ظروف إيواء اللاجئين ببريطانيا.. مراكز كالسجون تدفعهم إلى التفكير بالانتحار

لطالما جادلت السلطات البريطانية أنها ملتزمةٌ إسكان طالبي اللجوء في ظروف جيدة، لكن الفترة الأخيرة شهدت خروج عدة تقارير أعدتها جمعيات ومنظمات غير حكومية تدحض التصريحات الحكومية وتوثق ظروفاً معيشية صعبة تدفع اللاجئين إلى التفكير بالانتحار.

By حسام خضر
قارب حرس الحدود الإنجليزي يأخذ مجموعة من اللاجئين إلى مركز إيواء في مدينة دوفر (PA MEDIA) / Others

حسب آخر الإحصائيات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) يوجد في بريطانيا حالياً قرابة 65 ألف طالب لجوء، 41 ألفاً منهم بمساكن تشرف عليها شركات الإسكان ونحو 19 ألفاً في فنادق. فيما توقع مسؤولون في دوائر الهجرة الحكومية أن يصل العدد إلى 80 ألفاً بحلول الربيع القادم.

وفي دراسة استقصائية أعدتها وزارة الداخلية البريطانية في شهر سبتمبر/أيلول 2021 أشارت إلى أن 40% من طالبي اللجوء في بريطانيا غير سعداء وغير مطمئنين للمساكن التي جرى إيداعهم بها. وعلى الرغم من الشكاوى المتكررة التي قدموها بخصوص النظافة وحاجة المساكن التي أودعوا فيها للصيانة، فإن ضعف استجابة السلطات لمطالبهم انتهت بما لا يقل عن 5 حالات انهيار لمنازل على رؤوس قاطنيها من طالبي اللجوء.

فيما تطرقت صحيفة "إندبندنت" البريطانية في تقرير حصري نشرته حديثاً إلى موضوع آخر خطير، إذ أشارت الصحيفة إلى أن وزارة الداخلية البريطانية وضعت الأطفال والكبار في غرف واحدة وأجبرتهم على النوم معاً في الفنادق المخصصة للمهاجرين، ولم تنقلهم إلى مراكز الأطفال إلا بعدما عبرت الجمعيات الخيرية عن قلقها من سياسة حكومة بوريس جونسون التي تدفع الأطفال من طالبي اللجوء إلى التفكير جدياً بالانتحار.

ظروف تدفع إلى الانتحار

عند قدم طالبي اللجوء إلى بريطانيا بعد قطعهم القنال الإنجليزي الفاصل بين السواحل الإنجليزية والفرنسية، يتعرض الأطفال والمراهقون القادمون من دون مرافقين لتقييم عمر سريع من قبل عمال الخدمة الاجتماعية الذين تعينهم وزارة الداخلية أو من قبل مسؤولي الحدود، وإذا ما قيم الطفل بالخطأ أنه فوق 18 عاماً يجري تحويلهم إلى مساكن الكبار، التي تكون فنادق معدة للكبار بالعادة.

وخلال عملية التقييم هذه يحصل العديد من الأخطاء والملابسات فيما يتعلق بتوقع عمر الأطفال، إذ ادعت جمعية "كيرفور كاليه" أنها اكتشفت 421 حالة تتعلق بتقدير العمر منذ 2020، وصفتهم بأنهم كانوا خائفين ومشوشين، ما دفع عدداً منهم إلى التفكير بالانتحار وفرار آخرين قبل أن تتدخل الجمعية وتنقل الغالبية إلى بيوت رعاية.

وفي سياق متصل أشارت مراسلة الشؤون الاجتماعية في صحيفة "إندبندنت" مي بولمان إلى أن الأطفال المهاجرين أجبروا على النوم في غرف وحتى أسرِّة مع البالغين الذين لا يعرفونهم بعد وضع أعداد كبيرة منهم في مساكن معدة للبالغين فوق سن الـ18 عاماً.

فيما قالت مادي هاريس من مؤسسة "هيومان رايتس نتوورك": "إن وزارة الداخلية تضع الأطفال في فنادق الكبار حول البلد وغسلت يديها بالكامل منهم، وينتظرون منهم الاتصال بمنظمة مثل منظمتنا، ومن السلطات المحلية عمل شيء لهم".

مراكز أشبه بالسجون

تأكيداً لمطالب العديد من طالبي اللجوء الذين وصفوا مراكز استقبالهم بالسجون نشرت منظمة "شؤون اللجوء" (Asylum Matters) نهاية العام الماضي تقريراً أشارت فيه إلى إن أماكن الإقامة مثل النزل وثكنات الجيش السابقة وحتى الفنادق هي عبارة عن أماكن غير مناسبة لإيواء الأشخاص من طالبي اللجوء وتسبب أضراراً نفسية وجسدية وخيمة لهم.

ووصف التقرير حياة الأشخاص في مثل هذه الأماكن بمثابة العيش بالسجون، ولفت أيضاً إلى الضرر الأكبر للعيش في أماكن إقامة مؤسسية مثل هذه هو انعدام الشعور بالاستقلالية وتقييد قدراتهم لعيش حياتهم الخاصة، وذلك من خلال الممارسات التي تفرض قيوداً على الزوار ومراقبة تحركات السكان وحظر التجول.

وعلى الرغم من أن أماكن الإيواء هذه ليست مراكز احتجاز رسمية كما هو الحال في اليونان وبعض الدول الأوروبية الأخرى، فإن قاطنيها الذين يتواصلون مع الجمعيات الحقوقية والخيرية يشعرون بأنهم سلبوا من حريتهم الأساسية أثناء إقامتهم في مثل هذه الأماكن، وبالأخص الثكنات العسكرية القديمة التي حُولت إلى مراكز استقبال طالبي اللجوء مثل نابير في كينت وبنالي في ويلز.

أرقام وحقائق

طلب ما يقرب من 45 ألف شخص اللجوء في المملكة المتحدة العام الماضي، فيما نجح أكثر من 25 ألف شخص العبور من فرنسا إلى المملكة المتحدة بالقوارب حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

وكشفت أرقام وزارة الداخلية أيضاً عن وجود تراكم كبير لطلبات اللجوء في انتظار الاستماع إليها، فلم يُبت في قرابة 68 ألف حالة حتى الآن. يذكر أن الزيادة في طلبات اللجوء مدفوعة بالوافدين من إريتريا وإيران وسوريا، وكلها تتمتع بمعدلات قبول عالية جداً للجوء في المملكة المتحدة.

وتشير الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) إلى انخفاض كبير في صافي الهجرة إلى المملكة المتحدة عام 2020، وذلك بسبب قيود السفر التي فرضتها جائحة كورونا.

وإلى جانب كورونا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2020 عاملاً مهماً في انخفاض الأرقام بنسبة 88%، إذ بلغ صافي الهجرة -الفرق بين الأشخاص القادمين للعيش في المملكة المتحدة والمغادرين إلى بلدان أخرى- 34 ألفاً عام 2020 مقارنة بـ271 ألفاً في العام الذي سبقه.