ويعكس هذا الطرح تحولاً في الخطاب الرسمي العراقي، من التركيز على ملفات الأمن والمياه والتجارة والحدود، إلى الحديث عن التكامل الاقتصادي بوصفه مدخلاً لتعزيز الاستقرار وتحويل الجغرافيا المشتركة إلى قاعدة لبناء المصالح المتبادلة.
ويضع الطرح العراقي الاقتصاد في قلب العلاقة مع أنقرة، عبر الجمع بين موارد العراق وموقعه الجغرافي والخبرات الصناعية والتقنية التي تمتلكها تركيا.
وأكّد الزيدي في مقال نشرته وكالة الأناضول في 28 يوليو/تموز 2026، قُبيل زيارته لتركيا، أنّ العلاقة بين البلدين لم تعُد تُقاس فقط بملفات الأمن والمياه والتجارة، بل بقدرتهما على تحويل التحديات المشتركة إلى فرص للنمو والازدهار.
وبحسب المقال، اعتبر الزيدي أن العراقيين والأتراك يمتلكون مقومات بناء واحدة من أهم الشراكات الاقتصادية في المنطقة، مستفيدين من توجه بغداد نحو الاستقرار والتنمية، والقاعدة الصناعية التركية المتقدمة وخبراتها في البنية التحتية والطاقة والنقل.
وأشار الزيدي إلى أنّ إمكانات البلدين تتجاوز حدودهما المشتركة، إذ يمنحهما موقعهما الجغرافي فرصة للتحول إلى حلقة وصل بين الخليج وآسيا وأوروبا، في وقت يعيد فيه العالم رسم خرائط التجارة وسلاسل الإمداد.
ويرى الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، أنّ دعوة الزيدي إلى الانتقال من التعاون التقليدي إلى التكامل الحقيقي تمثل مؤشراً على تطور العلاقات العراقية التركية، بعدما ظل جانب كبير منها لسنوات مرتبطاً بإدارة ملفات الأمن والمياه والتجارة.
ويضيف في حديثه لـTRT عربي أنّ التكامل الحقيقي يعني بناء شراكة طويلة الأمد ترتكز على المصالح الاستراتيجية المشتركة، موضحاً أن المشاريع الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها "طريق التنمية"، كانت في صدارة المباحثات بين أنقرة وبغداد خلال الزيارة.
ومن جانبه، يعتقد الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور أحمد صدام أنّ العراق يستطيع التحول من سوق استهلاكية وممر تجاري إلى شريك صناعي وإنتاجي لتركيا، عبر إقامة مشاريع مشتركة داخل الأراضي العراقية، ولا سيما في قطاعات الصناعات الغذائية والإنشائية والطاقة.
ويقول صدام في حديثه لـTRT عربي إنّ تحقيق هذا التحول يتطلب نقل جزء من خطوط الإنتاج التركية إلى العراق، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة تعتمد على المواد الأولية العراقية والخبرة التركية. ويضيف أن نجاحها يحتاج إلى حوافز استثمارية وحماية قانونية وتدريب العمالة المحلية، بما يخلق قيمة مضافة ويوفر فرص عمل داخل العراق.
طريق التنمية
ويشكل "طريق التنمية" الركيزة الأساسية لهذا التحول، إذ يمنح العلاقة مع تركيا بعداً يتجاوز التبادل التجاري إلى التكامل في النقل والصناعة والاستثمار.
وبيّن الزيدي أنّه لا يتعامل مع الطريق بوصفه شأناً عراقياً أو مجرد ممر لنقل البضائع، بل يراه مشروعاً إقليمياً يعيد تعريف الربط الاقتصادي في الشرق الأوسط.
وأوضح أنّ المشروع يمكن أن يسهم في إنشاء مدن ومناطق صناعية، وجذب الاستثمارات وتوفير آلاف فرص العمل، بما يمنح المنطقة مساراً جديداً للتجارة والنمو.
ويضع عودة أوغلو قطاع النقل في مقدمة المجالات المؤهلة لقيادة التعاون بين البلدين، ولا سيما مع التقدم في مشروع "طريق التنمية"، الذي يتوقع أن يعزز حركة التجارة ويمنح تركيا دوراً أوسع في إيصال البضائع العراقية والخليجية إلى أسواق جديدة.
ويشير إلى وجود فرص أخرى في قطاع الطاقة، تشمل النفط والغاز وشبكات الكهرباء والأنابيب، إلى جانب البنية التحتية التي تمتلك فيها شركات المقاولات التركية خبرة واسعة في تشييد المطارات والطرق والجسور.
كما يرى أنّ إقامة مناطق صناعية مشتركة تعتمد على المواد الأولية العراقية والخبرة التقنية والصناعية التركية يمكن أن تدعم الصناعات التحويلية وتوفر فرص عمل جديدة.
ويمتدّ "طريق التنمية" لنحو 1200 كيلومتر داخل العراق، ويتضمن خطاً للسكك الحديدية وطريقاً سريعاً يصلان ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية، ثم بشبكات النقل المؤدية إلى أوروبا.
وكانت حكومات تركيا والعراق وقطر والإمارات قد وقعت في أبريل/نيسان 2024 مذكرة تفاهم رباعية للتعاون في المشروع، وأنشأت آلية وزارية مشتركة لمتابعة تنفيذه، فيما ظلّت آليات التمويل والتنفيذ من أبرز الملفات المطروحة بين الدول المشاركة.
وأعلن الزيدي خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة في 28 يوليو/تموز الماضي، الشروع في تنفيذ "طريق التنمية"، واصفاً إيّاه بـ"النهر الثالث" الذي سيجعل العراق وتركيا نقطة التقاء بين الشرق والغرب.
كما قال إنّ العراق قادر على تزويد تركيا بمليون برميل من النفط يومياً، مؤكداً أنّ الزيارة شهدت توقيع عقود في مجالات الطاقة والنقل والتعليم والمياه، بما يوسع القاعدة الاقتصادية للعلاقة بين البلدين.
ويرجّح صدام أن تسهم المصالح التي سيولدها "طريق التنمية" في تذليل الخلافات بين العراق وتركيا، ولا سيما في ملفي المياه والأمن، بعدما تصبح استدامة التعاون شرطاً لحماية الاستثمارات والممرات الاقتصادية المشتركة.
ويوضح أنّ المشروع سيمنح تركيا منفذاً تجارياً أوسع نحو العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، ويدعم نمو صادراتها إلى أسواق المنطقة، ما يجعل تجاوز الخلافات على المدى الطويل مصلحة اقتصادية مشتركة للبلدين.
تكامل إقليمي
ويتجاوز هذا التحول حدود الاقتصاد، ليعيد صياغة آليات التعامل مع الملفات التقليدية، بحيث تصبح التنمية إطاراً جامعاً للأمن والمياه والاستثمار.
وذكرت وكالة الأنباء العراقية "واع"، في 28 يوليو/تموز الجاري، أن الزيدي شدد على أنّ أمن العراق وتركيا يتطلب تعاوناً قائماً على احترام السيادة ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، معتبراً أنّ التنمية لا يمكن أن تزدهر من دون بيئة آمنة.
وفي ملف المياه، نقلت الوكالة عن الزيدي تأكيده أنّ القضية لم تعد ملفاً فنياً فحسب، بل أصبحت قضية تنموية تمس مستقبل ملايين المواطنين، داعياً إلى إدارة مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة والتعاون العلمي والاستثمار في التقنيات الحديثة.
وأوضحت صحيفة "الصباح" العراقية الرسمية، في 28 يوليو/تموز 2026، أنّ الزيارة جاءت ضمن تحركات خارجية عراقية شملت واشنطن وطهران، وتهدف إلى تثبيت سياسة "التوازن الإيجابي" وتجنب الانخراط في المحاور الإقليمية المتنافسة.
ونقلت الصحيفة عن باحثين عراقيين أنّ زيارة أنقرة تمثل فرصة لترسيخ الشراكات الاستراتيجية مع تركيا، ولا سيما في ملفات "طريق التنمية" والاستثمار والطاقة والمياه والأمن والحدود.
ومن زاوية إقليمية، يؤكد عودة أوغلو أنّ "طريق التنمية" يمكن أن يعزز موقع العراق وتركيا في حركة التجارة العالمية، عبر ربط أسواق الخليج بالشبكات التركية ومنها بأوروبا، مع تقليص زمن النقل وخفض تكاليفه.
ويرجح أن يؤدي اكتمال المشروع وفق المخطط إلى ظهور ممر اقتصادي جديد يغير طبيعة العلاقات بين بغداد وأنقرة، معتبراً أنّ التوترات المتكررة بين واشنطن وطهران والمخاطر التي قد تواجه الملاحة عبر مضيق هرمز تزيد أهمية المسارات البرية البديلة، وتدفع تركيا إلى تسريع خطوات تنفيذ المشروع.
وفي تقدير صدام، فإنّ العلاقات العراقية التركية تتجه نحو شراكة طويلة الأمد تقوم على المشاريع والاستثمارات والممرات الاقتصادية المشتركة، شريطة انتقال "طريق التنمية" من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض.
لكنه يلفت إلى أنّ نجاح هذا المسار يواجه عقبات داخلية في العراق، أبرزها البيروقراطية وتعدد مراكز القرار والفساد والتجاذبات السياسية، وهي عوامل قد تؤخر تنفيذ المشاريع أو تجعلها رهينة لتغيّر الحكومات والظروف السياسية.
ويشدد على أنّ ضمان استمرارية التفاهمات يتطلب منح القطاع الخاص دوراً أكبر في التنفيذ والاستثمار، بما يحافظ على المشاريع المشتركة بعيداً عن التحولات السياسية، ويحولها إلى مصالح اقتصادية مستقرة يصعب التراجع عنها.
ويبقى انتقال العلاقات العراقية التركية من إدارة الأزمات إلى التكامل مرهوناً بقدرة بغداد وأنقرة على تنفيذ التفاهمات، وتحويل المصالح الاقتصادية المتبادلة إلى ضمانة لاستقرار العلاقة واستمرارها بعيداً عن المتغيرات السياسية.



















