وخلال الاختبارات الأخيرة، جرى تقييم أداء المنظومة عبر مسافات متباينة وأنماط إطلاق متعددة، حيث أظهر "كارا أوك" قدرة ثابتة على إصابة الأهداف بدقة في مختلف السيناريوهات.
وشملت أبرز نتائج الرماية تحقيق إصابات مباشرة عند مسافتي 76 و400 متر، في حين نُفذت ضربات بنمط الهجوم العلوي على مسافتي 1400 و2050 متراً، مما يؤكد مرونة النظام في التعامل مع أهداف متنوعة ضمن نطاقات اشتباك مختلفة.
وكان "كارا أوك" قد سجّل حضوراً لافتاً على صعيد التصدير في عام 2023، بعد فوزه بمناقصة أطلقتها وزارة الدفاع الماليزية، اشترطت الامتثال لمعايير حلف الناتو. وبموجب الاتفاق، تقرر تزويد الجيش الماليزي بـ18 منصة إطلاق من هذا النظام مع صواريخها، لتحل محل منظومات "ميتيس-إم" الروسية الموجودة في الخدمة.
ووفقاً لموقع Defence Turk، يُصنّف "كارا أوك" ضمن فئة الصواريخ المضادة للدروع قصيرة المدى بنمط "أطلق وانسَ"، ويُشغَّل بواسطة جندي واحد، مع قدرة على العمل ليلاً ونهاراً بفضل رأس التوجيه العامل بالأشعة تحت الحمراء. ويزن النظام أقل من 16 كيلوغراماً، ويبلغ طوله نحو 110 سنتيمترات، ويعتمد تصميماً بهيكل أجنحة وذيل قابلين للطي بشكل متقاطع، مما يعزز من قابلية الحمل والحركة.
وزُوّد الصاروخ برأس حربي مزدوج (تتابعي) قادر على التعامل مع الدروع التفاعلية، إضافة إلى محرك صاروخي هجين ثنائي المراحل (مرحلة الإطلاق ومرحلة الطيران) مطوّر محلياً، ومصمم للسماح بالإطلاق من الأماكن المغلقة.
كما يوفر النظام مجموعة متنوعة من أنماط الاشتباك، تشمل الإقفال على الهدف قبل الإطلاق أو بعده، ونمط "أطلق وانسَ"، إلى جانب القدرة على تنفيذ ضربات مباشرة أو هجمات علوية تستهدف النقاط الأضعف في المدرعات.
الأهمية التكتيكية للاختبار
يرى المحلل الدفاعي تيومان إس. نِجَانجي، من مجموعة Army Recognition، أن الأهمية التكتيكية لسلسلة الاختبارات الأخيرة لا تنحصر في دقة الإصابات، بل تمتد إلى طبيعة السيناريوهات التي جرى اختبار السلاح ضمنها، والتي جمعت بين الاشتباك القريب ومسارات الهجوم المختلفة.
فالإصابة المحققة على مسافة 76 متراً لا تمثل مجرد نتيجة رقمية، بل تعكس اختبار المنظومة في ظروف اشتباك مفاجئ وقريب، وهي البيئة الأكثر تعقيداً وخطورة في قتال المدرعات، لا سيما في التضاريس المركبة مثل خطوط الغابات، ونقاط التحصين، وأطراف المدن، ومواقع الكمائن.
كما تعزز الإصابة المباشرة على مسافة 400 متر هذا التقييم، إذ تمثل هذه المسافة نطاق اشتباك حرجاً يمنح فرق مضادات الدروع وقتاً محدوداً للغاية لاتخاذ القرار وتنفيذ الضربة، قبل أن يتمكن الهدف من المناورة أو استخدام نيران الإسناد أو الاحتماء.
في المقابل، تُظهر الضربات بنمط الهجوم العلوي على مسافتي 1400 و2050 متراً قدرة المنظومة على استهداف النقاط الأضعف في أعلى المدرعات، مع الحفاظ على مسافة أمان أكبر لفريق الإطلاق، مما يقلل من خطر التعرض لنيران الرد.
الصواريخ المضادة للدروع التركية
قال خبير الصناعات الدفاعية كوبيلاي يلدرم، في حديثه إلى TRT Haber، إن فهم مسار تطوير منظومات الصواريخ المضادة للدروع في تركيا يتطلب العودة إلى سنوات سابقة، حين كانت أنقرة تبحث، إلى جانب صواريخها المتوسطة المدى، عن نظام يمكن لجندي واحد حمله وإطلاقه بسهولة.
وأوضح أن هذا المسار بدأ في تسعينيات القرن الماضي عبر تعاون بين شركة فرنسية ومؤسسة الصناعات الميكيكانية والكيميائية (MKE)، غير أن المشروع أُلغي عام 2004 نتيجة مشكلات من الطرف الآخر، مما دفع تركيا إلى اتخاذ قرار بتطوير النظام محلياً، وهو ما مهّد لانطلاق العمل على نظام الصواريخ المضادة للدروع طويل المدى (UMTAS).
وبيّن يلدرم أن مشروع UMTAS انطلق منذ البداية بطموحات ومتطلبات كبيرة ومختلفة، مؤكداً أن ذلك شكّل محطة مفصلية في مسار تطور الصناعات الدفاعية التركية.
وأشار إلى أن تطوير مستشعر حراري غير مبرد يتمتع بدقة كافية وحساسية حرارية عالية، وقابل للتركيب على صاروخ بكلفة مناسبة، كان خطوة محورية، إلى جانب إنشاء البنية التحتية اللازمة لإنتاج هذا النوع من المستشعرات.
وأضاف أن التحديات لم تقتصر على ذلك، بل شملت أيضاً تطوير نظام نقل بيانات يتيح إيصال الصورة إلى الرامي، وإمكانية التحكم بالصاروخ أثناء الطيران عند الحاجة، فضلاً عن تمكينه من تحديد هدفه وضربه ذاتياً ضمن نمط "أطلق وانسَ". واعتبر أن تطوير المعالجات والخوارزميات اللازمة لهذه الوظائف مثّل اختباراً كبيراً للصناعات الدفاعية التركية، وأحد أبرز إنجازاتها النوعية.
وفي سياق متصل، أوضح يلدرم أن نظام OMTAS متوسط المدى لم يتميز فقط من حيث البنية التوجيهية، بل أيضاً من حيث خصائص الطيران والإصابة، مشيراً إلى أن من أبرز متطلبات المشروع منذ بدايته أن يكون الصاروخ قابلاً للإطلاق من الأماكن المغلقة، وهو ما استلزم ضمان عدم إلحاق أي ضرر بالرامي عند خروجه من أنبوب الإطلاق، وقد تحقق ذلك باستخدام محرك إطلاق منخفض الضغط.
وأشار إلى أن النظام يتيح استهداف الأهداف حتى في حال وجودها خلف عوائق أو ظهور عوائق بين الصاروخ والهدف، كما شملت المتطلبات القدرة على إصابة النقاط العليا من المدرعات، وهي أضعف نقاطها، وهو ما نجحت عائلة صواريخ OMTAS في تحقيقه.
وأضاف يلدرم أن تنوع خيارات الإطلاق والطيران والتوجيه والإصابة وفّر مرونة عالية للمستخدم، إذ يمكن إطلاق الصاروخ من موقع مخفي، ثم تغيير الموقع بسرعة وتنفيذ إطلاق جديد من موضع مختلف.
كما يمكن للرامي، وفق يلدرم، التحكم بالصاروخ أثناء الطيران عند الإطلاق من خلف عائق، وتوجيهه نحو الهدف الأنسب، سواء على مسافات تتجاوز 4 كيلومترات، أو في مناطق ضيقة، أو حتى في بيئات حضرية وعلى مسافات تقل عن 100 متر. ولفت إلى أن النظام مزود بمناظير ليلية ونهارية عالية الدقة وبعيدة المدى، إلى جانب بطاريات قادرة على دعم هذه الأنظمة لفترات طويلة، مما يتيح للمستخدم تنفيذ كمائن من مواقع مغلقة.
وأكد أن نمط "الهجوم العلوي" (Top Attack) يُعد من القدرات المهمة في هذا النوع من الصواريخ، نظراً لفعاليته في استهداف النقاط الأضعف في المدرعات.
وأوضح يلدرم أنه بعد تطوير نظام UMTAS طويل المدى وOMTAS متوسط المدى، برزت الحاجة إلى تطوير صاروخ مضاد للدروع يمكن لجندي واحد حمله وإطلاقه بسهولة، وهو ما أدى إلى إطلاق مشروع "TEK AT" عام 2010، الذي أثمر لاحقاً عن تطوير صاروخ "كارا أوك"، والذي دخل الخدمة لدى الوحدات العسكرية بين عامي 2020 و2021.
واختتم يلدرم بالإشارة إلى أن من أبرز مزايا "كارا أوك" كونه أخف وزناً من نظيره العالمي "جافلين"، إلى جانب امتلاكه أنظمة بصرية ومستشعرات أكثر تطوراً، كما أنه، رغم تقارب وزنه مع الصاروخ الكوري الجنوبي "Raybolt"، يتميز بمدى اشتباك أطول وحد أدنى أقصر، مما يعزز من مرونته وكفاءته في ساحة المعركة.
















