وعلى رأس هذه المراحل وقف إطلاق نار يشمل تبادل الأسرى وهو الأمر الوحيد الذي تم إنجازه، وانسحاب اسرائيلي ونشر قوات دولية ونزع السلاح، ومن ثم إطلاق عملية إعادة إعمار بإشراف مجلس السلام الذي جرى تعريفه على أنه هيئة انتقالية دولية، ورغم هذه الجلسات استمر الاحتلال الإسرائيلي في خرق الاتفاق ومنع دخول لجنة إدارة غزة التي جرى التفاهم عليها وفق الاتفاق.
بعد اندلاع الحرب مع إيران بأيام قليلة جرت دعوة حركة حماس للقاءات لاستكمال تنفيذ الاتفاق في القاهرة، وقد عقدت جلسة في بداية مارس/آذار 2026 وشارك فيها وفد قيادي مصغر من حماس برئاسة نزار عوض الله عضو المكتب السياسي لحماس وعضوية قياديين آخرين، وعقد هذا الوفد لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات المصري ومع مبعوثين عن مجلس السلام لتناول بعض المقترحات، وقد كانت هذه الاجتماعات أقرب إلى الطابع الاستطلاعي ولم ينتج عنها أي تفاهم أو اتفاق جديد وقد تلا هذه الاجتماعات اجتماعات أخرى في شهري مارس/آذار وإبريل/نيسان 2026.
وخلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان عقدت عدة لقاءات من أجل النظر في مقترحات معدلة، ومن الواضح أن تركيز ملادينوف كان على مسألة نزع سلاح حماس أكثر من بقية النقاط التي تضمنتها خطة ترمب، وكانت وكالة رويترز ذكرت أن الخطة تتضمن شقين هما وثيقة من 12 نقطة بعنوان خطوات استكمال تنفيذ خطة ترمب في غزة" والشق الآخر بعنوان المراحل الرئيسة للجدول الزمني وهي مؤلفة من 5 مراحل تسلم من خلالها حماس أسلحتها على مدى 8 أشهر.
وثيقة الـ12 نقطة
وحول تفاصيل النقاط التي جرى تناولها أكدت تنفيذ التزامات المرحلة الأولى والسماح بدخول متطلبات التعافي المبكر في المناطق التي سيتم اعتمادها منزوعة السلاح، مع حصر السلاح بسلطة واحدة ومنع حماس من ممارسة أي سلطة مدنية أو أمنية في غزة، مع تنفيذ تدريجي لعملية نزع السلاح برقابة محددة.
وفيما كانت المقترحات التي جرى تقديمها من ملادينوف تؤكد على أن الانتقال للخطوات التالية من إعادة الإعمار أو الانسحاب التدريجي لا بد أن يرتبط بتنفيذ نزع السلاح بينما لم يحدث نفس الشيء مع التزامات إسرائيل المرحلة الأولى إذ لم يُحرص على ربط نزع السلاح بتنفيذ إسرائيل استحقاقات المرحلة الأولى.
من جهة أخرى جرى تأكيد أن اللجنة الوطنية ستكون هي المسؤولة عن الأمن في المناطق منزوعة السلاح.
ووفقاً للجدول الزمني للخطة تتخذ خطوات تحضيرية خلال 15 يوماً لحصر السلاح من قبل اللجنة الوطنية لإدارة غزة ثم تفكك إسرائيل كل الأسلحة الثقيلة في المرحلة الثانية التي تمتد من اليوم 16 إلى اليوم 40، وفي المرحلة الثالثة التي تمتد من اليوم 30 حتى اليوم 90 تسلم حماس كل أسلحتها ومعداتها إلى اللجنة وتسمح بتدمير جميع الأنفاق والمواد المتفجرة، أما المرحلة الرابعة وفق الاتفاق فهي تمتد من اليوم 91 حتى 250 وتشمل تشكيل لجنة أمنية لبدء تسجيل وجمع الأسلحة الخفيفة والشخصية وبدء انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل وفقاً لعمليات التحقق. أما المرحلة الخامسة فهي فترة التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح وتشمل انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من غزة باستثناء محيط أمني ثم البدء في عمليات إعادة الإعمار.
لم توافق حماس على هذه الخطة وظل موقفها منصباً على أنها نفذت كل التزاماتها بما فيها تسليم جميع الأسرى ولم تنفذ أي عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي بينما إسرائيل لم تطبق ما جرى الاتفاق عليه في المرحلة الأولى فهي مستمرة في الاغتيالات، إذ قتلت أكثر من 700 فلسطيني منذ سريان وقف إطلاق النار.
واستمرت في أعمال الهدم ولم تدخل نفس العدد المتفق عليه لشاحنات المساعدات الإنسانية إذ دخلت 120 شاحنة بدلاً من 600 يومياً، كما أغلقت معبر رفح ولم تدخل الخيام وأدوات إزالة الركام المطلوبة، وعليه لابد من تطبيق كل ما جاء في المرحلة الأولى قبل الانتقال للمرحلة الثانية مع وجود ضمانات كافية للانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية قبل الحديث عن أي موضوع آخر.
أمام رد حماس فاقترح ملادينوف عملية خطوة مقابل خطوة فيما يتعلق بالانسحاب الاسرائيلي وسحب السلاح مشدداً على استكمال المرحلة الأولى ولكن مع الشروع فوراً بالمرحلة الثانية مع الاتفاق على ضرورة الإسراع في تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الدخول والعمل في غزة.
تصريحات ملادينوف
أدّت تصريحات نشرها ملادينوف في 10 إبريل/نيسان، اعتبرها المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة مضللة، إلى تساؤلات حول دور مجلس السلام وموقفه من خروقات الاحتلال الإسرائيلي اليومية للاتفاق، ولماذا يلتزم الصمت؟ وموقفه من تعهداته العلنية أمام المجتمع الدولي بإنقاذ قطاع غزة في ظل واقع إنساني كارثي ومتفاقم؟ وكان ملادينوف قد صرّح بشأن دخول 602 شاحنة إلى القطاع، مما جعل المكتب الحكومي يؤكد أن التصريح عارٍ عن الصحة، ويفتقر إلى الدقة والمصداقية، ويتناقض مع الوقائع الميدانية الموثقة.
وأضاف المكتب أن البيانات الفعلية لليوم تؤكد دخول 207 شاحنات فقط، من بينها 79 شاحنة مساعدات، وهو ما لا يرقى إلى مستوى الاستجابة الإنسانية المطلوبة، ولا يعكس بأي حال "وصولًا موسعًا" كما زُعم، خاصةً أن نسبة التزام إدخال الشاحنات منذ بدء وقف إطلاق النار لم تتجاوز 38% من المتفق عليه.
وتشير هذه التصريحات إلى توتر الأجواء التفاوضية، ومحاولة ملادينوف فرض إطار تفاوضي يخدم مصلحة الاحتلال الإسرائيلي بالدرجة الأولى.
تهديد ملادينوف
وكما ذُكر أعلاه، ووفق ما نشرته وكالة صفا الفلسطينية، كان هناك إصرار على مدى الأسابيع الماضية من قبل ملادينوف على استدراج حماس لحصر التفاوض حول نزع السلاح والتعهد بجداول زمنية لإحصائه وتسليمه، وقد ترافق هذا الإصرار، وفق ما ذكرت بعض المنافذ، مع تهديد بعودة الحرب، وهو ما جرى تفسيره بأنه يتنافى مع دور ملادينوف كممثل لمجلس السلام.
وفي هذا السياق قال مصدر فلسطيني مطّلع على مباحثات القاهرة لـTRT عربي في منتصف إبريل/نيسان 2026، إن ممثل "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف نقل لحركة حماس مطالب "إسرائيل"، ووصل الأمر به إلى حد توجيه تهديدات مبطنة بالعودة إلى الحرب على غزة في حال رفض مقترحه.
وأوضح المصدر المطلع أن وفداً من حركة حماس برئاسة خليل الحية التقى وفداً أمريكياً برئاسة كبير المستشارين أرييه لايتستون، بحضور ملادينوف في القاهرة أمس، وبيّن المصدر المطلع أن "حماس تعتبر ما طرحه ملادينوف غير متوازن، ويختزل العملية إلى بند واحد، وهو نزع السلاح، بينما يجري تأجيل أو تهميش التزامات المرحلة الأولى الأخرى".
وحسب المصدر، فإن رئيس وفد حماس التفاوضي خليل الحية ضغط على لايتستون لإلزام "إسرائيل" بتنفيذ التزاماتها كاملة للمرحلة الأولى من الاتفاق، بما في ذلك إنهاء القصف، ودخول المزيد من المساعدات الإنسانية، من أجل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وكان من الواضح أن طرح ملادينوف ولايتستون كان يركز على أمن إسرائيل ونزع سلاح المقاومة، بينما كان لا يهتم بالحقوق الإنسانية والسياسية والإدارية الفلسطينية، ولا يربط التزام الاحتلال بها بضمانات أو جداول زمنية.
المسار التفاوضي الأخير
في آخر تواصل تفاوضي جرى في نهاية إبريل/نيسان 2026، ولا يزال مستمرًا حتى مايو/أيار الجاري، حول بحث مقترحات لمتابعة تقدم وقف إطلاق النار في غزة، تم مؤخرًا عقد لقاءات في القاهرة بين حركة حماس ووفود الفصائل الفلسطينية والوسطاء ونيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لغزة في مجلس السلام، وبحضور شخصيات أمريكية أخرى.
وقد نقلت عدة مصادر فلسطينية لصحف ووكالات أنباء أن حماس، وبالتشاور مع الفصائل الفلسطينية، أبلغت الوسطاء وملادينوف بموقفها من خارطة الطريق التي قدمها الوسطاء في 19 إبريل 2026 لتنفيذ خطة الرئيس ترمب.
ومما ذُكر حول النقاط التي احتوتها خارطة الطريق: التزام قرار مجلس الأمن 2803 وخطة الرئيس ترمب كإطار متفق عليه، واستكمال الالتزامات المتبقية بموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، مع التحقق من التنفيذ، مع موافقة حماس والفصائل الفلسطينية على ألا يكون لها أي دور في حكم غزة بشكل مباشر أو غير مباشر، فيما يُحصر امتلاك السلاح بتخويل من اللجنة الإدارية، مع تنفيذ حصر وجمع للسلاح بشكل تدريجي عبر جهات فلسطينية وبرقابة دولية، ومع نشر قوات دولية، تنسحب إسرائيل تدريجيًا، ويكون انسحابها مرتبطًا بالإنجاز في عملية جمع السلاح، وتدخل مواد إعادة الإعمار إلى المناطق التي جرى جمع السلاح فيها.
وحسب ما رشح، فإن رد حركة حماس والفصائل الفلسطينية، الذي قدّر جهود الوسطاء المبذولة للتوصل لنص مقبول لكل الأطراف، ركّز على التنفيذ الكامل والفوري من جانب الاحتلال لالتزاماته المنصوص عليها في اتفاقية شرم الشيخ بشكل كامل، وخاصة ما يتعلق بالمرحلة الأولى من وقف الاغتيالات، ودخول المساعدات الإنسانية، وفتح معبر رفح بشكل كامل، والانسحاب إلى النقاط المتفق عليها.
وبجوار هذا الموقف، الذي أصر على تنفيذ التزامات ما يُعرف بـ"المرحلة الأولى"، أعلنت حركة حماس والفصائل الفلسطينية استعدادها للدخول في مفاوضات جادة بشأن تنفيذ خارطة الطريق، وربطت حماس تعاملها المستقبلي مع ملف السلاح بخطة ترمب وقرار مجلس الأمن 2803، وبسياق الترتيبات الأمنية الضرورية التي تضمن الأمن والاستقرار لكلا الطرفين.
ختامًا، تُظهر قراءة مسار التفاوض منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحتى يومنا هذا أن المشكلة تتركز في اختلال بنية ما يطرحه مجلس السلام، من خلال التركيز على مصلحة الاحتلال الإسرائيلي الأمنية، وخاصة فيما يتعلق بنزع السلاح، واستمرار النهج الذي سبق الإبادة الجماعية، الذي كان يعمل على إدارة الصراع وليس حله. كما أن الممثل الأعلى لمجلس السلام، الذي هو هيئة مؤقتة، يبدو حاملًا لمطالب الاحتلال أكثر من كونه وسيطًا نزيهًا، في تجاوز واضح لحدود التفويض الممنوح له.
من جانب آخر، لا يتم التعامل مع التزامات الاحتلال بجداول زمنية وضغط وآليات ملزمة كما يحدث مع المقاومة الفلسطينية، بخاصة أن الاحتلال مستمر بالاغتيالات والحصار وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، ولما سبق، فإنه من المتوقع أن تكون هناك تحديات كبيرة أمام المسار الحالي، لأنه لا يعتمد على أسس سليمة ومتوازنة من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الاحتلال الإسرائيلي يظل بين الفينة والأخرى يهدد بإعادة الحرب على غزة من جديد، مع أن الحرب لم تتوقف، ولكن كان شكلها مختلفاً خلال الأشهر الماضية، عبر توسيع سيطرة الاحتلال الإسرائيلي واغتيال عناصر الشرطة وتكريس المعاناة الإنسانية.








