ودفع ذلك دول المنطقة إلى إعادة تقييم مسارات تصدير النفط، مع تزايد الاهتمام بالمسارات البرية وخطوط الأنابيب كخيارات إضافية للتصدير.
وفي قلب هذا التحوّل، يُطرح خط كركوك-جيهان كأحد المسارات الرئيسة التي تنقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر الأراضي التركية، بالتزامن مع تحركات من بغداد وأنقرة لإعادة تفعيل هذا الممر، في ظل استمرار التحديات الإقليمية.
وكشفت الأشهر الأخيرة عن تحديات في منظومة التصدير النفطي العراقي؛ فقد تراجعت الصادرات خلال مارس/آذار 2026 إلى نحو 18.6 مليون برميل إجمالاً، مقابل قرابة 100 مليون برميل في فبراير/شباط، بتراجع يتجاوز 80% نتيجة تعطّل الشحن من المواني الجنوبية، وفق بيانات وزارة النفط وشركة سومو.
وعلى صعيد الإيرادات، انخفضت العائدات إلى نحو 1.95 مليار دولار مقارنةً بأكثر من 6 مليارات دولار في الأشهر السابقة، في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بنسبة تتجاوز 90%.
ويؤكد الخبير الاقتصادي العراقي د. صلاح عريبي العبيدي، أنّ تراجع الإيرادات النفطية بنسبة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة فرض ضغوطاً مباشرة على المالية العامة العراقية.
ويبيّن العبيدي في حديثه لـ"TRT عربي"، أنّ أي زيادة في التصدير عبر خط كركوك-جيهان يمكن أن تسهم في تخفيف جزء من هذه الضغوط، لكنها لا تكفي لتعويض التراجع الكبير في صادرات الجنوب.
ولفت إلى أنّ ارتفاع أسعار النفط عالمياً ساعد نسبيّاً في الحد من حجم الخسائر، إلا أنّ المشكلة الأساسية ترتبط بحجم الكميّات المصدّرة، إذ لا يزال العراق يعتمد بشكل كبير على مواني البصرة.
وفي هذا السياق، اقترح المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، في 19 أبريل/نيسان 2026 إنشاء خط أنابيب جديد يربط حقول البصرة جنوبي العراق، بمحطة جيهان، ضمن مقترحات تتعلق بتوسيع مسارات تصدير النفط عبر المتوسط.
ويرى د. عبد المطلب أربا، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة صباح الدين زعيم في إسطنبول، أنّ التوترات الإقليمية الأخيرة كشفت هشاشة منظومة إمدادات الطاقة العالمية، ولا سيما مع تعرّض جزء كبير من تجارة النفط العابرة عبر مضيق هرمز لمخاطر مباشرة.
ويشير في حديثه لـ"TRT عربي"، إلى أنّ تراجع الصادرات النفطية العراقية بأكثر من 80% خلال مارس/آذار 2026 يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه الاضطرابات الجيوسياسية على الدول المعتمدة على صادرات الطاقة.
ويضيف أربا أنّ خطوط الأنابيب لم تعد تُعامل باعتبارها مجرد أدوات لنقل النفط، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الطاقوي الإقليمي، وخصوصاً فيما يتعلق بدول العبور.
وبحسب تقديره، فإنّ إعادة تشغيل خط كركوك-جيهان تندرج ضمن توجه أوسع لإعادة تنشيط المسارات البرية في مواجهة المخاطر التي تواجه بعض الممرات البحرية.
تفعيل جيهان
وأعلنت وزارة النفط العراقية في 21 أبريل/نيسان 2026 قرب تفعيل خط كركوك-جيهان عبر فيشخابور، وأكد المتحدث بزون لصحيفة الصباح الحكومية أنّ الخط سيُفعَّل خلال أيام قليلة.
ورجّح بزون رفع الصادرات عبر تركيا إلى نحو 600 ألف برميل يومياً، فيما تبلغ طاقته التصميمية الكاملة مليوناً و600 ألف برميل يومياً، مقارنةً بـ200 ألف برميل فحسب هي حجم التدفقات الحالية عبر هذا المسار.
ويقول د. صلاح العبيدي، إنّ خط كركوك-جيهان يمثل أحد المنافذ المتاحة أمام العراق لتخفيف الضغوط الناتجة عن تراجع الصادرات عبر الجنوب، لكنّه يرى أنّ الخط لا يشكّل في الوقت الحالي بديلاً استراتيجياً كاملاً عن المواني الجنوبية، نظراً لمحدودية الكميات المصدّرة.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أنّ الطاقة التصميمية للخط تصل إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً، إلا أنّ الوصول إلى هذه المستويات يتطلب أعمال تطوير وتأهيل واسعة.
ويضيف العبيدي أنّ التدفقات الحالية ما تزال أقل بكثير من القدرة القصوى، ما يجعل مساهمة الخط في تعويض الخسائر جزئية حتى الآن.
وكانت عمليات الضخ عبر جيهان قد استُؤنفت جزئياً في مارس/آذار 2026 بطاقة 250 ألف برميل، إثر الاتفاق المبرم بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم شمال العراق، الذي أعاد تفعيل هذا المسار بعد فترة توقف.
وعلى الصعيد التشغيلي، أعلنت محطة (K1) في كركوك بتاريخ 9 أبريل/نيسان 2026 استقبالها الدفعة الأولى من النفط القادم من البصرة بعد أعمال تأهيل رفعت طاقتها إلى 90 ألف برميل يومياً، على أن يُضخّ النفط لاحقاً إلى محطة سارالو شمال غربي كركوك ومنها إلى جيهان.
غير أنّ هذا التطوّر تكتنفه تحديات قانونية مرتبطة بموعد انتهاء الاتفاقية؛ إذ نصّ قرار نُشر في الجريدة الرسمية التركية بتاريخ 21 يوليو/تموز 2025 على أنّ اتفاقية خط الأنابيب المبرمة بين البلدين عام 1973 ستنتهي في 27 يوليو/تموز 2026، في وقت يواصل فيه الطرفان محادثاتهما لإبرام اتفاقية جديدة.
ويعتقد د. عبدالمطلب أربا أنّ اقتراب انتهاء الاتفاقية الحالية بين العراق وتركيا في يوليو/تموز 2026 قد يدفع الجانبين إلى إعادة صياغة الإطار المنظم لتشغيل الخط.
ويشير الأكاديمي إلى أنّ الخلافات السابقة المتعلقة برسوم العبور والتحكيم الدولي أظهرت الحاجة إلى تفاهمات جديدة أكثر استقراراً.
وبحسب تقديره، فإنّ أي اتفاق مستقبلي قد يتضمن تطوير الطاقة الاستيعابية للخط، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بالتخزين والتسعير وتأمين البنية التحتية.
كما يرى أربا أنّ العراق ما يزال بحاجة إلى الحفاظ على مسارات تصدير متعددة، في ظل اعتماد اقتصاده بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية.
ومن جانبه، يعتقد الخبير د. صلاح العبيدي أنّ تشغيل خط كركوك-جيهان ما يزال يواجه تحديات سياسية وفنية، تتعلق بالعلاقة بين بغداد وأربيل، إلى جانب الملفات القانونية العالقة مع الجانب التركي.
ويؤكد أنّ استدامة عمل الخط تتطلب تفاهمات مستقرة وأعمال تأهيل فنية، تضمن رفع كفاءته التشغيلية خلال المرحلة المقبلة.
تنويع المسارات
وعلى صعيد البنية التحتية التركية، تعتزم شركة بوتاش مضاعفة الطاقة الاستيعابية لمنشآتها في جيهان أربع مرات لتبلغ 45 مليون برميل، بحسب وكالة رويترز.
وأوضح الرئيس التنفيذي عبد الواحد فيدان في تصريحات نقلتها رويترز، في 27 أبريل/نيسان 2026، أنّ المرحلة الأولى ستشمل بناء 6 خزانات عند نقطة التقاء خطَّي باكو-تفليس-جيهان وكركوك-جيهان خلال العام الجاري، على أن يكتمل المشروع بين عامَي 2030 و2031.
ويقول الدكتور أربا إنّ ميناء جيهان يحظى باهتمام متزايد ضمن شبكات نقل الطاقة الإقليمية، في ظل ارتباطه بخطوط تصدير قادمة من العراق ومنطقة بحر قزوين.
ويشير إلى أنّ البنية التحتية الحالية للميناء، إلى جانب خط باكو-تبليسي-جيهان، قد تمنح تركيا قدرة إضافية على توسيع عمليات التخزين وإعادة التصدير.
ويرى أنّ أي زيادة في تدفقات النفط العراقي عبر جيهان قد تعزز من دور الميناء في تزويد الأسواق الأوروبية، وخصوصاً مع توجه عدد من الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الإمدادات منذ عام 2022.
كما يلفت أربا إلى أنّ المخاطر التي تواجه بعض الممرات البحرية، رفعت من أهمية المسارات البرية وخطوط الأنابيب العابرة للحدود.
وقد يعزز توسّع بوتاش من دور جيهان في تخزين النفط، في ضوء التقاء خطوط نقل النفط من حوضَي بحر قزوين والخليج في نقطة واحدة.
وفي هذا الإطار، يرى عضو لجنة النفط والغاز النيابية العراقية قيصر الجوراني، في تصريح لصحيفة الصباح، أنّ إعادة تأهيل الخط القديم إلى جيهان بالكامل قادرة على رفع طاقته إلى نحو مليون و500 ألف برميل يومياً، ما قد يسهم في زيادة كميات التصدير عبر هذا المسار.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية الحالية، يبرز خط كركوك-جيهان كأحد الخيارات التي تسعى بغداد وأنقرة إلى تطويرها ضمن تحركات أوسع تتعلق بتأمين مسارات الطاقة وتوسيع خيارات التصدير.

















