود للغاية للمناورة. فاقتصاد بلادها يعتمد بشكل شبه كامل على السوق الأمريكية التي تستوعب أكثر من 80% من صادرات المكسيك، فيما تجري مفاوضات حساسة مع واشنطن حول اتفاق تجاري جديد.

وبينما يواصل ترمب توجيه خطاباته الحادة ضد كارتيلات المخدرات وتدفّق المهاجرين عبر الحدود، اختارت شينباوم اتباع ما يسميه المحللون “دبلوماسية الصمت” إدارة الملفات الخلافية بعيدا عن الإعلام، وتقديم تنازلات محسوبة من خلف الكواليس. رفعت مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية، كثّفت عمليات ضبط شحنات المخدرات، ووسّعت حملات اعتقال قادة العصابات، ما سمح لها بتجنّب موجة رسوم جمركية كان ترمب يلوّح بها.

لكن الرئيسة المكسيكية وضعت خطاً أحمر واضحاً عندما طرح ترمب احتمال تنفيذ ضربات عسكرية داخل الأراضي المكسيكية بذريعة مكافحة المخدرات. ردّت شينباوم بلهجة حاسمة: لا مكان لـ"الخضوع" ولا لـ"التبعية"، مؤكدة أن أمن المكسيك وسيادتها ليسا قابلين للمساومة.

وفي بنما، يسلك الرئيس خوسيه راوول مولينو مساراً مشابهاً من الحذر. فقد اضطر، تحت ضغط واشنطن، إلى سحب بلاده من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وهي خطوة أعادت بنما بوضوح إلى الفلك الأمريكي.

كما وافق على تمرير صفقة لبيع مواني تملكها مجموعة مقرها هونغ كونغ على قناة بنما، بعد تهديد صريح من ترمب بأن الولايات المتحدة قد “تستعيد” القناة إذا اعتبرت أن مصالحها الإستراتيجية مهددة.

خيار السلامة 

يقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي على رأس قائمة الحلفاء الأكثر اقتراباً من دونالد ترمب في أمريكا اللاتينية، حتى إن المحلّل مايكل شيفتر من مركز الحوار بين الأمريكتين في واشنطن وصفه بأنه "يفعل كل ما يفعله ترمب وكل ما يريده ترمب".

 ومع اقتصاد يرزح تحت أزمات ممتدة منذ سنوات، وجد ميلي في ترمب مظلة دعم ضرورية، فحرص على إعلان تأييده العلني له، وفتح أبواب السوق الأرجنتينية أمام الشركات الأمريكية بشروط تفضيلية.

ردّ ترمب جاء سريعاً، عبر رفع القيود على واردات اللحوم الأرجنتينية ومنح بوينس آيرس خط تمويل بمليارات الدولارات، في خطوة اعتبرها مراقبون مكافأة سياسية واقتصادية لحليف يلتزم بالكامل بخط واشنطن.

وفي المعسكر ذاته يقف رئيس السلفادور نجيب بوكيلة، الذي يخوض حملة واسعة ضد العصابات. وكانت بلاده أول من وافق على استقبال مئات المهاجرين المُرحّلين في إطار سياسة الهجرة المتشددة لإدارة ترمب الثانية.
لكن هذا الانخراط منح بوكيلة مكاسب مهمة، أبرزها تمديد يسمح لأكثر من 200 ألف سلفادوري بالبقاء والعمل داخل الولايات المتحدة، وهو ما يضمن تدفق التحويلات المالية التي يعتمد عليها اقتصاد بلاده.

أما في الإكوادور، فقد قبل الرئيس دانييل نوبوا استقبال المهاجرين المُبعَدين، وأشاد علناً بالانتشار العسكري الأمريكي في الكاريبي والمحيط الهادئ، وبالغارات التي نفذتها واشنطن ضد قوارب يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات.
وحصل نوبوا بالمقابل على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة في معركته المفتوحة ضد العصابات داخل بلاده.

الاصطدام 

على النقيض تماماً من حلفاء ترمب في الإقليم، اختار الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو طريق المواجهة المباشرة. فقد هاجم ترمب علنًا واصفاً إياه بأنّه "وقِح وجاهل"، بل ذهب حدّ مقارنته بأدولف هتلر.

وبالتوازي مع خطابه التصادمي، اتجهت بوغوتا شرقاً، لتنضم في عهد بيترو إلى مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، في خطوة عززت علاقاتها مع بكين وأثارت غضب واشنطن.
جاء الرد سريعاً من إدارة ترمب، التي اتهمت الرئيس الكولومبي بالتورط في تهريب المخدرات وفرضت عقوبات على بلاده، كما أزالت كولومبيا من قائمة الحلفاء الأساسيين في الحرب على المخدرات. 

ومع ذلك، تجنبت بوغوتا عقوبات أشد قسوة ربما بانتظار نتائج الانتخابات الكولومبية في 2026 واحتمال عودة اليمين إلى السلطة.

أما البرازيل، فوجدت نفسها بدورها في مسار متوتر مع واشنطن. فقد خاض الرئيس اليساري لويز إيناسيو لولا دا سيلفا سجالات حادة مع ترمب، خصوصاً بعدما فرضت واشنطن رسوماً جمركية عقابية على الواردات البرازيلية، رداً على محاكمة الرئيس السابق جاير بولسونارو بتهم محاولة الانقلاب.

لكن لولا، كما يصفه الباحث أوليفر شتوينكل من مؤسسة "جيتوليو فارجاس" يتعامل مع الأزمة بقدر أكبر من "البراغماتية والحزم"، في محاولة لحماية مصالح بلاده دون الانجرار إلى قطيعة شاملة.

وإذا كانت البرازيل قبل ربع قرن مضطرة إلى تقديم "تنازلات كبيرة" عندما كانت الولايات المتحدة شريكها التجاري الأول، فإن المشهد تغيّر اليوم جذرياً: فالصين باتت الوجهة الأكبر لصادرات البرازيل-أكثر من الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعاتنا وهو ما يمنح برازيليا هامشاً أوسع للمناورة أمام الضغوط الأمريكية.

الحرب 

في موقع منفصل تماماً عن باقي دول القارة، تقف فنزويلا أمام واحد من أكثر السيناريوهات حساسية؛ إذ ترى كاراكاس في الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في الكاريبي مؤشراً على استعداد واشنطن لزعزعة حكم الرئيس نيكولاس مادورو وربما الإطاحة به.

التقارير تتوالى منذ أسابيع حول قرب دخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة من عملياتها تجاه فنزويلا، وهو ما أكده أربعة مسؤولين أمريكيين لرويترز قالوا إن إدارة ترمب تدرس خطوات أكثر جرأة في الأيام المقبلة. 

وبرغم ذلك، لم تُحسم بعد تفاصيل هذه المرحلة: لا توقيت واضح، ولا نطاق محدد، ولا قرار نهائي من الرئيس ترمب.

وحسب اثنين من المسؤولين الأمريكيين، فإن العمليات السرية قد تشكل "الموجة الأولى" من أي تحرك ضد مادورو. 

وفي تعليق لافت، قال مسؤول أمريكي رفيع- شريطة عدم ذكر اسمه - إن ترمب "لا يستبعد أي خيار" بشأن فنزويلا، مضيفاً: "الرئيس مستعد لاستخدام كل عناصر القوة الأمريكية لوقف تدفق المخدرات إلى بلادنا وتقديم المسؤولين عنها للعدالة".

على الضفة المقابلة، يواصل مادورو تأكيد أن واشنطن تسعى لإطاحته منذ توليه السلطة في 2013، وأن الفنزويليين وقوات الجيش سيقاومون أي تدخل خارجي.