أما المقاومة الفلسطينية في غزة التي حققت اختراقاً تاريخياً في المنظومة الأمنية الاسرائيلية، فقد تعرضت لاستنزاف كبير على مستوى القادة والإمكانات ودفع المجتمع الحاضن لها في غزة تكلفة هائلة، ولكنها لا تزال حتى الآن طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
تعكس بيانات حركة حماس وتصريحات قياداتها السياسية تمسك الحركة بروايتها بشأن صوابية أحداث السابع من أكتوبر، باعتبارها فعلاً ضرورياً لمنع تصفية القضية الفلسطينية وإعادتها إلى الأجندة الدولية، إلى جانب تمسكها بهويتها المقاومة. وفي المقابل، تؤكد الحركة التزامها الكامل التهدئة، وتواصل المطالبة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بالتوازي مع التشديد على أهمية العمل الوطني المشترك لمواجهة التحديات الراهنة.
وعلى مستوى الأولويات السياسية، تضع حركة حماس تعافي قطاع غزة في مقدمة اهتماماتها، وهو ما دفعها إلى إبداء أقصى درجات المرونة الممكنة. ولا تزال الحركة تطالب الوسطاء وجميع الأطراف القادرة على ممارسة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي بالعمل على إلزامه بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، والانسحاب من القطاع. وترتبط هذه المطالب بصورة مباشرة بالحياة اليومية لسكان غزة واحتياجاتهم الأساسية، أكثر من ارتباطها بالحضور السياسي للحركة. وفي هذا السياق، يشكل قبول الحركة تسليم إدارة القطاع إلى لجنة وطنية، وموافقتها على مناقشة ملف تسليم السلاح إلى جهة فلسطينية، مؤشرين على منحها الأولوية لتعافي غزة.
وفي السياق ذاته، حمل خطاب الناطق العسكري باسم الجناح العسكري لحركة حماس عدداً من الرسائل السياسية، أبرزها تثبيت السابع من أكتوبر بوصفه نقطة تحول، مع الإقرار الواضح بحجم الثمن الباهظ الذي دفعه قطاع غزة خلال الحرب. وقد تجلى الإصرار على تقديم هذا الحدث باعتباره تحولاً تاريخياً في خطاب أبي عبيدة بمناسبة الذكرى الثالثة لعملية «طوفان الأقصى»، حين خاطب سكان غزة مؤكداً أنهم، رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه خلال الحرب، سيُذكرون بوصفهم «صنّاعاً للمجد ومغيّرين لوجه التاريخ وتوازنات العالم».
ويأتي الإصرار على تثبيت عملية «طوفان الأقصى»، في ذكراها الثالثة، باعتبارها حدثاً كسر نظرية أمن الاحتلال، وشكّل إعجازاً عسكرياً على مستوى التخطيط والتنفيذ والخداع الاستراتيجي، منسجماً مع التأكيد السياسي على مشروعية مسار المقاومة، ورفض اختزال تقييم ما جرى في نتائجه على المستوى الإنساني وحده.
وفي المسار التفاوضي، أعطت حركة حماس الأولوية لتعافي قطاع غزة خلال معظم جولات التفاوض، وحمّلت الاحتلال الإسرائيلي، في أكثر من مناسبة، مسؤولية عرقلة التقدم نحو المرحلة الثانية من الاتفاق. وفي المقابل، أبدت الحركة موافقتها ومرونتها في التعامل مع بنود المبادرات التفاوضية المطروحة عليها، الأمر الذي أسهم في تعزيز صورتها بوصفها طرفاً يضطلع بمسؤولياته تجاه التخفيف من معاناة سكان غزة، سواء على المستوى الشعبي أم في الإطار الوطني الفلسطيني. كما انعكس هذا التوجه في علاقاتها واتصالاتها التي امتدت لأكثر من ثلاثة أعوام مع مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة.
وعلى صعيد الحراك الشعبي والدولي، تواصل حركة حماس دعوة الجماهير والنخب في مختلف أنحاء العالم إلى تكثيف التحركات الشعبية، ومقاطعة الاحتلال الإسرائيلي وملاحقته قانونياً. وفي هذا السياق، شكّل تسيير «أساطيل الصمود» خلال العامين الماضيين دليلاً ملموساً، بصرف النظر عن حجم تأثيره، على أهمية مواصلة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي، الذي بات يشعر بتداعيات العزلة الدبلوماسية والدولية.
المشهد العسكري
لم تتضمن البيانات العسكرية لحركة حماس أرقاماً بشأن أعداد مقاتليها أو حجم تسليحها، غير أن استمرار القلق الإسرائيلي، إلى جانب تقارير نشرتها الصحافة الإسرائيلية نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، يشير إلى احتفاظ الحركة بانتظام منظومة القيادة والسيطرة، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها. وفي هذا السياق، اغتالت إسرائيل أكثر من 70 من الكوادر العسكرية للحركة خلال سبتمبر/أيلول 2026، من بينهم ثلاثة قادة ألوية.
وفي تعبير عن استمرار المخاوف الإسرائيلية من القدرات العسكرية للحركة، قال إيال زيسر في صحيفة «إسرائيل هيوم»: «لا تزال حماس تشكّل تهديداً؛ ففي وسعها تنفيذ هجمات ومحاولة اختطاف جنود، وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في اتجاهنا. ولا مجال للركون إلى الاطمئنان، أو الاستهانة بالخطر؛ يجب ألّا نكتفي بمراقبتها، بل ينبغي لنا مواصلة توجيه الضربات إليها».
وفي المقابل، لا تزال المقاومة الفلسطينية متمسكة بخيار المقاومة، ولم تتراجع عنه، رغم استعداد حركة حماس للتخلي عن ترتيبات إدارة الحكم في قطاع غزة.
المستوى التنظيمي والمحلي
رغم الاستهدافات والضربات التي تعرض لها تنظيم حركة حماس في قطاع غزة، تشير التقديرات إلى استمرار وجود قيادة سياسية وتنظيمية للحركة داخل القطاع، استطاعت استيعاب تداعيات تلك الضربات وتعويض المواقع القيادية التي شغرت نتيجة عمليات الاغتيال.
وفي هذا السياق، حاول الجيش الإسرائيلي اغتيال رئيس حركة حماس في غزة، علي العامودي، في محاولة لاستهداف شخصية سياسية وتنظيمية للمرة الأولى خلال فترة وقف إطلاق النار، وهو ما يشير إلى إدراك إسرائيل استمرار وجود مركز قيادي مؤثر في عمل التنظيم داخل القطاع. كما تعكس هذه المحاولة استمرار الهدف الإسرائيلي المتمثل في تفكيك تنظيم حماس بمختلف مكوناته، وليس استهداف جهازه العسكري فحسب.
ويعزز هذا التقدير استمرار الحركة في أداء العديد من وظائفها وأعمالها داخل قطاع غزة، في ظل عدم سماح إسرائيل للجنة التكنوقراط بالدخول إلى القطاع. ويشير استمرار هذه الوظائف إلى قدرة الحركة على توفير بدائل قيادية والحفاظ على نشاطها التنظيمي حتى الآن، وهو ما تدعمه المؤشرات القائمة على الأرض، إلى جانب الخطاب الإعلامي الذي تقدمه الحركة.
وعلى المستوى الوطني، يبرز استعداد حركة حماس، بصورة مفاجئة، على المستويين الميداني والسياسي، لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أعلنت عنها السلطة الفلسطينية، قبل أن تتراجع لاحقاً عن إجرائها خلال عام 2026. فقد أعلنت الحركة إعداد قوائمها الانتخابية، وبدأت العمل على تشكيل ائتلاف وطني واسع، بما أظهر قدرتها على الحضور في الساحة الوطنية وبناء التحالفات، وتجاوز العديد من القيود المفروضة عليها. ويشير ذلك، من جهة، إلى مركزية الحركة في المشهد السياسي الفلسطيني، ومن جهة أخرى، إلى إدراكها أولوية الوحدة الوطنية، ولا سيما في هذه المرحلة.
وعلى الصعيد التنظيمي الداخلي، برزت أيضاً قدرة حركة حماس على إجراء انتخابات رئاسة مكتبها السياسي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها في ظل الإبادة الجماعية والملاحقات الأمنية. وقد أسفرت هذه الانتخابات عن انتخاب خليل الحية رئيساً جديداً للمكتب السياسي للحركة، فيما تواترت الأنباء بشأن استمرار عملية انتخابية لاختيار رئيس الحركة في قطاع غزة.
وفي سياق متصل، وعلى الرغم من ارتباطه بمستوى العلاقات الإقليمية، فإن إعلان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خليل الحية، مؤخراً، عن اضطلاع الحركة بدور الوساطة في الصراع اليمني، يشكل مؤشراً إضافياً على رصيد القوة الذي لا تزال تتمتع به الحركة. فبصرف النظر عن مدى نجاح هذه الوساطة، يشير الإعلان عنها إلى أن حرب الإبادة لم توقف عمل الجهاز السياسي للحركة، الذي لا يزال يستند إلى رصيد من العلاقات وشبكات التواصل المتعددة.
كما يعكس ذلك أن الحركة لم تتحول إلى تنظيم معزول فقد وظائفه السياسية، بل لا تزال تتمتع بحضور إقليمي وتسعى إلى الإسهام في تحقيق الاستقرار في المنطقة، على خلاف إسرائيل التي تعمل على زعزعة أمنها واستقرارها. وتسعى حماس، من خلال مثل هذه المبادرات، إلى تحويل حضورها الإقليمي إلى منفعة ملموسة تخدم الشعب الفلسطيني وقضيته.
مستقبل المقاومة
تشير المعطيات السابقة، بما تتضمنه من استمرار الحضور السياسي لحركة حماس، وقدرتها التنظيمية على إجراء الانتخابات الداخلية، وبناء التحالفات الوطنية استعداداً للانتخابات الفلسطينية، إلى جانب استمرار جناحها العسكري واحتفاظها بمركز قيادي سياسي وعسكري في قطاع غزة، رغم الخسائر الكبيرة والضربات التي تعرضت لها، فضلاً عن استمرار نفوذها الإداري داخل القطاع، إلا أن تفكيك الحركة تنظيمياً أو إخراجها من المشهد السياسي الفلسطيني يمثل مهمة مستحيلة للاحتلال الإسرائيلي.
وفي المقابل، تؤكد التهديدات المتواصلة التي يطلقها المسؤولون الإسرائيليون، إلى جانب الممارسات الميدانية المتمثلة في استمرار الاغتيالات والاعتقالات وتكريس الأوضاع المأساوية في قطاع غزة، أن الاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في سياسته الرامية إلى استهداف قيادة حركة حماس وتنظيمها.



















