الحرب تُعتم سماء المنطقة.. لماذا توقفت صور الأقمار الصناعية؟

تشهد بيئة الاستخبارات مفتوحة المصدر تحوّلاً لافتاً مع تراجع إتاحة صور الأقمار الصناعية التجارية في خضم الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، في وقت تُعد فيه هذه الصور أداة أساسية لفهم مجريات الصراع.

By
تدفع التطورات التقنية، خصوصاً استخدام الذكاء الصناعي، نحو تسريع تحليل الصور واستخلاص المؤشرات العملياتية منها، ما يزيد من حساسيتها في السياق العسكري / Reuters

ووصفت مجلة "الإيكونوميست"، هذا التراجع بالانكسار بعد مسار طويل من الشفافية مكّنت الباحثين والصحفيين خلال العقد الماضي من تتبع النزاعات ومساءلة الروايات الرسمية.

وبدأ هذا التحول يتكشف مطلع مارس/آذار، حين لاحظ أحد الباحثين اختفاء صور حديثة للساحل الإيراني كانت متاحة قبل يوم واحد فقط، وتبيّن لاحقاً أن شركة "بلانيت لابز"، التي تدير أكبر منظومة أقمار صناعية تجارية لتصوير الأرض، غيّرت سياستها بشكل مفاجئ عقب اندلاع الحرب.

 وفرضت الشركة في البداية تأخيراً لمدة أربعة أيام على نشر الصور عالية الدقة، قبل أن توسّع القيود إلى أسبوعين، لتشمل كامل منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك دول الخليج والقواعد العسكرية الحليفة وإيران.

وبرّرت "بلانيت" خطوتها، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز، بالحاجة إلى التعامل مع طبيعة صراع "ديناميكي ومعقد"، مؤكدةً أنها تسعى إلى منع استخدام صورها في التخطيط لهجمات قد تستهدف قوات حليفة أو تابعة لحلف شمال الأطلسي أو المدنيين.

ويعكس هذا التوجه تحوّلاً أعمق في دور الفضاء التجاري داخل الحروب الحديثة، فبعد أن كانت الصور الفضائية عالية الدقة حكراً على الدول المتقدمة، أسهم انتشار الصور التجارية في كسر هذا الاحتكار، كما ظهر بوضوح في الحرب الروسية-الأوكرانية.

وتدفع التطورات التقنية، خصوصاً استخدام الذكاء الصناعي، نحو تسريع تحليل الصور واستخلاص المؤشرات العملياتية منها، ما يزيد من حساسيتها في السياق العسكري.

في هذا السياق، يشير كريس مور، المستشار في قطاع الدفاع ونائب المشير الجوي السابق في الجيش البريطاني، إلى أن تحليل الصور لم يعد حكراً على الخبراء العسكريين، بل بات متاحاً لقطاع أوسع من الباحثين، ما يقرّب العالم من نموذج "عين شاملة من الفضاء"، يصعب معه إخفاء التحركات العسكرية أو تنفيذ عمليات تمويه فعالة.

من جهة أخرى، يسلط الباحث في المصادر المفتوحة مصطفى أحمد، في حديثه لموقع "مدى مصر"، الضوء على البعد المعرفي لإتاحة هذه الصور، إذ يرى أن انتشار المعلومات يعزز قدرة الجمهور والباحثين على التدقيق في الروايات المتضاربة والوصول إلى استنتاجات أكثر دقة. 

ويضيف أن إسرائيل تُعد من أكثر الدول إدراكاً لحساسية هذه البيانات، وغالباً ما تفضّل حصرها ضمن الدوائر الاستخباراتية الرسمية.

ويستدل على ذلك بالتعتيم الذي رافق الحشود العسكرية الإسرائيلية في بداية الحرب على غزة، والذي لم يكن بالإمكان اختراقه إلا عبر صور الأقمار الصناعية التي تداولها مجتمع المصادر المفتوحة.

في المقابل، لم يكن هذا التحول مفاجئاً بالكامل، إذ تتبع شركات أخرى، مثل "فانتور" (ماكسار سابقاً)، سياسات تقييدية منذ سنوات، تشمل حجب صور القواعد الأمريكية وفرض قيود على مناطق نزاع مثل أوكرانيا.

ومع ذلك، فإن التحول في سياسة "بلانيت"، التي عُرفت سابقاً بانفتاحها النسبي، يعكس تصاعد الحساسية المرتبطة باستخدام هذه الصور في النزاعات الجارية.

ويؤكد خبراء، من بينهم جيفري لويس، من معهد ميدلبري للدراسات الدولية، في حديث مع “الإيكونوميست”، أن القيمة العملياتية لهذه الصور تكمن في قدرتها على تقييم الأضرار وتحديد الأهداف، وهو ما يفسر تشديد القيود في ظل حرب ممتدة زمنياً، لا تكفي فيها التأخيرات القصيرة للحد من الاستخدام العسكري للبيانات.

ولم تقتصر القيود على مناطق الاشتباك المباشر، بل امتدت إلى داخل إيران نفسها، مع استثناءات محدودة، مثل نشر صورة لمجمع "تاليغان-2" بعد استهدافه.

 ويربط مطلعون في القطاع هذا التوجه بمخاوف من سيناريوهات تصعيدية، تشمل احتمال تنفيذ عمليات برية داخل إيران تستهدف منشآت حساسة، من بينها مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي.

ورغم تأكيد "بلانيت" أن قرارها اتُّخذ بشكل مستقل، تشير "الإيكونوميست" إلى ضغوط غير معلنة مارستها إدارة ترمب على شركات الفضاء، عبر قنوات مثل مكتب الاستطلاع الوطني.

 كما أن سوابق سابقة، تضمنت طلب حذف صور تظهر تحركات عسكرية أمريكية، تعزز فرضية أن القيود الحالية لا تقتصر على اعتبارات الأمن العملياتي، بل تمتد إلى الحد من نشر صور قد تكشف خسائر الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً بعد أن أظهرت صور مبكرة دقة الضربات الإيرانية على منشآت عسكرية ونفطية.

وتندرج هذه التطورات ضمن سياق أوسع من محاولات الحكومات التحكم في تدفق الصور الفضائية، إذ سبق للولايات المتحدة أن فرضت قيوداً على صور إسرائيل حتى عام 2020، كما تأخرت صور غزة عام 2023، وخفّض الاتحاد الأوروبي جودة صور أقمار "سنتينل-2" خلال التوترات في البحر الأحمر.

في المقابل، لم تعد السوق حكراً على الشركات الأمريكية، إذ تتوسع شركات صينية مثل "جيلين-1" و"سيوي"، إلى جانب شركة "إيرباص" الأوروبية، التي واصلت نشر صور لمواقع عسكرية في الخليج رغم القيود.

غير أن التحدي الأساسي، كما يشير الباحث سام لاير، لم يعد متعلقاً بجودة الصور، بل بانتظام تدفقها، إذ إن غياب التحديث المستمر يحد من القدرة على متابعة التطورات الميدانية بدقة.