لماذا تبدو الأعياد اليهودية أكثر خطورة من ذي قبل؟
سياسة
6 دقيقة قراءة
لماذا تبدو الأعياد اليهودية أكثر خطورة من ذي قبل؟تلعب جماعات الهيكل دوراً مهماً في تحويل الأعياد اليهودية إلى موسم ضغط ممنهج على المسجد الأقصى، فهي لا تسعى إلى زيادة عدد المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى في الأعياد فحسب، بل تسعى لتطبيع الوجود والطقوس اليهودية في القدس.
الأعياد الآن هي بمثابة منصة ومزاد انتخابي للأحزاب اليمينية المتطرفة وتحالف بين هذه الأحزاب وجماعات الهيكل لتعبئة الناخب اليميني

لا يبدو ولو لوهلة واحدة أن الأحزاب الإسرائيلية ودولة الاحتلال الإسرائيلية يتعاملون مع الأعياد الدينية اليهودية في القدس كمناسبات دينية مجردة، بل يجري التعامل مع الأعياد الدينية اليهودية كمناسبات يكون توظيفها ضمن استراتيجية أوسع لتغيير كل شيء في القدس من الأسماء إلى الرموز وعبر تكثيف وجود المستوطنين والحضور الأمني وتقديم الرواية التوراتية بشكل أكبر في كل عام يجري العمل على تعزيز السيادة الإسرائيلية في المدينة كوقائع على الأرض.

بعد أن احتلت إسرائيل القدس في 1967 كان أول عيد يهودي بعد الحرب هو عيد الأسابيع اليهودي وهو أول مناسبة دينية احتفل بها عند حائط البراق بعد الحرب وحولت اسرائيل بشكل مباشر حائط البراق إلى رمز وطني اسرائيلي، وشارك نحو 200 ألف شخص، وترافق هذا العيد مع إزالة حارة المغاربة الفلسطينية المتاخمة لحائط البراق بعد إخلاء سكانها منها، ومع ذلك أبقت حكومة موشيه ديان على إدارة شؤون المسجد الأقصى اليومية بيد الأوقاف الإسلامية المدعومة من الأردن، فيما سمحت لليهود وغير المسلمين بزيارة الأقصى من دون طقوس دينية، وذلك إدراكاً لحساسية المسجد الأقصى إسلامياً وعربياً، وبدا أن إسرائيل قابلة بما لم يتفق عليه في البداية، وهو أن يصلي اليهود عند حائط البراق والمسلمون في المسجد الأقصى، ويدار الأقصى من الأوقاف، لكن تتحكم هي بالأمن الميداني.

ومن الواضح أن إسرائيل تعتبر نفسها أنها أخطأت فيما سبق، ولذلك لم تكتف بحائط البراق كمكان مركزي، ولكن جرى توسيع استهداف مجمع المسجد الأقصى كله كرمز ديني ووطني لإسرائيل، كما جرى تدريجياً تكثيف الزيارات وزيادة أعداد المستوطنين اليهود الذين يزورون المسجد الأقصى، وسمحت الشرطة الإسرائيلية في فترات بطقوس وصلوات محدودة، ما جعل الحظر الرسمي حبراً على ورق فحسب، مع تزايد الصلوات الفردية والجماعية.

أما إدارة المسجد الأقصى فقد كانت إدارياً تابعة للأوقاف، ولكن إدارة الأمن بقيت بيد الشرطة الإسرائيلية التي باتت هي المتحكم الفعلي بالدخول والخروج والمواعيد والقيود وحتى مسارات الحركة، ولخدمة التغيير لمزيد من السيادة الاسرائيلية في المسجد الأقصى، استغلت إسرائيل مواسم الأعياد لتكثيف الاقتحامات وفرض الإغلاقات وجعل حضور جماعات الهيكل مكثفاً من أجل تطبيع هذا الحضور والتأقلم عليه، وبالطبع يتزامن هذا مع فرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى وحتى إلى البلدة القديمة في القدس تحت ذرائع أمنية.

دور جماعات الهيكل في الأعياد

تلعب جماعات الهيكل دوراً مهماً في تحويل الأعياد اليهودية إلى موسم ضغط ممنهج على المسجد الأقصى، فهي لا تسعى لزيادة عدد المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى في الأعياد فحسب، بل تسعى لتطبيع الوجود والطقوس اليهودية في القدس، والأخطر هي أنها تشترك مع الحكومة وأجهزة الأمن الاسرائيلية في بعض الأحيان في اختبار حدود الوضع القائم وحدود الردود المحلية والعربية والدولية على الاستفزازات التي يجري تطبيقها. كما أنها لا تكتفي بتقديم خطاب ديني فحسب، بل تربط المطالب الدينية بخطاب السيادة على القدس، وقد انتقل هذا الدور مؤخراً من اقتحامات متفرقة، يقوم بها متدينون متشددون إلى فاعليات كبيرة منظمة تدعمها الشرطة الاسرائيلية، ويشارك بها بشكل رئيسي وزراء ونواب في البرلمان ومسؤولون من أحزاب سياسية.

ويمنح حضور الوزراء الإسرائيليين شرعية سياسية للاقتحامات في الأعياد، ويزيد من محتوى الرسائل السيادية على الدينية في الاقتحامات، وعلى سبيل المثال قبل شهرين تقريباً وفي يوليو/تموز 2026 اقتحم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير برفقة 4000 مستوطن المسجد الأقصى خلال ذكرى تدمير الهيكل الأول على يد البابليين وفق التقويم العبري، وجرى تحويل هذه الذكرى كوسيلة لتكريس التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى وبالطبع دمج الذاكرة الدينية مع السيادة مع التنافس السياسي بين الأحزاب الاسرائيلية على هذه القضية.

وبينما تتفاوت جماعات الهيكل في أهدافها من المطالبة بالزيارة وأداء الطقوس في المسجد الأقصى إلى المطالبة بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث في مكانه، ولكن هذه الجماعات تتكامل فيما بينها، فهناك جماعات تعمل على حشد أكبر عدد من المستوطنين وتحول مواسم الأعياد لاختبار الوضع القائم، وهناك جماعات تقوم بممارسة طقوس وشعائر وهناك من يدمج منها البعد القومي بالديني ويقدم الفعل الديني كمطلب وطني، ومن هذه الجماعات جماعة أمناء جبل الهيكل، وهي تعتبر القيام بمزيد من الانتهاكات في الأقصى وزيادة السيطرة على أجزاء منه جزء من عملية "الخلاص" والسيادة القومية، كما أن هناك حركات شبابية تستهدف تحويل الحضور من نخبة دينية متقدمة في السن إلى حالة واسعة بحضور شبابي يغلب عليه التدين القومي.

وكما ذكرنا، تتكامل أعمال هذه الجماعات بداية من بناء الرواية بجعل المسجد الأقصى محور الهوية اليهودية والحق القومي في القدس، ويركزون على المناهج والتعليم والمتاحف ونشر المنشورات وتدريب الكوادر لجعل ذلك مركزيا في الوعي العام، وهناك مجموعات ميدانية تتولى تنظيم الجولات وتحديد المسارات بهدف جعل اقتحامات الأقصى من فعل استثنائي إلى حالة منتظمة بشكل يومي وأسبوعي، وتقوم بتكثيف جهودها بشكل كبير جداً في مواسم الأعياد كذروة لهذه الحالة ونقطة تحول في عملية فرض الوقائع وتحقيق مكتسبات عملية ميدانية، والخطير هنا أن كل ممارسة فعلية تمر من دون منع حاسم ومن دون رد فعل ضاغط يفرض ثمناً تصبح سابقة يجري البناء عليها في موسم الأعياد الذي يليه.

خطورة الأعياد اليوم

إن خطورة الأعياد في الموسم الحالي تبدو أخطر من ذي قبل بكثير، فهي تجمع بين العديد من العوامل لأول مرة. فموسم الأعياد الذي بدأ هذا الأسبوع يمتد من رأس السنة العبرية مروراً بعيد الغفران، ثم عيد العرش، وينتهي قبل أقل من شهر على واحدة من أكثر الانتخابات الاسرائيلية حرجاً، فهي أول انتخابات بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وأول انتخابات بعد أن كسرت إسرائيل ومستوطنوها الكثير من المحرمات من خلال حرب الإبادة، ومن خلال السلوك العدواني في داخل فلسطين وخارجها، كما اكتسبت قوى اليمين المتطرف مساحة أوسع لربط ملفات الأمن والهوية والقدس بخطاب واحد يصور إسرائيل في معركة بقاء، كما أن حجم الدعم الذي يقدمه الجيش والشرطة الإسرائيلية للاقتحامات في المسجد الأقصى وصل إلى مستويات غير مسبوقة.

وبالتالي، فإن الأعياد الآن هي بمنزلة منصة ومزاد انتخابي للأحزاب اليمينية المتطرفة وتحالف بين هذه الأحزاب وجماعات الهيكل لتعبئة الناخب اليميني، ومع أن الأعياد تزامنت مع انتخابات إسرائيلية، في السابق لكن هذه المرة مختلفة، إذ يصبح الأقصى اليوم في ظل عجز عن حسم في معظم الجبهات، على الرغم من الخسائر التي كبدتها إسرائيل لأعدائها، سواء حماس أم حزب الله، لكن العجز عن الحسم يجعل الأقصى أداة لتعويض سياسي ورمزي عن الإخفاقات العسكرية أو السياسية، وفي ظل تقارب الأصوات بين المعسكرات المتنافسة في داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، تصبح هذه العملية أكثر خطورة. كما أن هذه الاقتحامات لا تتعلق فقط بفرض مزيد من الوقائع التي تزيد من عملية السيادة على المسجد الأقصى، بل هي مواسم لترويج خطط الاستيطان في الضفة وتهجير الفلسطينيين من غزة والضفة وحتى الداخل الفلسطيني إلى الأردن وغيرها.

ختاماً، إن الجمع بين الأعياد الدينية التي توظف بشكل متزايد كل عام في المجال السياسي والسيادي مع الموسم الانتخابي الذي يجده اليمين فرصة للتعبئة والفعل، ومع معضلة إسرائيل الأمنية الحالية سيجعل الواقع أمام ديناميكيات خطيرة، ينبغي الانتباه لها مبكراً والسعي لتوفير ضغوط حقيقية، تمنع إسرائيل من توظيف هذه العوامل لتثبيت وقائع جديدة.



مصدر:TRT Arabi
اكتشف
جثامين تحت الركام.. انتشال 12 فلسطينيا وارتفاع الحصيلة إلى 75 في "مربع التاج" بمدينة غزة
فيتو روسي-صيني ينهي تفويض المراقبة المستقلة للعقوبات على إيران
بقيمة 24.3 مليار دولار.. الخارجية الأمريكية توافق على بيع السعودية 48 مقاتلة "F-35"
رفض أممي لقرار واشنطن.. 152 دولة تطالب بالسماح للوفد الفلسطيني بالمشاركة
ترمب يلوّح بقرار حاسم حول الحرب على إيران: "كل شيء ممكن"
"يتعارض مع جهود السلام".. فلسطين ترفض تمديد واشنطن قيود التأشيرات على مسؤوليها وتدعو إلى حوار مباشر
لتخليدهم بأسمائهم.. كفن بطول 100 متر في نيويورك لأكثر من 20 ألف طفل فلسطيني استشهدوا في غزة
واشنطن ترفض منح الرئيس الفلسطيني تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك
النواب الأمريكي يقر مشروع قانون لفرض عقوبات واسعة على روسيا ويحيله إلى ترمب
بعيداً عن واشنطن.. كندا تطلب الانضمام إلى قوة عسكرية بقيادة بريطانيا
التصعيد العسكري يفاقم النزوح في اليمن.. أكثر من 122 ألف شخص خلال أسبوعين
أنقرة وطهران تبحثان تعزيز التعاون الأمني وتصفية أذرع PKK الإرهابي ضمن مسار "تركيا بلا إرهاب"
استشهاد فلسطينيين اثنين في غزة.. ووزارة الأشغال: نحو 3 آلاف مبنى مصنفة خطرة أو آيلة للسقوط
رئيس الاستخبارات التركية يبحث في أفغانستان تعزيز التعاون المشترك
لليوم الثاني على التوالي.. مظاهرات في الصومال شكراً لتركيا على دعمها