ما دلالات إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي؟ وما التداعيات المتوقعة لها؟

تعكس إقالة قادة عسكريين أمريكيين بينهم رئيس أركان الجيش، توجهاً سياسياً لإعادة تشكيل الجيش وفق رؤية أيديولوجية، ما يهدد بتسييس المؤسسة العسكرية وتآكل خبرتها واحترافيتها.

By أحمد مولانا
أطلق هيجسيث نداء لاستعادة الجيش الأمريكي قائلا "يتعين على الرئيس القادم لأمريكا أن يغير جذرياً القيادات العليا في البنتاجون حتى نصبح مستعدين للدفاع" / Reuters

أثارت إقالة وزير الحرب بيت هيغسيث لرئيس أركان الجيش أي “القوات البرية الأمريكية”، الجنرال راندي جورج، حالة من الجدل، بسبب صدورها قبل انتهاء ولايته بأكثر من عام.

وجاءت الإقالة ضمن سلسلة من الإقالات التي طالت كبار الضباط، من رئيس هيئة الأركان المشتركة إلى قادة في الاستخبارات والبحرية والقوات الجوية ضمن مساعي لإعادة هيكلة القيادة العسكرية الأمريكية بما يتلاءم مع الرؤية السياسية والأيديولوجية التي يتبناها الوزير هيغسيث.

وعند العودة إلى الخلفية الفكرية لوزير الحرب الحالي، والتي عبّر عنها في عدد من الكتب التي نشرها، ومن أهمها كتابه "الحرب على المحاربين" الذي نشره في عام 2024 قبل شهور معدودة من توليه منصبه الجديد، نجده يتحدث عن اختطاف اليسار للمؤسسة العسكرية الأمريكية خلال عهدي أوباما وبايدن، عبر سياسات التنوع العرقي والجنسي، واعتماد معايير للترقية لا تهتم بالجدارة القتالية بقدر اهتمامها باعتبارات سياسية واجتماعية.

لقد أطلق هيغسيث نداء لاستعادة الجيش الأمريكي قائلاً: "يتعين على الرئيس القادم للولايات المتحدة أن يغير جذرياً القيادات العليا في البنتاغون حتى نصبح مستعدين للدفاع عن أمتنا وهزيمة أعدائنا. ولا بد من إقالة كثير من الناس... علينا أن ننظف البيت ونبدأ من جديد.. علينا أن نطرد أي جنرال ساعد أوباما وبايدن في التحول غير الدستوري.. لقد استولى اليسار على المؤسسة العسكرية بسرعة، وعلينا أن نستعيدها بوتيرة أسرع. ويتعين علينا أن نشن هجوماً مضاداً سريعاً في وضح النهار، إذا انتظرنا حلول الليل، فسوف يعيدون تجميع صفوفهم".

ويضيف هيغسيث: "لقد عيّن أوباما مسؤولين سياسيين يساريين من ذوي التفكير المماثل في مناصب الدفاع العليا، ثم بدأ في مكافأة وترقية الجنرالات والأدميرالات الذين كانوا على استعداد للخضوع لهؤلاء الأيديولوجيين. أما الجنرالات الذين لم يتبعوا خط أوباما فقد جرى توبيخهم أو تهميشهم أو طردهم".

لقد عين الرئيس الأسبق بايدن الجنرال راندي جورج في منصبه عام 2023، وكان مفترضاً أن يستمر في منصبه لمدة 4 سنوات، لكنه سرعان ما لحق برئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون ثاني أمريكي أسود يتولى هذا المنصب الرفيع، فضلاً عن نحو 12 جنرالاً وأدميرالاً من الصف الأول أقيلوا بقرارات مفاجئة.

ومن أبرز المُقالين خلال ما يزيد على عام في إدارة ترمب الثانية، الجنرال ديفيد هودن المسؤول عن التحول والتدريب في الجيش، والذي يمثل العقل الذي يشرف على العقيدة القتالية وبناء عقول الجنود، كما أقيلت ليزا فرانشيتي أول امرأة تقود القوات البحرية، وليندا فاغان أول امرأة تقود خفر السواحل، وذلك ضمن توجه مناهض لسياسة التنوع والشمول، التي جلبت نساء وضباط ملونين لدائرة القيادة العسكرية.

كذلك استقال الأدميرال ألفين هولسي قائد القيادة الجنوبية في عام 2025 في أثناء لحظة حرجة أثناء الهجمات على الزوارق في البحر الكاريبي بحجة تهريبها للمخدرات، وذلك بعد مرور عام واحد فقط على توليه منصبه، كما أقيل الجنرال جيفري كروز رئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية، على خلفية تسريب تقديرات موقف تتعلق بحدوث مبالغة في تأثير الضربات على منشآت إيران النووية في عام 2025.

لقد اكتسبت إقالة راندي جورج زخماً إعلامياً لوقوعها في أثناء الحرب الدائرة مع إيران، إذ إن إقالة قيادة عسكرية عليا في خضم حرب تتسع، توحي بأن الإدارة الأمريكية تسعى لتشكيل قيادة أكثر انسجاماً مع نمط الحرب الذي تتبناه، والذي يميل إلى التصعيد، وربما الانخراط في عملية برية داخل إيران.

إلى جانب البعد الأيديولوجي، يطرح هيغسيث في كتبه نقداً لنظام الترقية داخل الجيش الأمريكي، معتبراً أنه انحرف عن مبدأ الجدارة لصالح اعتبارات سياسية ومصلحية. ويستند في ذلك إلى مؤشرات مثل انتقال عدد كبير من الجنرالات المتقاعدين إلى العمل في شركات الصناعات الدفاعية، ما يخلق بحسب تصوره شبكة مصالح متداخلة بين البنتاغون والمجمع الصناعي العسكري، ما يؤثر على قرارات التسليح والانسحاب، ويضرب مثالا بما حدث في أفغانستان حيث تُركت معدات عسكرية بمليارات الدولارات خلف القوات الأمريكية.

وفي هذا الإطار، تأتي إقالة القيادات العسكرية ضمن محاولة تفكيك هذا "التحالف غير المقدس"، وإعادة بناء هرم القيادة على أسس مختلفة، تتجاوز البيروقراطية التقليدية نحو نموذج أكثر هجومية، وهو ما يفسر أيضاً دعوات هيغسيث إلى تقليص عدد الجنرالات، وإعادة تسمية وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب.

لن تخلو هذه الإقالات من كلفة كبيرة، فإزاحة عدد كبير من القادة الذين راكموا خبرات تمتد لعقود في ميادين القتال والإدارة العسكرية تثير تساؤلات حول قدرة الجيش الأمريكي على الحفاظ على مستوى كفاءته. فهؤلاء القادة شاركوا في إدارة عمليات كبرى في العراق وأفغانستان، ما يجعل خروجهم المفاجئ بمثابة فقدان لتراكم معرفي وعملياتي يصعب تعويضه في الأمد القريب، بخاصة في مؤسسة تقوم فاعليتها على نقل الخبرة عبر الأجيال القيادية. وتتضاعف تداعيات هذا المسار مع اتساع بيئة التهديدات المحيطة بالولايات المتحدة، من الانخراط في حرب مع إيران إلى احتدام التنافس الاستراتيجي مع الصين.

وإن تسارع وتيرة الإقالات، واقترانها باعتبارات سياسية تتقدم على المعايير المهنية، قد يؤدي إلى تآكل الخبرة المؤسسية، وتسييس عملية صنع القرار العسكري، بما يضع علامات استفهام حول قدرة الجيش الأمريكي على الحفاظ على احترافيته واستقلاله المهني. وهو ما يضاف إلى حملة الإقالات في وزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات ومجلس الأمن القومي، ما يفقد القرار الاستراتيجي الأمريكي بوصلته، ويحرم واشنطن من خبراء وقادة يدركون متطلبات الحفاظ على النفوذ الأمريكية العالمي، وضرورة الموازنة بين حدود القدرة العسكرية وأدوات القوة الناعمة والدبلوماسية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.