الضم الفعلي.. كيف تعيد قرارات الكابينت تشكيل الواقع في الضفة الغربية المحتلة؟

أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) الأحد، حزمة قرارات جديدة تستهدف إحداث تغييرات في الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.

By
تأتي هذه الخطوة في سياق تاريخي يعود إلى الفترة بين عامي 1950 و1967، حين كانت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، خاضعة للإدارة الأردنية. / AA

وذكرت هيئة البث العبرية أن القرارات شملت إلغاء القانون الأردني الذي يحظر بيع أراضي الفلسطينيين لليهود في الضفة الغربية، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، بما يتيح توسيع نطاق الاطلاع والتصرف في ملكيات الأراضي.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تاريخي يعود إلى الفترة بين عامي 1950 و1967، حين كانت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، خاضعة للإدارة الأردنية، قبل أن تحتلها إسرائيل عام 1967.

كما تضمنت قرارات الكابينت نقل صلاحيات ترخيص البناء في التجمع الاستيطاني بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، في تغيير مباشر لآليات التخطيط والبناء المعمول بها في المدينة.

وشملت القرارات أيضاً توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتطول مناطق مصنفة "أ" و"ب"، بذريعة معالجة مخالفات تتعلق بالبناء غير المرخص، وقضايا المياه، وما تصفه إسرائيل بالإضرار بالمواقع الأثرية والبيئية.

ويتيح هذا الإجراء لإسرائيل تنفيذ عمليات هدم ومصادرة لممتلكات فلسطينية، حتى في المناطق التي تخضع إدارياً وأمنياً لسيطرة السلطة الفلسطينية.

وبموجب اتفاقية أوسلو الثانية الموقعة عام 1995، تخضع المنطقة "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "ب" للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، في حين تقع المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتُقدّر مساحتها بنحو 60% من مساحة الضفة الغربية المحتلة.

وفي السياق نفسه، أفادت يديعوت أحرونوت بأن جزءاً من القرارات الجديدة يطول الترتيبات القائمة في مدينة الخليل، حيث تقرر نقل صلاحيات التخطيط والبناء في محيط المسجد الإبراهيمي ومواقع دينية أخرى من بلدية الخليل إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية.

فسخ اتفاقية أوسلو

قال مسؤول وحدة القانون الدولي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حسن بريجية، إن القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية أخيراً تمثل مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي، ولا تستند إلى أي أساس قانوني ملزم.

وأوضح بريجية أن منح إسرائيل نفسها صلاحيات تتعلق بالمواقع الأثرية الفلسطينية يتعارض مع القانون الدولي، مؤكداً أن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، لا تملك الحق في التصرف بهذه المواقع أو فرض سيادتها عليها.

وفيما يتعلق بالإطار القانوني الناظم للعلاقة بين الفلسطينيين وإسرائيل، أشار بريجية إلى أنه رغم توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، فإن الفلسطينيين يظلون شعباً خاضعاً للاحتلال، وتخضع العلاقة القانونية معهم لأحكام اتفاقية روما واتفاقية جنيف الرابعة، في حين نظّمت اتفاقية أوسلو الترتيبات الداخلية فقط، واستفادت منها إسرائيل بدرجة أكبر من الفلسطينيين.

وأضاف أن إسرائيل تسعى لفسخ اتفاقية أوسلو، إلا أنها، نظراً لصعوبة ذلك من الناحية القانونية، تتجه إلى فرض وقائع ميدانية عبر ما وصفه بـ"الضم الزاحف"، بهدف دفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري.

وأشار إلى أن هذه السياسات تُنفّذ في ظل دعم أمريكي، إلى جانب حالة الضعف العربي والانقسام الفلسطيني، ما وفر لإسرائيل فرصة مواتية للمضي في مخططاتها.

وأكد بريجية أن إسرائيل لا تستطيع قانونياً فسخ اتفاقية ثنائية نتج عنها كيان وإقليم جديد، حتى في حال إعلان الحرب، كما لا تملك صلاحية إلغاء القانون الأردني الذي كان سارياً في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، قبل احتلالها عام 1967.

ولفت إلى أن ما نُشر حتى الآن يندرج في إطار تصريحات صادرة عن وزيرين في الحكومة الإسرائيلية، من دون صدور إعلان رسمي ملزم، مشيراً إلى أن إعلانات مشابهة سُجّلت في السابق، مثل الحديث عن الضم وتطبيق السيادة، دون أن تكون قابلة للتنفيذ الكامل، وأن الهدف منها كان في الأساس اختبار ردود الفعل على المستويين المحلي والدولي.

إلغاء القوانين الأردنية

قال الخبير السياسي سليمان بشارات إن القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك الحديث عن إلغاء القوانين الأردنية السارية في الضفة الغربية، تحمل رسالة واضحة مفادها أن الطرف الذي يمتلك القوة على الأرض هو من يفرض الوقائع الجديدة، ويعيد صياغة القوانين بما يخدم مصالحه.

وتساءل بشارات عن مدى فاعلية الأطر القانونية القائمة، قائلاً إن القوانين الأردنية والفلسطينية ما زالت موجودة، إلا أن إسرائيل لا تأخذها بعين الاعتبار، ولا تشكل في الواقع عائقاً حقيقياً أمام الإجراءات التي تنفذها على الأرض.

وأوضح أن عمليات السيطرة على الأراضي والتوسع الاستيطاني ترتبط أساساً بفرض الوقائع بالقوة، وليس بالتزام المفاهيم أو المرجعيات القانونية، معتبراً أن إسرائيل تتحرك انطلاقاً من تصور أيديولوجي يقوم على ترسيخ الوجود اليهودي في الأرض الفلسطينية، تمهيداً لفرض واقع يخدم مشروع إقامة الدولة اليهودية.

وأضاف أن هذا التوجه يحظى بدعم التيار اليميني المتطرف داخل إسرائيل، إلى جانب قبول وتفهم من الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى، ما يوفر غطاءً سياسياً لمواصلة السياسات على الأرض.

وفي سياق متصل، أشار بشارات إلى أن ما تبقى من الأرض الفلسطينية والوجود الفلسطيني يشكل تحدياً أمام هذا المشروع، لكنه رأى أن غياب مقومات الحماية الفعلية يجعل هذا الوجود عرضة لمزيد من التآكل.

وبحسب معطيات فلسطينية، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون في الضفة الغربية، بما فيها القدس، منذ بدء الحرب على غزة، ما لا يقل عن 1112 فلسطينياً، وأصابوا نحو 11 ألفاً و500 آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألف فلسطيني.

واعتبر بشارات أن القوانين الأردنية والفلسطينية لا توفر حماية حقيقية لمنع الاستيلاء على الأراضي أو ما وصفه بـ"السرقة الإسرائيلية"، في ظل اختلال ميزان القوة وغياب آليات إنفاذ دولية فعالة.

وفيما يتعلق بدور السلطة الفلسطينية، رأى أن الخيارات المتاحة ترتبط بالإرادة السياسية، داعياً إلى اتخاذ خطوة سياسية جادة تعيد صياغة مفهوم الوجود السياسي الفلسطيني، وتعيد النظر في طبيعة الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي.

السلطة تحذّر

طالب نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، الاثنين، جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس الأمن الدولي بعقد جلسات طارئة لبحث القرارات الإسرائيلية التي وصفها بـ"الخطيرة" والمتعلقة بالضفة الغربية المحتلة، والمطالبة بإدانتها.

وقال الشيخ، في تدوينة عبر منصة إكس، إن السلطة الفلسطينية تطالب بعقد اجتماعات عاجلة لهذه الأطر الدولية لمناقشة قرارات الحكومة الإسرائيلية، داعياً إلى اتخاذ موقف عربي وإسلامي ودولي موحد، يدين هذه الإجراءات ويضغط على إسرائيل للتراجع عنها فوراً.

وفي السياق ذاته، قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، إن القرارات الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي تمثل "انقلاباً علنياً على الاتفاقيات الموقعة"، وفي مقدمتها اتفاقية أوسلو واتفاق الخليل، معتبراً أنها تأتي في سياق سياسي يستهدف تحويل إدارة الأرض والملكية والجغرافيا إلى أدوات سيطرة وضمّ مقنّع.

ومن جهتها، اعتبرت بلدية الخليل، في بيان، أن القرارات الإسرائيلية تشكل اعتداءً مباشراً وغير شرعي على صلاحياتها القانونية والإدارية، وانتهاكاً لأحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد الاحتلال الحربي التي تحظر إحداث تغييرات بنيوية ودائمة في الأراضي المحتلة.

وحذّرت البلدية من أن سحب الصلاحيات التخطيطية والبلدية، ولا سيما في محيط المسجد الإبراهيمي، يمثل تغييراً غير مشروع وخطيراً للوضع القائم دينياً وإدارياً وأمنياً، ويهدد حرية العبادة والنظام العام، ويمس بحقوق السكان الفلسطينيين وبالنسيج الاجتماعي والاقتصادي لمدينة الخليل.

وبموجب اتفاق الخليل الموقع عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، قُسّمت مدينة الخليل إلى منطقتين H1 وH2، وتخضع H1، التي تشكل معظم مساحة المدينة، لإدارة السلطة الفلسطينية، في حين تبقى منطقة H2، التي تضم البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، تحت السيطرة الإسرائيلية.