وتُعرف هذه المواجهة باسم "الحرب الإلكترونية"، وهي تقوم على اكتشاف إشارات الخصم والتشويش عليها أو تضليلها، بهدف إضعاف قدرته على رصد الأهداف والتواصل مع قواته، مع حماية الأنظمة الإلكترونية للقوات الصديقة.
وفي هذا المجال، تعمل تركيا على تطوير مجموعة من الأنظمة المحلية التي يمكن استخدامها في الجو والبر والبحر، ضمن مساعيها لتعزيز قدراتها العسكرية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية.
ويقول الصحفي التركي المتخصص في الصناعات الدفاعية سيرتاش أكسان في تقرير نشرته شبكة "TRT Haber" إن أنقرة تسعى إلى بناء منظومة متكاملة للحرب الإلكترونية، تمنحها القدرة على اكتشاف تهديدات الخصوم والتعامل معها، وتطوير أنظمتها بصورة مستقلة.
ويوضح أكسان أن الحرب الإلكترونية لا تعني فقط تعطيل الرادارات أو قطع الاتصالات، بل تشمل أيضاً جمع المعلومات عن أنظمة العدو، ومهاجمتها إلكترونياً عند الحاجة، وحماية أنظمة القوات الصديقة من التعرض للتشويش.
"هافا سوج".. طائرات للتشويش من مسافات بعيدة
يُعد مشروع "هافا سوج" (HAVA SOJ) من أبرز مشروعات تركيا في مجال الحرب الإلكترونية الجوية، ويهدف إلى تزويد سلاح الجو بطائرات تستطيع التشويش على رادارات الدفاع الجوي وشبكات الاتصالات المعادية من مسافات بعيدة.
وبحسب رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، تستطيع هذه الطائرات إرسال إشارات إلكترونية تربك رادارات الخصم أو تقدم لها معلومات مضللة، دون الحاجة إلى دخول المجال الجوي المعادي.
وتهدف هذه العمليات إلى إضعاف قدرة أنظمة الدفاع الجوي على اكتشاف الطائرات وتتبعها، وعرقلة الاتصالات بين الوحدات العسكرية، مما يساعد المقاتلات الصديقة على تنفيذ مهامها بمخاطر أقل.
وتوضح رئاسة الصناعات الدفاعية أن المشروع يستهدف تسليم القوات الجوية التركية أربع منظومات من طراز "هافا سوج"، إلى جانب إنشاء حظائر للطائرات ومبنى للسرب ومركز للتخطيط والتدريب.
وتعتمد الطائرات على أنظمة محلية مخصصة لرصد إشارات الرادارات والاتصالات المعادية، والتشويش عليها عند الحاجة.
ويرى الصحفي سيرتاش أكسان أن هذه الطائرات قد تمثل تحولاً مهماً في قدرات تركيا الجوية، لأنها تتيح التأثير في دفاعات الخصم من خارج المناطق الخطرة، وتساعد في فتح ممرات أكثر أماناً أمام المقاتلات خلال العمليات العسكرية.
"كورال 200".. منظومة أرضية لإرباك رادارات العدو
على الأرض، طورت شركة "أسيلسان" التركية منظومة "كورال 200" (KORAL 200)، المصممة لاكتشاف الرادارات المعادية والتشويش عليها من مسافات بعيدة.
ووفقاً للشركة، تستطيع المنظومة التقاط الإشارات التي تصدرها رادارات الخصم، وتحديد اتجاهها وموقعها، ثم استخدام التشويش الإلكتروني للحد من قدرتها على العمل بصورة طبيعية.
وتساعد هذه القدرات في تقليل المخاطر التي تواجه الطائرات الصديقة عند تنفيذ هجمات في مناطق تغطيها أنظمة دفاع جوي معادية.
ولا تقتصر مهمة "كورال 200" على التشويش، إذ تستطيع أيضاً تسجيل إشارات الرادارات وتحليلها، والتعرف على خصائصها، بما يساعد على اختيار الطريقة المناسبة للتعامل معها.
وتضم المنظومة برامج لتخطيط العمليات قبل تنفيذها، وأخرى لتحليل المعلومات التي تُجمع في أثناء المهمة، وتحديث قاعدة البيانات الخاصة بالرادارات والتهديدات المحتملة.
ويمكن تشغيل "كورال 200" من داخل وحدة تحكم مخصصة أو إدارتها عن بُعد. وتقول أسيلسان إنها صُممت وفق معايير حلف شمال الأطلسي "الناتو"، مع توفير حماية للعاملين فيها من التهديدات النووية والبيولوجية والكيميائية.
"فورال 100".. كشف الرادارات وتضليلها
ومن الأنظمة الأرضية الأخرى التي طورتها أسيلسان منظومة "فورال 100" (VURAL 100)، التي تجمع بين اكتشاف رادارات العدو ومهاجمتها إلكترونياً.
وبحسب الشركة، تستطيع المنظومة التقاط الإشارات الصادرة عن الرادارات المعادية، والتعرف على نوعها وتحديد اتجاهها، وجمع معلومات تساعد القوات التركية على فهم طبيعة التهديدات المحيطة بها.
وبعد تحديد الرادارات المستهدفة، يمكن للمنظومة التشويش عليها أو إرسال إشارات مضللة إليها، بهدف تقليل قدرتها على اكتشاف الأهداف أو تعطيل عملها لفترات محددة.
وتستخدم "فورال 100" تقنية رقمية متقدمة تُعرف باسم "ذاكرة الترددات الراديوية الرقمية" (DRFM)، تقوم على معالجة الإشارات الرادارية وإعادة إرسال إشارات معدلة بهدف خداع الرادار المعادي.
وبصورة مبسطة، يمكن لهذه التقنية أن تجعل الرادار يتلقى معلومات غير صحيحة، مما يصعّب عليه تحديد الأهداف الحقيقية بدقة. وتقول أسيلسان إن المنظومة تستطيع التعامل مع عدة رادارات في الوقت نفسه، كما تتميز بسرعة الاستجابة وقدرتها على العمل في المناطق التي تشهد نشاطاً كثيفاً للإشارات الإلكترونية.
"إيلغار 3".. تعطيل الاتصالات وإرباك الملاحة
لا تقتصر الحرب الإلكترونية على الرادارات، بل تشمل أيضاً استهداف وسائل الاتصال التي تستخدمها القوات العسكرية لتبادل الأوامر والمعلومات.
وفي هذا المجال، طورت أسيلسان منظومة "إيلغار 3" (ILGAR 3-LT 200)، وهي نظام متنقل مصمم للتشويش على شبكات الاتصالات المعادية.
وبحسب الشركة، تستطيع المنظومة عرقلة الاتصالات أو تأخير وصول الرسائل، أو التسبب في نقل معلومات غير صحيحة، بما يؤثر في قدرة القوات المستهدفة على التنسيق فيما بينها.
وتشمل قدراتها التشويش على أنواع مختلفة من الاتصالات اللاسلكية، بما فيها الأنظمة التي تغير تردداتها باستمرار لتجنب التشويش.
كما تستطيع استهداف إشارات أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، مثل تلك المستخدمة في تحديد المواقع، إضافة إلى بعض أجهزة الاتصالات الفضائية المحمولة.
ولا تقتصر وظائف "إيلغار 3" على تعطيل الاتصالات، إذ يمكنها أيضاً تحديد اتجاه مصادر الإشارات، والمساعدة في معرفة مواقعها، وتسجيل الاتصالات وتحليلها.
وتضم المنظومة تقنيات للتعرف على الكلام والمتحدثين والترجمة الآلية، إلى جانب وسائل لحماية ترددات الاتصالات التي تستخدمها القوات الصديقة من التشويش.
ومن أبرز مميزاتها إمكانية تشغيلها في أثناء الحركة عند تركيبها على مركبات عسكرية مناسبة، فضلاً عن سرعة نشرها ونقلها من موقع إلى آخر، والعمل بالتنسيق مع مراكز القيادة والسيطرة.
"آريس".. أنظمة لرصد التهديدات في البحر
تمتد قدرات الحرب الإلكترونية التركية إلى البحر، حيث طورت أسيلسان أنظمة تساعد السفن والغواصات على اكتشاف الإشارات الرادارية الصادرة عن القطع البحرية والطائرات وغيرها من مصادر التهديد المحتملة.
ومن أبرز هذه الأنظمة "آريس 2-SC 200" (ARES 2-SC 200)، المصمم للاستخدام على متن الغواصات. وبحسب أسيلسان، يستطيع النظام التقاط الإشارات الرادارية والتعرف عليها وتصنيفها، وتحديد اتجاهات مصادرها ومواقعها، وإصدار تحذيرات عند رصد إشارات قد تمثل تهديداً.
كما يمكنه تسجيل الإشارات المكتشفة وتحليلها، وربطها بالمنصات العسكرية التي يُحتمل أن تكون قد أصدرتها.
ويشير التقرير السنوي لأسيلسان لعام 2025 إلى تنفيذ اختبارات وإجراءات قبول لهذا النظام على غواصات تركية من فئات "رئيس" و"بريفزة" و"غور".
أما منظومة "آريس 2-NC 100" (ARES 2-NC 100)، فقد صُممت للعمل على متن السفن والقطع البحرية السطحية.
وتستطيع هذه المنظومة رصد الإشارات الرادارية المحيطة بالسفينة، وتحديد مصادرها وتصنيفها، والتعرف تلقائياً على بعض التهديدات بالاعتماد على المعلومات المخزنة لديها.
وتساعد هذه الأنظمة أطقم السفن والغواصات على معرفة طبيعة النشاط الإلكتروني في المنطقة المحيطة بها، واكتشاف بعض التهديدات مبكراً، دون الحاجة دائماً إلى تشغيل راداراتها الخاصة.
"القبة الفولاذية".. دمج التشويش بالدفاع الجوي
تعمل تركيا أيضاً على ربط قدراتها في الحرب الإلكترونية بمنظومات الدفاع الجوي، بدلاً من الاعتماد على كل نظام بصورة منفصلة.
وفي هذا السياق، يشير الصحفي سيرتاش أكسان إلى منظومة "كورال إيه دي" (KORAL AD)، التي قُدمت بوصفها إحدى المنظومات المرتبطة بمشروع الدفاع الجوي التركي المعروف باسم "القبة الفولاذية".
ويهدف هذا التوجه إلى الجمع بين وسائل اعتراض التهديدات الجوية، مثل الصواريخ الدفاعية، ووسائل التشويش الإلكتروني التي يمكن أن تؤثر في الرادارات والأنظمة التي تعتمد عليها بعض الأسلحة المعادية.
وبذلك، لا يقتصر الدفاع على إسقاط الهدف المهاجم، بل يمكن أن يشمل أيضاً محاولة إرباك الأنظمة الإلكترونية التي تساعده على تنفيذ مهمته.
وتدرج أسيلسان منظومة "كورال إيه دي 100" ضمن منتجاتها المخصصة للحرب الإلكترونية والدفاع الجوي، إلى جانب أنظمة أخرى للتشويش على الرادارات.
لماذا تراهن تركيا على تطوير هذه الأنظمة محلياً؟
لا تقتصر أهمية هذه المشروعات بالنسبة إلى تركيا على امتلاك معدات متطورة، بل تشمل أيضاً القدرة على تطويرها وتحديثها دون الاعتماد الكامل على الشركات الأجنبية. فالحرب الإلكترونية مجال يتغير باستمرار، إذ يمكن للجيوش تعديل ترددات الرادارات ووسائل الاتصال وأساليب عملها لتجنب التشويش أو الخداع.
ولهذا تحتاج أنظمة الحرب الإلكترونية إلى تحديث برامجها وقواعد بياناتها بصورة متواصلة حتى تتمكن من التعرف على التهديدات الجديدة والتعامل معها.
ويؤكد سيرتاش أكسان أن امتلاك هذه التكنولوجيا محلياً يمنح تركيا قدرة أكبر على إجراء التحديثات بسرعة، ودمج الأنظمة المختلفة مع بعضها بعضاً.
كما تشير وثيقة استراتيجية الصناعات الدفاعية التركية للفترة 2024–2028 إلى أهمية الحرب الإلكترونية في مساعدة القوات الصديقة على جمع المعلومات واستخدامها، ومنع الخصم من الاستفادة من أنظمته الإلكترونية، وتعزيز حماية المعدات العسكرية خلال العمليات.
ومن الناحية العسكرية، قد يمنح تطوير هذه الأنظمة محلياً تركيا مرونة أكبر في مواجهة التهديدات، ويقلل حاجتها إلى الاستعانة بموردين أجانب لإجراء التحديثات أو توفير التقنيات الحساسة.
هل أصبحت تركيا قوة متقدمة في الحرب الإلكترونية؟
تُظهر المشروعات التي أعلنت عنها تركيا أنها تسعى إلى بناء منظومة واسعة للحرب الإلكترونية، تتوزع مهامها بين الطائرات والسفن والغواصات والوحدات البرية.
فبينما تستهدف طائرات "هافا سوج" التشويش على الدفاعات الجوية من مسافات بعيدة، تتولى أنظمة مثل "كورال" و"فورال" رصد الرادارات المعادية والتأثير فيها، في حين تركز "إيلغار" على الاتصالات، وتوفر أنظمة "آريس" قدرات للرصد الإلكتروني في البحر.
ويمنح هذا التنوع القوات التركية أدوات مختلفة يمكن استخدامها بحسب طبيعة المهمة والتهديدات الموجودة في ساحة العمليات.
لكن امتلاك هذه الأنظمة لا يعني بالضرورة أن جميعها دخلت الخدمة أو أثبتت فاعليتها في ظروف القتال الفعلية. فبعض المشروعات لا تزال تستهدف استكمال التطوير أو التسليم، ومنها مشروع "هافا سوج" الذي تخطط رئاسة الصناعات الدفاعية لتزويد القوات الجوية بأربع منظومات منه.
كما أن نجاح الحرب الإلكترونية يعتمد على عوامل عدة، من بينها قدرات الخصم على مقاومة التشويش، ومدى التنسيق بين الأنظمة المختلفة، والظروف التي تُستخدم فيها.
وفي المحصلة، تكشف هذه المشروعات عن سعي تركيا إلى جعل الحرب الإلكترونية جزءاً أساسياً من قوتها العسكرية، إلى جانب الطائرات والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي.
وبينما تواصل أنقرة تطوير هذه القدرات محلياً، يبقى التحدي الأهم هو مدى قدرتها على تشغيلها بصورة متكاملة وفعالة في ساحات القتال، وتحويل التفوق التقني المعلن إلى ميزة عسكرية حقيقية.























