أفادت شركة أمازون، الاثنين، بأن منطقة خدماتها السحابية في البحرين تشهد "اضطراباً"، موضحة على لسان متحدث باسمها أن السبب يعود إلى نشاط طائرات مسيرة في المنطقة.
وكانت "أمازون ويب سيرفيسز" أعلنت في وقت سابق من الشهر الجاري انقطاع الكهرباء عن مرافقها في كل من البحرين والإمارات، مؤكدة أنها تعمل على استعادة الخدمات، بما في ذلك نقل أعباء الحوسبة إلى مناطق بديلة.
وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة "رويترز" في مارس/آذار الجاري، أن ضربة استهدفت منشأة في الإمارات شكلت أول عمل عسكري يؤدي إلى اضطرابات في مركز بيانات تابع لشركة تقنية أمريكية كبرى، فيما توقعت أمازون أن تكون عملية التعافي "مطولة" نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
وعلى صعيد متصل، شهد 11 مارس/آذار تطوراً لافتاً مع استهداف مركز بيانات مرتبط ببنك "سبه" في طهران، كان يضم بيانات رواتب الحرس الثوري الإيراني والجيش، ما أدى إلى تعطل دفع الرواتب للعناصر العسكرية، إضافة إلى توقف الخدمات المصرفية الإلكترونية مؤقتاً، وفقاً لصحيفة "جيروزاليم بوست".
وفي اليوم نفسه، وسعت إيران نطاق تهديداتها، إذ نشرت وسيلة إعلام مرتبطة بالحرس الثوري قائمة تضم 29 "هدفاً تقنياً" في البحرين وإسرائيل وقطر والإمارات. وشملت القائمة خمس منشآت تابعة لأمازون، وخمساً لمايكروسوفت، وستاً لشركة "آي بي إم"، وثلاثاً لـ"بالانتير"، وأربعاً لغوغل، وثلاثاً لإنفيديا، وثلاثاً لأوراكل. ووصفت طهران هذه الأهداف بأنها "مشروعة" لارتباطها بإسرائيل، على الرغم من أنها تعود لشركات أمريكية كبرى باتت تشكل ركناً أساسياً في منظومة الأمن القومي الأمريكي.
وفي مواجهة هذه التطورات، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن أمازون اقترحت على عملائها في الشرق الأوسط نقل عملياتهم إلى مراكز بيانات في مناطق أخرى، مؤكدة أنها "تعدل عملياتها استجابة للوضع المتغير، بما في ذلك تعليق مؤقت لبعض الأنشطة عند الضرورة".
مراكز البيانات.. النفط الجديد
في هذا السياق، ترى منى يعقوبيان، مديرة وكبيرة مستشاري برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن الحوسبة باتت تكتسب أهمية استراتيجية تضاهي النفط، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الذكاء الصناعي، حيث تمثل القدرة الحوسبية حجر الأساس لتوسيع استخداماته، من خلال مراكز بيانات ضخمة تضم رقائق متقدمة عالية الاستهلاك للطاقة تُستخدم في تدريب النماذج وتشغيلها.
ومع تزايد أحمال العمل المرتبطة بهذه التقنيات، تحولت هذه المراكز إلى مصدر رئيسي ومتنامٍ للطلب على الطاقة.
وفي هذا الإطار، تبرز دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، بوصفها بيئة ملائمة لتوسيع البنية التحتية للذكاء الصناعي، بفضل وفرة الطاقة منخفضة التكلفة، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يمنحها دوراً محورياً في توزيع الخدمات الرقمية نحو الشرق الأوسط وإفريقيا، باعتبارها بوابة رقمية إلى الجنوب العالمي.
وتوضح يعقوبيان أن السياسة الأمريكية تسعى إلى تركيز قدرات الذكاء الصناعي داخلياً، مع العمل في الوقت ذاته على نشر "حزمة الذكاء الصناعي الأمريكية" عالمياً عبر شركاء موثوقين، ما يجعل دول الخليج جزءاً أساسياً من هذه استراتيجية في ظل الحاجة إلى انتشار عالمي للقدرات الحوسبية.
وفي هذا السياق، تعتمد الشركات الأمريكية على الطاقة ورأس المال الخليجي، بينما تراهن دول الخليج على التكنولوجيا والمنصات الأمريكية لتحقيق تحولها الاقتصادي.
من زاوية تقنية موازية، يوضح الباحث في الشؤون التقنية والعسكرية عمر الصفدي، أن اختيار الخليج موقعاً لبناء مراكز بيانات تابعة لشركات مثل Amazon Web Services وOracle وMeta قد يبدو غير بديهي في ظل البيئة الصحراوية القاسية وارتفاع درجات الحرارة وتكاليف التبريد، إلا أن المعطيات الفعلية تفسر هذا التوجه.
فبحسب باحث مختص في تقنيات التبريد تحدث إلى TRT عربي، يمثل التبريد ما بين 30% و50% من تكلفة تشغيل مراكز البيانات، ما يجعل توفر طاقة رخيصة ومستقرة شرطاً حاسماً لجعل هذه الاستثمارات قابلة للحياة، وهو ما توفره دول الخليج.
ولا يقتصر الأمر على الطاقة، إذ يشير الصفدي إلى أن استضافة مراكز البيانات تتطلب منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية كهربائية مستقرة، وشبكات إنترنت عالية الاعتمادية، وارتباطاً كثيفاً بالكابلات البحرية الدولية، إلى جانب قدرة محلية على الصيانة السريعة، خصوصاً في حالات انقطاع الألياف.
كما يبقى وجود طلب داخلي قوي عاملاً حاسماً، إذ إن الاعتماد على تصدير الخدمات فقط دون سوق محلي متماسك يشكل مخاطرة عالية تتأثر بالاستقرار السياسي بقدر ما تتأثر بالاعتبارات التقنية.
وبناء على ذلك، لا يعود تمركز هذه الشركات في الخليج إلى كونه الخيار الأرخص أو الأنسب مناخياً، بل إلى كونه البيئة التي توافرت فيها مجموعة معقدة من الشروط في آن واحد: وفرة رأس المال، وبنية تحتية متقدمة، واستقرار نسبي، ما جعله مركزاً صاعداً في خريطة الحوسبة العالمية.
مستقبل الذكاء الصناعي في الخليج
في سياق متصل، تكشف بيانات نقلتها صحيفة "نيويورك تايمز" عن شركة الأبحاث "آي دي سي"، تسارعاً ملحوظاً في وتيرة الاستثمار التكنولوجي في الشرق الأوسط، إذ بلغ إجمالي الإنفاق على التكنولوجيا الاستهلاكية والتجارية نحو 65 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بـ36 مليار دولار في عام 2020، فيما ارتفع الإنفاق على مراكز البيانات والخدمات السحابية بنسبة 75% ليصل إلى 895 مليون دولار.
وفي المقابل، يسلط موقع "بلومبيرغ" الضوء على مفارقة لافتة، تتمثل في أن رؤوس الأموال الخليجية تسهم في تمويل مساعي الولايات المتحدة لتعزيز موقعها في سباق الذكاء الصناعي، في وقت أدت فيه الحرب التي تقودها واشنطن إلى تعريض هذه الاستثمارات ذاتها لمخاطر متزايدة. وتشير تقديرات إلى التزامات طويلة الأمد من دول الشرق الأوسط تصل إلى نحو تريليوني دولار لدعم هذا القطاع، وهي استثمارات باتت تواجه قدراً متصاعداً من عدم اليقين.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "بوليتيكو" عن جانيت إيغان، نائبة مدير برنامج التكنولوجيا والأمن القومي في مركز الأمن الأمريكي الجديد، قولها إن "حجم الاستثمارات قد يشهد تراجعاً نسبياً، إلا أن السعودية والإمارات لا تزالان متمسكتين بتطوير مراكز بيانات الذكاء الصناعي"، مضيفة: "لا أعتقد أن الجميع سينسحب من المنطقة".
وفي الاتجاه ذاته، أشار كريس ميلر، الباحث في تاريخ أشباه الموصلات بجامعة تافتس، إلى أن هذه الدول ستضطر إلى توجيه موارد كبيرة لإعادة الإعمار وتعزيز قدراتها الدفاعية والتعامل مع التداعيات الاقتصادية، ما قد يقلص حجم الاستثمارات المتاحة لهذا القطاع.
كما حذرت شياومينغ لو، وزيرة في مجموعة "يوراسيا"، في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز"، من أن الحرب ستؤثر سلباً على جهود دول الخليج في استقطاب شركات التكنولوجيا، لا سيما في الإمارات نظراً لقربها الجغرافي من إيران. ومع ذلك، ترى إيغان أن لهذه الاستثمارات بعداً استراتيجياً يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية، إذ إن توسيع حضور الشركات الأمريكية في المنطقة يعزز المصالح الأمريكية، وقد يدفع صناع القرار في واشنطن إلى العمل على احتواء النزاعات أو الحد من توسعها.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الدوافع الاقتصادية والاستراتيجية للشركات الأمريكية لن تختفي مع استمرار الحرب، غير أن حجم الاستثمار قد يشهد تحولات، مع تزايد جاذبية دول أكثر استقراراً مثل كندا وأستراليا بوصفها مواقع بديلة لبناء مراكز بيانات جديدة.
وفي قراءة تقنية موازية، يتفق الباحث عمر الصفدي مع هذا التقدير، مشيراً إلى أن كلفة تشغيل مراكز البيانات مرشحة للارتفاع، ليس فقط بسبب متطلبات التبريد المرتفعة أساساً، بل أيضاً نتيجة زيادة تكاليف الحماية والتأمين في بيئة أمنية أكثر هشاشة. ويضيف أن أي خلل في الكهرباء أو الاتصال أو الصيانة قد يكون كفيلاً بتعطيل المشروع بالكامل، ما يجعل عامل الاستقرار أكثر حساسية في حسابات الاستثمار.
ورغم هذه التحديات، لا يتوقع الصفدي انسحاباً واسعاً من المنطقة، معتبراً أن وجود سوق محلية قوية وطلب حكومي مرتفع في دول الخليج يشكلان "صمام أمان" لاستمرار الاستثمارات. ويرجح أن تتجه الشركات إلى إعادة توزيع بنيتها التحتية، وتعزيز التكرار الجغرافي، واعتماد مقاربات أكثر حذراً، من دون التخلي عن حضورها في المنطقة.
شركات التقنية
وفي السياق ذاته، يشير موقع "بلومبيرغ" إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل "أمازون" وغوغل ومايكروسوفت وميتا وأوراكل، تواجه مخاطر متزايدة، في ظل اعتماد استثماراتها الضخمة -التي تقدر بنحو 1.15 تريليون دولار- على توفر مصادر طاقة رخيصة ومستقرة، ولا سيما الغاز الطبيعي الذي يشكل نحو 40% من استهلاك مراكز البيانات في الولايات المتحدة، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية. ومع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب، تزداد هشاشة هذه النماذج التشغيلية.
ولا تقتصر التداعيات على تكاليف التشغيل، بل تمتد أيضاً إلى سلاسل إمداد الرقائق. فشركة "تي إس إم سي" التايوانية، التي تنتج معظم الرقائق المتقدمة لصالح "إنفيديا"، تعتمد جزئياً على إمدادات من الشرق الأوسط، تشمل الوقود والهيليوم الضروري لتصنيع الشرائح. وقد تأثرت إمدادات الهيليوم من قطر بعد هجوم بطائرات مسيرة إيرانية استهدف منشآت في مدينة رأس لفان الصناعية، ما ينذر بتأخير إنتاج الرقائق لعدة أشهر.
وفي هذا الإطار، يبرز اسم "إنفيديا" بوصفها الأكثر عرضة لهذه المخاطر، نظراً لاعتماد إيراداتها بشكل رئيسي على مبيعات الرقائق لشركات البنية التحتية، ما يجعل أي تباطؤ في وتيرة بناء مراكز البيانات ينعكس مباشرة على أدائها المالي.
وعلى خلاف ذلك، تمتلك شركات مثل "أمازون" وغوغل مصادر دخل متواصلة من خدمات الحوسبة السحابية، ما يمنحها هامشاً أكبر لامتصاص الصدمات. في المقابل، تفتقر "إنفيديا" إلى هذا الغطاء المالي، إذ تواجه تحديات مزدوجة تتمثل في تعقيدات الإنتاج في تايوان، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تحيط بالصفقات الكبرى مع دول الشرق الأوسط، ومنها صفقة توريد نحو 70 ألف شريحة متقدمة إلى السعودية والإمارات، التي وافقت عليها الحكومة الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وفي المحصلة، ترى صحيفة "بلومبيرغ" أن الأموال الخليجية أسهمت في دعم طفرة الذكاء الصناعي عالمياً، إلا أن استمرار الحرب يهدد هذه المنظومة من جذورها. فبينما تبدو تطبيقات الذكاء الصناعي قادرة على الحفاظ على تدفقات الإيرادات، تظل البنية التحتية التي تقوم عليها أكثر عرضة للتقلبات كلما طال أمد الصراع.
أهداف عسكرية أم مدنية؟
يشير المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني (RUSI) إلى أن مراكز البيانات والخدمات الرقمية لم تعد مجرد بنية تحتية اقتصادية ومدنية، بل تحولت إلى مكون محوري في منظومات الدفاع الحديثة، في ظل الاعتماد المتزايد للجيوش على الحوسبة السحابية والذكاء الصناعي.
ويستدل المعهد على هذا التحول بعدد من الأمثلة، من بينها اعتماد نظام إدارة المعارك "دلتا" في أوكرانيا على الحوسبة السحابية، واستضافة خدمات "أمازون ويب سيرفيسز" نظام "مافن" العسكري الأمريكي الذي طورته شركة "بالانتير"، فضلاً عن استخدام إسرائيل قدرات الذكاء الصناعي المستضافة سحابياً خلال حربها على غزة.
وفي السياق ذاته، يوضح الباحث عمر الصفدي، في حديث معه TRT عربي، أن الجيوش الحديثة لم تعد تعتمد على الوسائل التقليدية مثل الخرائط الورقية أو أجهزة اللاسلكي، بل تعمل ضمن منظومات متكاملة تُعرف بـ C4ISR (القيادة، السيطرة، الاتصالات، الاستخبارات والاستطلاع)، تقوم أساساً على تدفق البيانات وتحليلها بسرعة عالية.
وتشمل هذه البيانات صور الأقمار الصناعية، وإشارات الاتصالات، ومعلومات الطائرات المسيرة، ما يتطلب قدرات حوسبة متقدمة، وسعات تخزين ضخمة، وخوارزميات تحليل تعتمد في كثير من الأحيان على الذكاء الصناعي، وهو ما يجعل مراكز البيانات عنصراً حاسماً في هذه المنظومات.
ويصنف هذا النمط ضمن ما يعرف بالبنية التحتية "مزدوجة الاستخدام"، التي تخدم الأغراض المدنية والعسكرية معاً. وبناء على ذلك، فإن استهداف مراكز البيانات لا يهدف بالضرورة إلى شل قيادة عسكرية مباشرة، بل إلى إبطاء منظومات كاملة، من خلال تعطيل تدفق المعلومات، والضغط على الأنظمة، وإرباك الخدمات المرتبطة بها.
وفي تفسيره لدوافع استهداف إيران لهذه المنشآت، يطرح المعهد ثلاثة عوامل رئيسية: يتمثل الأول في فرض تكاليف اقتصادية، إذ استثمرت دول الخليج بكثافة لاستقطاب شركات التكنولوجيا الأمريكية في إطار جهود تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، فيما يمنح استهداف هذه الشركات بعداً إضافياً نظراً لدورها المحوري في دعم سوق الأسهم الأمريكي، بما قد ينعكس على الأجندة الاقتصادية للإدارة الأمريكية.
أما العامل الثاني فيرتبط بالتأثير على القدرات الحيوية وجمع المعلومات، حيث توفر شركات الحوسبة السحابية خدمات مباشرة للحكومات، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والبنى التحتية الحيوية. وترتبط شركات مثل "أمازون" وغوغل بعقود طويلة الأمد مع الجيش الإسرائيلي، فيما يشمل عقد "القدرة السحابية المشتركة للحرب" (JWCC) بقيمة 9 مليارات دولار شركات "أمازون" ومايكروسوفت وأوراكل، ما يعزز الأهمية العسكرية لهذه المنشآت.
في حين يتمثل العامل الثالث في إحداث اضطراب واسع النطاق، إذ أدت الهجمات إلى تعطيل خدمات رقمية حيوية شملت المدفوعات والخدمات المصرفية ومنتجات المستهلكين، ما انعكس مباشرة على حياة الأفراد والشركات، وأبرز الأثر الملموس للحرب على الأنشطة اليومية.
وبحسب المعهد، تندرج هذه الضربات ضمن استراتيجية أوسع للحرب اللامتماثلة، تسعى من خلالها إيران إلى إعادة بناء الردع عبر استهداف نقاط الضعف لدى خصومها، وإلحاق أضرار اقتصادية وتشغيلية بحلفاء الولايات المتحدة في الخليج، إلى جانب استنزاف قدراتهم الدفاعية.
















