وخلال نحو عشرة أيام، صعدت واشنطن على المسارين بالتوازي؛ فأطلقت حملة اقتصادية جديدة تستهدف تضييق وصول طهران إلى الأسواق والنظام المالي الدولي، بالتزامن مع توسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي الإيرانية.
وفي المقابل، ردت طهران بهجمات على مواقع وقواعد تستضيف قوات أمريكية، وحافظت على قدرتها على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين الطرفين.
ويمثل تبادل الهجمات الأخير أعنف جولة تصعيد منذ يوليو/تموز الماضي، عندما أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حملة قصف مكثفة على إيران استمرت نحو أسبوعين.
ونقلت وكالة "رويترز" حينها عن مصادر مطلعة أن قرار وقف العمليات جاء في ظل تحذيرات عسكرية من استنزاف الذخائر وتراجع عدد الأهداف التي يمكن أن تحقق ضربات إضافية ضدها جدوى عسكرية ملموسة.
وعلى الرغم من مرور أشهر على إطلاق واشنطن "عملية الغضب الملحمي" في فبراير/شباط، لم تحقق الولايات المتحدة حتى الآن الأهداف الثلاثة الرئيسية التي حددها ترمب للحملة: إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وحرمان طهران من القدرة على استهداف دول المنطقة، وتهيئة الظروف التي يرى أنها قد تدفع الإيرانيين إلى الإطاحة بالنظام.
ونقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن مستشارين لترمب يدفعون باتجاه احتواء المواجهة في المرحلة الحالية، خشية انعكاس استمرار الحرب على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، في وقت تشير فيه استطلاعات رأي إلى معارضة أكثر من نصف الأمريكيين للحرب.
الضغط ينتقل إلى الخارج
وفي موازاة العمليات العسكرية، دخل المسار الاقتصادي مرحلة جديدة في 24 أغسطس/آب، عندما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إطلاق عملية "المنبوذ الاقتصادي"، التي تستهدف توسيع الضغط على مصادر الإيرادات الإيرانية والشبكات المالية والتجارية التي تستخدمها طهران خارج حدودها.
وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية في اليوم نفسه عقوبات على عشرات الأشخاص والكيانات والسفن، قالت إنها مرتبطة بتجارة النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية، وتوفير تقنيات تستخدم في البرامج العسكرية الإيرانية، إلى جانب أنشطة أخرى تتيح لطهران الحصول على الإيرادات والعملات الأجنبية.
ويأتي تشديد العقوبات في وقت تتعرض فيه أهم مصادر الإيرادات الإيرانية لضغوط متزايدة. فقد أدى الحصار البحري الأمريكي والقيود المفروضة على حركة الناقلات إلى تراجع حاد في صادرات الخام الإيراني خلال الأشهر الأخيرة، وفق بيانات شركات تتبع حركة الشحن، ما يضغط مباشرة على قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية وتمويل وارداتها.
ولا تقتصر التداعيات على صادرات النفط. فقد تزامن تراجع الإيرادات مع انخفاض قيمة الريال وارتفاع التضخم ونقص العملات الأجنبية، إلى جانب صعوبات في تأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة والسلع الأساسية، الأمر الذي يضاعف كلفة استمرار المواجهة إذا طال أمدها.
وحاولت الحكومة الإيرانية احتواء هذه الضغوط عبر مجموعة من الإجراءات النقدية والرقابية. فأعلن البنك المركزي ضخ سيولة من العملات الأجنبية في النظام المصرفي، بالتزامن مع تشديد القيود على المضاربة في أسواق العملات والذهب.
وفي محاولة لطمأنة السوق، قال محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي إن المصرف يحتفظ بما لا يقل عن 17.2 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، على الرغم من إقراره قبل ذلك بوجود نقص في النقد الأجنبي وتراجع كبير في الإيرادات الناتجة عن تصدير النفط.
وفي الاتجاه نفسه، أكّد وزير النفط محسن باك نجاد استمرار إيران في تصدير الخام إلى أسواق خارج المنطقة، على الرغم من القيود الأمريكية المتزايدة على حركة الصادرات.
هرمز يتحول إلى ساحة المواجهة
بالتوازي مع تصاعد الضغط الاقتصادي، تحول مضيق هرمز إلى الساحة الرئيسية للمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مع انتقال الصراع من الخلاف على حركة الملاحة إلى استهداف القدرات العسكرية المرتبطة بمراقبة المضيق وتهديد السفن العابرة منه.
ففي 27 أغسطس/آب، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إزالة ألغام قالت إن إيران زرعتها في المضيق، قبل أن تؤكّد بحرية الحرس الثوري بعد أيام استمرار قدرتها على استخدام الألغام ضد السفن التي تعبر عبر المسارات التي ترفضها طهران.
وتحولت المواجهة حول الألغام إلى ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية في 30 أغسطس/آب، عندما استهدفت القوات الأمريكية منصتي إطلاق في جزيرة لارك. وقالت واشنطن إنها رصدت قوات تابعة للحرس الثوري تستعد لاستخدامهما لنشر الألغام في المضيق، في أول ضربات أمريكية معلنة داخل إيران منذ 29 يوليو/تموز.
وردت طهران بإطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات باتجاه قاعدتي الملك حسين وموفق السلطي الجويتين في الأردن، اللتين تستضيفان قوات أمريكية، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية لاحقاً إطلاق مسيّرات باتجاه قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات.
لكن الضربات الأمريكية لم تتوقف عند القدرات المرتبطة بالألغام. ففي الأول من سبتمبر/أيلول، وسعت القوات الأمريكية بنك أهدافها ليشمل مواقع للدفاع الجوي وأنظمة رادار ومنشآت بحرية وقدرات مرتبطة بزرع الألغام، إلى جانب مواقع للاتصالات ومنظومات عسكرية أخرى.
وامتدت المواجهة إلى ناقلات النفط نفسها، إذ قال مسؤولون أمريكيون إن القوات الأمريكية استهدفت ناقلتي نفط تابعتين للحكومة الإيرانية، ضمن سياسة أطلقوا عليها "ناقلة مقابل ناقلة"، رداً على الهجمات التي تعرضت لها سفن تجارية في هرمز.
ولم تعد التهديدات مقتصرة على ما يجري فوق سطح المياه. فقد دخلت كابلات الاتصالات البحرية الممتدة تحت المضيق دائرة التصعيد، مع حديث تقارير أمريكية عن أن جزءاً من العمليات الأخيرة استهدف منع هجمات إيرانية محتملة عليها.
وكانت وسائل إعلام إيرانية مقربة من الحرس الثوري قد طرحت قبل التصعيد الحالي مسألة فرض السيادة الإيرانية على كابلات الألياف الضوئية العابرة للمضيق، وإلزام الشركات المشغلة بالحصول على تصاريح ودفع رسوم، فيما تحدثت تقارير أمريكية لاحقاً عن بحث الحرس الثوري إمكانية استهداف هذه الكابلات ضمن خيارات التصعيد.
وتوضح تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب طبيعة الأهداف التي ركزت عليها الجولة الأخيرة. فقد قال إن القوات الأمريكية دمرت قدرة كانت إيران تعمل على تطويرها لإطلاق الألغام، إلى جانب استهداف أنظمة رادار وصواريخ كانت طهران تحاول إعادة بنائها.
وأضاف ترمب أن الضربات طالت معدات جديدة قرب مضيق هرمز، بعضها ذو طبيعة دفاعية وبعضها هجومية، واصفاً الهجوم بأنه "ثقيل جداً"، ومؤكّداً في الوقت نفسه استعداد الولايات المتحدة لتنفيذ ضربات إضافية إذا رأت ضرورة لذلك.
ومع ذلك، حاول ترمب وضع سقف زمني للجولة الحالية، قائلاً إن الحملة الجديدة ضد إيران لن تستمر طويلاً. ويجمع هذا الخطاب بين رسالتين: الأولى أن واشنطن تريد الاحتفاظ بحرية تنفيذ ضربات جديدة لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها حول هرمز، والثانية أنها لا تقدم التصعيد الحالي، حتى الآن، باعتباره بداية حملة عسكرية مفتوحة طويلة الأمد.
تفاوض تحت النار
وعلى الرغم من اتساع العمليات العسكرية، لم يتوقف المسار الدبلوماسي بالكامل. فقد تحدثت مصادر باكستانية في 25 أغسطس/آب عن تقدم في جهود إعادة إطلاق المفاوضات، بالتزامن مع اتصالات إيرانية عمانية بشأن ترتيبات الملاحة في هرمز.
لكن الخلاف ظل قائماً حول جوهر هذه الترتيبات. فإيران تتمسك بدور لها في تنظيم مرور السفن، بينما ترفض الولايات المتحدة إخضاع الملاحة لشروط طهران، وواصلت تسهيل عبور السفن عبر مسار جنوبي بمحاذاة الساحل العماني.
ونتيجة لذلك، ظهر عملياً مساران في المضيق: شمالي يرتبط بالترتيبات الإيرانية، وجنوبي تدعمه القوات الأمريكية.
ومع تجدد الضربات مطلع سبتمبر/أيلول، تراجع الحديث عن تسوية قريبة، فيما تبدو المواجهة متجهة إلى معادلة تجمع الضغط الاقتصادي بالعمليات العسكرية دون انتقال أي من الطرفين حتى الآن إلى حرب شاملة.
وبينما تحاول واشنطن تقليص قدرة طهران على تمويل الحرب وتصدير النفط والتحكم بالملاحة، تسعى إيران إلى إثبات أن الضغط الاقتصادي والعسكري لن يمنعها من تهديد القوات والمصالح الأمريكية وحركة الشحن في المنطقة.

















