لماذا تعارض إسرائيل مجلس السلام في غزة؟
أبدى نتنياهو اعتراضاً على المجالس التنفيذية لغزة خشية فقدان السيطرة على الإعمار والمعابر، مع رفض دور قطر وتركيا. ويعكس هذا الاعتراض فشل أهداف الحرب وضغوطاً دولية متصاعدة، ومحاولة موازنة الداخل دون صدام مع واشنطن.
مع إعلان البيت الأبيض إطلاق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، والتوجه نحو تشكيل "المجالس التنفيذية" لإدارة القطاع، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو امتعاضه من تركيبة هذه المجالس، ولا سيما اعتراضه على تشكيل "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة".
السبب المعلن لهذا الاعتراض تمثّل في عدم الأخذ برأي إسرائيل، ورفضها مشاركة قطر وتركيا في هذا الإطار. وفي موازاة ذلك، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي بياناً آخر ادّعى فيه أن الإجراءات الأمريكية الجديدة تخالف التفاهمات التي جرى التوصل إليها مع المسؤولين الأمريكيين، معتبراً أن هذه الخطوات ستقيد قدرة الجيش على التحكم بخطط إعادة إعمار غزة، وعلى وجه الخصوص السيطرة على معبر رفح.
وبحسب البيان، فإن خطط إعادة الإعمار تتضمن إقامة أبراج سكنية مرتفعة قد تشكّل خطراً أمنياً على المواقع العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات المحيطة بغزة. كما أشار الجيش إلى أن الخطط الأمريكية، وبدعم عربي وتركي، تسعى لإنشاء ميناء في غزة دون الاستجابة للمطلب الإسرائيلي بفرض رقابة أمنية مباشرة عليه.
اللافت في هذا السياق أن اعتراض نتنياهو لم يُعبَّر عنه بشكل مباشر أمام البيت الأبيض أو أمام ترمب نفسه. فمن المعروف أن نتنياهو اعتاد مخاطبة ترمب شخصياً في القضايا الحساسة التي تمس العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية، ولم يكن يفوض عادة أي مسؤول آخر للتحدث باسمه في هذا المستوى. فلماذا اختار هذه المرة أن يوكل وزير خارجيته للاحتجاج أمام وزير الخارجية الأمريكي بشأن المجلس التنفيذي لغزة ومجلس السلام العالمي؟
وهل يعقل أن نتنياهو لم يكن على علم بمسارات الأحداث، وأن الإدارة الأمريكية أخفت عنه تفاصيل الانتقال إلى المرحلة الثانية؟ أم أن السؤال الأهم سيُحسم مع بدء التطبيق العملي لهذه المرحلة، حين تنتقل اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، ويبدأ العمل الميداني، بالتزامن مع دخول قوات الاستقرار الدولية، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟
هل حقاً لم تُجرَ أي مشاورات مع نتنياهو خلال زيارته لبيت الرئيس الأمريكي في مزرعته بميامي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025؟ أم أن نتنياهو كان على علم بكل هذه الترتيبات، لكنه لم يستطع معارضة قرار ترمب، فقبِل به على مضض، واختار الاعتراض منخفض الصوت، عبر وزير الخارجية، تجنباً لمواجهة مباشرة قد تكون لها كلفة سياسية ثقيلة؟
يبدو أن هذا الخيار يخدم هدفين في آن واحد: تفادي الصدام مع الإدارة الأمريكية من جهة، وإظهار موقف معارض للاستهلاك الداخلي أمام قاعدته الانتخابية، وأمام اليمين المتطرف والمعارضة اليمينية غير الحكومية من جهة أخرى.
وربما يشكّل هذا السلوك المخرج الأسهل لنتنياهو لتخفيف حدة النقد الداخلي، وهو ما ينعكس بالفعل في الخطاب الإعلامي، وفي الكنيست، وداخل أوساط اليمين الإسرائيلي، وحتى في صفوف المعارضة البرلمانية. فاليمين الفاشي يتهم نتنياهو بالفشل وإضاعة ما يسميه "الفرصة التاريخية لتهجير سكان قطاع غزة وإعادة الاستيطان فيه"، فيما تتهمه المعارضة خارج الحكومة بالفشل في إقصاء قطر وتركيا عن دورهما في إعادة إعمار غزة، وبتمكين حركة حماس من البقاء فاعلةً في المشهد الفلسطيني.
بمختلف أطيافها، تعبّر النخبة السياسية الإسرائيلية، سواء داخل الحكومة أو خارجها، عن معارضتها لمجلس السلام والمجلس التنفيذي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهداف الحرب التي شاركها ترمب فيها، والمتمثلة بتهجير سكان القطاع، وإقامة "ريفييرا أمريكية" ومستعمرات إسرائيلية على أنقاض غزة.
غير أن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، بدعم أمريكي، انقلبت إلى عبء سياسي بعد انكشافها أمام ضغط شعبي دولي واسع، ما عزز الموقف العربي والإسلامي، ودفع دول الوساطة، مصر وقطر وتركيا، ومعها المملكة العربية السعودية، إلى ممارسة ضغط متزايد على ترمب، ومن خلاله على إسرائيل، لوقف الحرب والتخلي عن مشاريع "الريفييرا" وإعادة الاستيطان.
ومع بدء الانتقال إلى المرحلة الثانية، بدأ الإسرائيليون يدركون أن أهدافهم سقطت أمام صمود الفلسطينيين في غزة، وبدأت الخلافات تظهر بوضوح بين أقطاب السياسة الإسرائيلية. ويبدو أن هذه الخلافات ستتعمق كلما تقدمت المرحلة الثانية من مشروع ترمب، وكلما تبيّن للمجتمع الإسرائيلي أن إطالة أمد الحرب وتدمير غزة لم يخدما سوى بقاء نتنياهو واليمين المتطرف في الحكم، لا مصلحة المجتمع الإسرائيلي، الذي تكبّد خسائر فادحة في الأرواح، والإصابات، والاضطرابات النفسية بين جنوده.
في المقابل، باتت مصالح ترمب الشخصية، ومصالح نسيبه ومستشاريه، أكثر ارتباطاً بمواقف دول عربية وإسلامية معنية بمستقبل غزة وإعادة إعمارها. وتعتقد إسرائيل أن إعادة الإعمار ستعيد غزة إلى سابق عهدها، دون سيطرة إسرائيلية على حاضرها أو مستقبلها، ولا سيما في ظل وجود قوات أو أدوار قطرية وتركية يُنظر إليها في تل أبيب بوصفها عائقاً جوهرياً أمام الطموحات الإسرائيلية في القطاع.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي TRT عربي.