فالتطورات الدولية والإقليمية المتسارعة، من الحرب الروسية-الأوكرانية، إلى المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران، مروراً بتصاعد التوترات في شرق المتوسط، تفرض واقعاً أمنياً جديداً يضع الحلف أمام اختبارات غير مسبوقة.
ولذلك، لا يُتوقع أن تكون قمة أنقرة مجرد اجتماع دوري يناقش ملفات تقليدية، بل محطة مفصلية لإعادة تقييم دور الناتو وأولوياته واستراتيجيته في مواجهة بيئة أمنية تتغير بوتيرة متسارعة. فالتحديات المتراكمة لم تعد تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمتد إلى إعادة تعريف وظيفة الحلف وحدود أدواره، وآليات التعامل مع نظام دولي يشهد تحولات عميقة في موازين القوى ومصادر التهديد.
وغني عن القول، إن الدول الأعضاء في الناتو تستحوذ على أكثر من 55% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، وتمثل نحو 45% من الاقتصاد العالمي. كما أن جزءاً كبيراً من الابتكارات في مجالات الذكاء الصناعي، وتقنيات أشباه الموصلات والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية، تتمحور في هذه الدول أيضاً.
وفي هذا السياق قال وزير الدفاع التركي يشار غولر: "لا ننظر إلى قمة الناتو التي سنعقدها في أنقرة على أنها مجرد اجتماع للقادة. بل نعتقد أن هذه القمة ستكون نقطة تحول مهمة، إذ سيُظهر الناتو عزمه على التكيف مع البيئة الأمنية المتغيرة، ورسم مساره الاستراتيجي للمستقبل".
مكانة أنقرة
تستضيف أنقرة القمة وهي دولة ذات دور مركزي في حلف الناتو من حيث كونها ثاني أكبر جيش فيه ولامتلاكها موقعاً استراتيجياً حاسماً مطلاً على البحر الأسود وشرق المتوسط وجزءاً من منطقة الشرق الأوسط وحاسماً فيما يتعلق بأمن الطاقة وأمن الممرات البحرية، وفي ظل تطور كبير جداً في مجال الصناعات الدفاعية وتحول نحو تصدير الأسلحة والمعدات والآليات العسكرية لعدد واسع من الدول، مما يثبت دورها وأهميتها الاستراتيجية في الحلف.
من جانب آخر تساهم تركيا مساهمات كبيرة في الناتو، فهي تعتبر من بين أفضل 5 دول في مساهمات الناتو، وقد تقدمت تقدماً كبيراً نحو هدف الالتزام الدفاعي 5% وهي جزء من قدرات الناتو الاستخبارية والعملياتية الاستراتيجية.
وبالتالي فإن استضافة تركيا للقمة هي انعكاس طبيعي للمساهمات العسكرية والخبرة العملياتية والقدرة على توليد الأمن. ولعل من الأمور الأكثر استراتيجية هو أن نهج تركيا المساهم في حل الأزمات والمحافظ على قنوات الحوار.
كما أن أنقرة تتميز عن بقية دول الحلف بميزة تعطيها أفضلية استراتيجية وهي وجود علاقات جيدة وقنوات اتصال مباشرة مع دول مثل روسيا وإيران، ولعل اللقاء المباشر الأخير بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان مؤخراً والاتصالات بين الرئيس أردوغان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من الأمثلة المهمة على ذلك.
على الجانب المقابل يبدو أن أنقرة تتمتع بعلاقات مع الإدارة الأمريكية أفضل من علاقات الأخيرة مع الكثير من العواصم الأوروبية في ظل انقسام واضح بين دول الحلف ولذلك فإنه يتوقع أن تساهم قمة أنقرة في تكريس تركيا ركيزةً جنوبيةً وشرقيةً للحلف.
من سيحضر القمة؟
تعقد القمة على مستوى رؤساء الدول الأعضاء، وسيشارك الأمين العام للحلف مارك روته في إدارة الجلسات، وبينما أكسب حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قمة ايفيان لمجموعة السبع زخماً كبيراً بالرغم من أنها تجمع غير رسمي، وليس لديه أمانة عامة، فإن مشاركة ترمب في قمة أنقرة لحلف الناتو تعتبر التزاماً أمريكياً بالحلف، رغم التوترات التي سادت في الفترة الأخيرة بشكل عام، وسيبدو الأمر أكثر وضوحاً من المواقف التي ستتخذها واشنطن.
كما ستعتبر مشاركة ترمب رسالة مهمة لمستوى العلاقات التركية-الأمريكية.
وقد أعلن ترمب أنه سيحضر قمة أنقرة بسبب علاقته مع الرئيس أردوغان، وأنه كان يعتزم التغيُّب عن القمة لولا دعوة أردوغان، ما يشير إلى الخلاف حول رؤية وحسب ما رشح من أنباء هناك نية لدعوة بعض شركاء الناتو مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، كما أن هناك عزماً لدعوة بعض المسؤولين من دول المنطقة، وخاصة دول الخليج.
الإنفاق الدفاعي
غني عن القول، إن هناك مواضيع تقليدية مستمرة منذ سنوات ستكون على أجندة القمة في أنقرة مثل كيفية انتهاء الحرب الروسية-الأوكرانية ونقاش الدعم العسكري والمالي المقدم لأوكرانيا وما يترتب عليه من زيادة في الإنتاج الدفاعي لدول الحلف، إذ جرى الاتفاق في قمم سابقة على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، ولذلك يتوقع أن ينتج عن قمة أنقرة متابعة التزام الدول الأعضاء هذه الخطة والتفاهم على الآليات التنفيذية لها في ظل ضغوط من إدارة ترمب بهذا الصدد.
الدفاع الجماعي
ولعل مفهوم الدفاع الجماعي وخططه ستكون من أهم المواضيع على أجندة القمة، وينسجم هذا مع تصريحات وزير الدفاع التركي يشار غولر التي قال فيها: "إن توقعاتنا من قمة أنقرة هي في المقام الأول إعادة التأكيد القوي على مفهوم الدفاع الجماعي الذي يشكل أساس حلف الناتو والتزام المادة 5". وفضلاً عن تحديث خطط الدفاع الجماعي ضد روسيا وتحديداً في دول البلطيق وبولندا ورومانيا، وضمان أمن أوروبا وأمن أعضاء الحلف، فإن التطوير الذي سيجري على الرؤية الاستراتيجية للحلف في مواجهة التهديدات سيكون موضوعاً رئيسياً أيضاً. وهناك اختلافات في وجهة النظر للتهديدات، فبعض الدول يعتبر روسيا التهديد الأكبر، وبعضها يعتبر الصين هي التهديد، بينما بعض الدول الأخرى يعتبر الهجرة غير الشرعية هي التهديد الأساسي.
الجناح الجنوبي للناتو
إن التهديدات التي تواجه الجناح الجنوبي لحلف الناتو، ستكون من أهم المواضيع أيضاً على أجندة قمة أنقرة، إذ يُظهر الوضع الأمني الحالي أن الجناح الجنوبي ليس مجرد قضية أمنية هامشية فحسب، بل هو أيضاً قضية أمنية مركزية"، وقد كانت اللقاءات المباشرة والشراكات الاستراتيجية بين تركيا وبولندا مؤخراً مؤشراً مهما على ذلك. وفي هذا السياق من المرجح أن تطرح تركيا التغييرات الجديدة في جنوب قبرص اليونانية، التي كان آخرها الاتفاقية العسكرية الفرنسية مع إدارة جنوب القبرص اليونانية التي رفضتها تركيا بشدة، وخاصة أن فرنسا وتركيا هما من الأعضاء الأساسيين في حلف الناتو.
الحرب على إيران
يرتبط استقرار الشرق الأوسط بشكل عام ارتباطاً وثيقاً بأمن حلف الناتو، وكل حلفاء الناتو مهتمون في الشرق الأوسط، ويعملون على معالجتها. ستكون الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وإن دخلت في حالة تهدئة بعد توقيع مذكرة التفاهم، موضوعاً رئيسياً على أجندة القمة، إذ ستناقش تداعيات الحرب، بما في ذلك أمن إمدادات الطاقة وحماية طرق الملاحة والبنية التحتية للطاقة، ولن يتوقف نقاش هذا الموضوع عند آثار الحرب على دول الحلف، بل سيمتد إلى العلاقة الأوسع مع دول الخليج واسرائيل واحتمالات توسع الصراع نحو سوريا ولبنان والطرق البديلة للطاقة وغيرها التي تمر من هذه الجغرافيا نحو دول الحلف.
وفي ظل البيئة الأمنية الحالية، تبرز مواضيع مثل التضامن والردع وقابلية التشغيل البيني والاستشراف الاستراتيجي كعناصر أساسية للأمن المشترك.
ختاماً، تعتبر قمة الناتو في أنقرة إذاً كأكثر من مجرد لقاء دوري للحلف؛ بل لحظة اختبار لقدرة الناتو على إعادة تعريف نفسه في عالم متغير، من أوكرانيا إلى هرمز وشرق المتوسط. وفي قلب هذا المشهد، تبدو تركيا ليست مجرد دولة مضيفة أو جغرافيا احتكاك، بل أيضاً فاعل يملك وزناً عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً يمكن أن يؤثر في اتجاه البوصلة الاستراتيجية للحلف، وتستفيد أنقرة هنا من موقعها الفريد بين واشنطن وموسكو وطهران وعواصم أوروبا.
إذا نجحت قمة أنقرة في تحويل هذا التشابك الكبير في الملفات من الإنفاق الدفاعي والدفاع الجماعي إلى الحرب على إيران والجناح الجنوبي للناتو إلى رؤية متماسكة، فإنها ستدشن مرحلة جديدة يتكيّف فيها الناتو مع البيئة الأمنية المتغيرة، من دون أن يفقد جوهره كتحالف ردع جماعي، وهو تحدٍّ كبير في ظل تعقيدات القضايا الدولية واختلاف المصالح بين دول الحلف في لحظة عالمية فاصلة.

















