سوريا والأردن.. شراكة جديدة تولد على وقع تحولات المنطقة
سوريا الجديدة
8 دقيقة قراءة
سوريا والأردن.. شراكة جديدة تولد على وقع تحولات المنطقةفي وقت تتسارع فيه التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة، تتجه العلاقات السورية-الأردنية نحو مستوى جديد من التنسيق والتعاون، مدفوعة بجملة من التحديات المشتركة التي تواجه البلدين، وفي مقدمتها أمن الجنوب السوري.
إلى جانب الملفات الأمنية والسياسية، يبرز الاقتصاد بوصفه أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة في العلاقات السورية الأردنية / وزارة الخارجية السورية

وجاءت الزيارة الأخيرة التي أجراها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق لتؤكد استمرار هذا المسار، في ظل قناعة متزايدة لدى الطرفين بأن التطورات الجارية في المنطقة تجعل من التنسيق الثنائي ضرورة تتجاوز الاعتبارات التقليدية للعلاقات بين دولتين جارتين. 

يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية، ومقره عمّان، عريب الرنتاوي، أن الانفتاح الأردني على دمشق ليس وليد التطورات الأخيرة، بل بدأ منذ الأيام الأولى للتغيير السياسي في سوريا، حيث شهدت المرحلة الماضية سلسلة من اللقاءات والزيارات المتبادلة والاجتماعات الوزارية والتنسيق الأمني والاقتصادي بين البلدين.

ويشير الرنتاوي في حديث مع TRT عربي  إلى أن الجنوب السوري يمثل أهمية خاصة للأردن، ليس فقط بسبب الجوار الجغرافي، وإنما أيضاً بسبب الروابط الاجتماعية والعشائرية الممتدة على جانبي الحدود. فالكثير من العائلات والعشائر تتوزع بين شمال الأردن وجنوب سوريا، ما يجعل أي اضطراب أمني أو اقتصادي في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الداخل الأردني. 

ويستحضر الرنتاوي السنوات السابقة عندما تحول الجنوب السوري إلى أحد أبرز مصادر القلق الأمني للأردن. ففي مرحلة من المراحل وصلت تنظيمات متشددة إلى مناطق قريبة جداً من الحدود الأردنية، وتمركزت مجموعات تابعة لتنظيم داعش الإرهابي في حوض اليرموك، على مسافات ليست بعيدة عن مدينة إربد، ثانية أكبر المدن الأردنية.

 كما شهد الجنوب وجود عشرات الفصائل المسلحة والقوى المحلية المتصارعة، فضلاً عن معسكر الركبان الذي شكل لفترة طويلة مصدر قلق أمني وإنساني للأردن.

 ويضيف أن أخطر ما واجه الأردن خلال السنوات الأخيرة لم يكن فقط وجود الجماعات المسلحة، بل شبكات تهريب المخدرات والسلاح التي تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الوطني الأردني.

 ويشير إلى أن عمان كانت تنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها واحدة من أخطر التحديات العابرة للحدود، وخصوصاً مع الاتهامات التي وجهت سابقاً إلى جهات مرتبطة بالنظام السوري البائد، كالفرقة الرابعة التي كان يرأسها ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري المخلوع، بالمشاركة في عمليات تهريب الكبتاغون والأسلحة.

وبحسب الرنتاوي، فإن هذه التهديدات تراجعت جزئياً بفعل التعاون الأردني-الروسي خلال السنوات الماضية، لكنها عادت لتفرض نفسها مجدداً مع تطورات الجنوب السوري، الأمر الذي يدفع الأردن اليوم إلى متابعة ما يجري في محافظات الجنوب، وخاصة السويداء، بدرجة عالية من الاهتمام. ويلفت في هذا السياق إلى أن الأردن نفذ خلال المرحلة الأخيرة ضربات جوية، استهدفت بعض أوكار التهريب في الجنوب السوري، في إطار مواجهة شبكات المخدرات والسلاح التي عادت لتطل برأسها عبر لاعبين جدد. 

ويتفق الباحث الأردني حازم عياد مع هذا التوصيف، موضحاً أن أولويات الأردن تجاه سوريا تغيرت خلال العامين الماضيين. فبعد سقوط نظام الأسد، كان السؤال الأساسي في عمان يتعلق بطبيعة السلطة الجديدة في دمشق وعلاقاتها الإقليمية وتوجهاتها السياسية. لكن مع مرور الوقت، ظهرت مؤشرات على اندماج سوريا الجديدة في محيطها العربي والإسلامي، ما خفف من الهواجس الأردنية السابقة.

ويؤكد عياد في حديث مع TRT عربي أن التحدي الرئيسي اليوم يتمثل في ضمان استقرار الجنوب السوري ومنع ظهور بؤر خارجة عن سلطة الدولة، لأن استمرار الاضطرابات الأمنية يعني استمرار مخاطر التهريب والفوضى والتدخلات الخارجية. 

ويذهب عياد إلى أن الأردن لم يعد يتعامل مع ملف الجنوب السوري باعتباره شأناً سورياً داخلياً فقط، بل بوصفه ملفاً يمس الأمن الوطني الأردني بصورة مباشرة. ويشير إلى أن عمان تنظر بقلق إلى محاولات تكريس واقع أمني منفصل في السويداء، وخصوصاً في ظل وجود مجموعات مسلحة يعتبرها مصدر تهديد للاستقرار في المنطقة، ونافذة يمكن أن تتسلل منها مشاريع خارجية تستهدف الجنوب السوري. 

ويضيف أن الأردن انخرط خلال الفترة الماضية في جهود سياسية وأمنية هدفت إلى احتواء التوترات في الجنوب، معتبراً أن استقرار السويداء جزء من استقرار الحدود الأردنية. كما يشير إلى وجود تنسيق أردني-سوري، وبما يتقاطع مع الدور الأمريكي، في بعض الملفات المرتبطة بأمن الجنوب، بهدف منع تحوله إلى منطقة فوضى أو ساحة نفوذ لقوى معادية للدولة السورية. 

أما المحلل السياسي السوري باسل معراوي فيرى أن الجنوب السوري أصبح نقطة تقاطع مباشرة للمصالح السورية والأردنية، وأن الطرفين يتشاركان المخاوف نفسها تجاه أي مشاريع انفصالية أو كيانات خارجة عن سلطة الدولة السورية. ويشير إلى أن الأردن يدرك أن أي اضطراب في الجنوب ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنه الداخلي، ولذلك فإن التنسيق مع دمشق أصبح خياراً استراتيجياً أكثر منه مجرد تعاون أمني مؤقت.

 ويربط معراوي في حديث مع TRT عربي هذا التنسيق بالتطورات التي شهدتها السويداء خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الأردن سبق أن وجه ضربات جوية استهدفت منشآت ومواقع مرتبطة بتصنيع وتهريب المخدرات في المحافظة، في إطار سعيه لمواجهة الشبكات التي تنشط على امتداد الحدود. ويرى أن عمان تعتبر استمرار هذه الأنشطة تهديداً مباشراً لأمنها الداخلي، ولذلك تدعم أي ترتيبات تعزز سلطة الدولة السورية في الجنوب وتحد من نفوذ المجموعات المسلحة وشبكات التهريب.

إسرائيل والجنوب السوري.. التحدي المشترك 

إذا كان استقرار الجنوب السوري يمثل أولوية مشتركة، فإن العامل الإسرائيلي يبدو اليوم أحد أبرز أسباب التقارب بين دمشق وعمان.

 ويؤكد حازم عياد أن الأردن بات ينظر إلى السياسات الإسرائيلية بوصفها أحد أهم مصادر القلق في الجنوب السوري. فبعد أن تراجع القلق المرتبط بطبيعة السلطة الجديدة في دمشق، برزت مخاوف جديدة مرتبطة بمحاولات إسرائيل فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب السوري، والسعي إلى إنشاء مناطق منزوعة السلاح أو فرض وقائع ميدانية جديدة يمكن أن تمتد آثارها إلى الداخل الأردني.

ويشير إلى أن عمّان لا تريد أن تتحول إسرائيل إلى الفاعل الرئيسي في الجنوب السوري، كما أنها تنظر بقلق إلى أي مشاريع يمكن أن تؤدي إلى خلق مناطق نفوذ دائمة أو كيانات منفصلة عن الدولة السورية. ويعتبر أن استمرار الحالة الأمنية المضطربة في الجنوب لا يخدم فقط شبكات التهريب، بل يمنح إسرائيل فرصة للعبث بأمن المنطقة وفرض ترتيبات تتجاوز الحدود السورية لتلامس الأمن الأردني مباشرة.

من جانبه، يلفت الرنتاوي إلى أن الأردن يتابع بقلق بالغ التمدد الإسرائيلي في القنيطرة وريف درعا، ويرى في هذه التحركات تهديداً لاستقرار المنطقة وانتهاكاً لسيادة الدولة السورية. كما يتابع بقلق محاولات السيطرة على مصادر المياه في حوض اليرموك، والضغوط التي تدفع بعض السكان إلى مغادرة مناطقهم، إضافة إلى محاولات تحويل الاحتلال المؤقت إلى وجود دائم.

 ويضيف أن الأردن يدعم أي جهود من شأنها إعادة تثبيت اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ويرى أن استمرار التوسع الإسرائيلي سيؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

أما معراوي فيربط التقارب السوري الأردني بالمخاطر الاستراتيجية الأوسع التي يفرضها المشروع الإسرائيلي في المنطقة. ويقول إن الأردن ينظر بقلق إلى صعود اليمين الإسرائيلي وإلى الطروحات التي تتحدث عن إعادة رسم خرائط المنطقة، بما في ذلك الأفكار المتعلقة بالوطن البديل للفلسطينيين.

ويرى أن عمان وجدت في الحكومة السورية الجديدة شريكاً موضوعياً في مواجهة هذه التحديات، وخاصة بعد انتهاء مرحلة طويلة من التوتر مع النظام البائد ، الأمر الذي جعل المصالح الأمنية والسياسية للبلدين أكثر تقارباً من أي وقت مضى. 

ويعتبر معراوي أن أهمية ملف السويداء فيما يتعلق بالأردن لا ترتبط فقط بمسألة التهريب أو الأمن الحدودي، بل أيضاً بما يصفه بمحاولات إسرائيل الاستثمار في حالة الانقسام داخل المحافظة واستخدامها ورقة ضغط على دمشق. ويشير إلى أن عمان تنظر إلى أي كيان منفصل أو بؤرة توتر دائمة في الجنوب السوري باعتبارها مصدر تهديد للأردن ولسوريا معاً، وهو ما يفسر التقارب المتزايد بين الجانبين في هذا الملف.

الاقتصاد.. المحرك الصاعد للعلاقات 

إلى جانب الملفات الأمنية والسياسية، يبرز الاقتصاد بوصفه أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة في العلاقات السورية-الأردنية. 

ويؤكد الخبير الاقتصادي السوري محمد غزال أن التبادل التجاري بين البلدين شهد نمواً لافتاً خلال الفترة الأخيرة، إذ ارتفع بأكثر من 200 بالمئة مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعكس عودة الحركة الاقتصادية تدريجياً بين البلدين. 

ويشير إلى أن الأردن يمثل اليوم البوابة الطبيعية لسوريا نحو أسواق الخليج، على حين توفر سوريا للأردن ممراً استراتيجياً نحو تركيا وأوروبا والأسواق الإقليمية الأخرى.

ويعتبر غزال في حديث مع TRT عربي  أن معبر نصيب تحول إلى شريان اقتصادي حقيقي، ليس فقط للتجارة الثنائية، وإنما لحركة الترانزيت الإقليمية أيضاً. ولذلك فإن تطوير المعبر وزيادة قدرته الاستيعابية وتشغيله بكفاءة على مدار الساعة يمثل مصلحة مباشرة للبلدين.

كما يلفت إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة لاستعادة دورها التقليدي كمركز عبور للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وخاصة في ظل التحولات التي طرأت على طرق التجارة وسلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة. 

ويضيف أن سوريا بدأت تدريجياً في تحسين بيئتها الاستثمارية من خلال تحديث القوانين والتشريعات ومنح حوافز للمستثمرين، ما قد يفتح الباب أمام استثمارات جديدة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل وإعادة الإعمار. 

ويتفق عياد مع هذا الطرح، موضحاً أن الاقتصاد أصبح يحتل مرتبة متقدمة في أولويات السياسة الأردنية، وخاصة مع حاجة المملكة إلى منافذ وأسواق جديدة، ورغبتها في الانخراط في المشاريع الاقتصادية الإقليمية التي يجري العمل عليها بين الخليج وبلاد الشام وتركيا. 

كما يشير الرنتاوي إلى أن الحديث لم يعد مقتصراً على التجارة التقليدية أو حركة الشاحنات، بل يشمل مشاريع أكبر مرتبطة بخطوط الطاقة والسكك الحديدية والكوريدورات التجارية التي قد تربط الخليج بالبحر المتوسط عبر سوريا والأردن. 

ويضيف أن هذه المشاريع تمنح البلدين فرصة للتحول إلى مركزين رئيسيين في شبكة التجارة والطاقة الإقليمية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من الجانبين بتطوير العلاقات الاقتصادية وتجاوز العقبات التي تظهر بين الحين والآخر على المعابر أو في قطاع النقل. 

شراكة تتجه إلى مزيد من العمق

تجمع آراء الخبراء والمحللين على أن العلاقات السورية-الأردنية دخلت مرحلة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من أي وقت مضى. فاستقرار الجنوب السوري، ومواجهة التمدد الإسرائيلي، ومكافحة التهريب، والاستفادة من مشاريع التجارة والطاقة والنقل، كلها ملفات تدفع دمشق وعمان نحو توسيع مجالات التعاون.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن البلدين يتجهان إلى بناء شراكة تتجاوز إدارة الأزمات الآنية، نحو صياغة علاقة أكثر رسوخاً تقوم على الأمن المشترك والمصالح الاقتصادية المتبادلة، بما يجعل من التقارب السوري الأردني أحد أبرز التحولات السياسية في المشرق العربي خلال المرحلة المقبلة.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
نتنياهو: أقدر الدعم الأمريكي على مدار سنوات لكنني أريد استقلالاً في مجال التسلح
مفوضة أوروبية: لا يمكن تصور "الممر الأوسط" دون مشاركة تركيا
ترمب يتحدث عن "تقدم" مع إيران ويتوعد بـ"عمل اللازم" في حال عدم التزامها
إيران تعلن اختتام محادثات سويسرا والتوصل إلى اتفاق بشأن إطار المفاوضات المستقبلية
بين الصيغ الغامضة والمقاربات الحذرة.. إلى أين وصلت المفاوضات حول غزة؟
مونديال 2026.. الجزائر تفوز على الأردن بثنائية وتحيي آمالها في بلوغ دور الـ32
مونديال 2026.. فرنسا والنرويج تتأهلان إلى دور الـ32 بعد فوز كبير على العراق والسنغال
مونديال 2026.. ميسي يقود الأرجنتين للفوز على النمسا والأمطار توقف مباراة فرنسا والعراق
تحذيرات من "فظائع جماعية" في مدينة الأبيض السودانية.. ونزوح 2260 شخصاً شمال دارفور
إيران تعلن تقييد الرحلات الجوية بين 4 و9 يوليو بسبب مراسم تشييع علي خامنئي
تركيا تعزي الشعب القطري وعائلات ضحايا انفجار مدينة رأس لفان الصناعية
جامعة الدول العربية تعيّن نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لها
أردوغان يبحث هاتفياً مع رئيس وزراء العراق العلاقات الثنائية وقضايا إقليمية ودولية
أردوغان يرحب بالاتفاق الإيراني-الأمريكي ويؤكد دعم تركيا لإتمام العملية سلمياً
تركيا: إصابة مواطنَين اثنين في استهداف سفينة شحن قبالة سواحل أوكرانيا