المعركة بجنوب لبنان.. تقدّم بطيء مقابل تكيّف ميداني لحزب الله

أقرّ قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، رافي ميلو، بوجود خلل في التقديرات العسكرية السابقة المتعلقة بإضعاف حزب الله، وذلك خلال لقاء مغلق جمعه بسكان مستوطنة "مسغاف عام" شمالي إسرائيل مطلع الأسبوع الماضي.

By
الضربات التي تلقاها الحزب في الحرب الماضية لم تُصب بنيته أو ثقله الحقيقي، أي قوات الميدان / AA

وفي حديث سُجّل ونقلته القناة 12 الإسرائيلية، أوضح ميلو أن التقديرات التي أعقبت عملية "سهام الشمال" اتسمت بقدرٍ كبيرٍ من التفاؤل، قائلاً: "هناك فجوة بين الطريقة التي أنهينا بها العملية، وما فهمناه واعتقدناه، وبين الواقع الذي نكتشف فيه أن حزب الله ما زال قائماً".

وأشار إلى أن القدرات العملياتية للحزب، رغم الضربات التي تعرّض لها، ما تزال تمثل مصدر قلق، لا سيما فيما يتعلق بإطلاق الصواريخ، مضيفاً: "ما يقلقني، وأنا متأكد أنه يقلقكم جميعاً، هو نيران القذائف، ومعظمها يطلق باتجاهنا، نحو الجيش الإسرائيلي".

تعكس هذه التصريحات، إلى جانب التقدّم البطيء للقوات الإسرائيلية في بلدات جنوب لبنان، طبيعة المواجهة الميدانية، وأسلوب القتال الذي يعتمده حزب الله في مواجهة القوات المتقدمة.

ووفقاً لصحيفة يديعوت أحرونوت، تنتشر حالياً خمس فرق عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان بتشكيلات مختلفة، وهي: 91، و36، و162، و146، إضافة إلى الفرقة 98 التي تقود الهجوم على بلدة بنت جبيل.

وتعمل تحت قيادة هذه الفرقة ثلاثة ألوية قتالية هي: المظليون، وجفعاتي، ولواء الكوماندوز، حيث ينتشر كل منها ضمن قطاع محدد. وتشير الصحيفة إلى أن وتيرة التقدم الميداني لا تزال بطيئة، وتعتمد على تنسيق مكثف بين القوات البرية والدعم الجوي.

وفي سياق متصل، أفاد تقرير آخر للقناة 12 بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي يُقدّر أن حزب الله يدير ما يشبه "اقتصاد تسليح"، وهو ما يفسّر ارتفاع وتيرة استخدام الطائرات المسيرة والدرون خلال الأيام الأخيرة، مقابل انخفاض طفيف وغير ملحوظ في إطلاق الصواريخ. ويربط الجيش هذا التحوّل بتصاعد النشاط البري داخل الأراضي اللبنانية، لا سيما في مناطق مثل بنت جبيل.

وفيما يتعلق بأسلوب القتال، يشير الكاتب والباحث في الشؤون الدفاعية عماد ناصر في حديثه مع TRT عربي إلى أن النهج الذي يتبعه جيش الاحتلال يشبه إلى حدٍ كبير الأسلوب الذي استُخدم في غزة في مراحله الأخيرة، والمتمثل في "التطهير ثمّ التقدم".

ويُقصد بالتطهير هنا غياب العمليات الواسعة التي ميزت المراحل الأولى من حرب غزة، مثل الالتفافات الكبيرة أو المناورات المعقدة، إذ تندرج معظم العمليات ضمن نمط التقدم التدريجي عقب عمليات تمشيط ميداني.

ويضيف ناصر أنه لا يلاحظ وجود عمليات التفاف واسعة، ولا تكتيكات جديدة، ولا أساليب صادمة للقوات المدافعة.

ميدانياً، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، يوم الثلاثاء، إصابة 10 عسكريين، بينهم ثلاثة بجروح خطيرة، خلال اشتباكات في بنت جبيل. وفي بيان سابق في اليوم نفسه، أقرّ بمقتل جندي وإصابة ثلاثة آخرين في معارك جنوب لبنان، ما يرفع حصيلة قتلاه إلى 13 منذ بدء عملياته في 2 مارس/آذار.

وتكتسب بنت جبيل أهمية رمزية كبيرة لدى حزب الله منذ حرب عام 2006، حين فشل جيش الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة عليها رغم محاولاته المتكررة، بعد أن واجه مقاومة عنيفة في معارك مباشرة من منزل إلى آخر، اضطر على إثرها إلى التراجع. وفي ظل المعارك الجارية حالياً، تبدو البلدة وكأنها تعود مجدداً إلى واجهة المواجهة، سواء من حيث رمزيتها أو طبيعة القتال الدائر فيها.

إعادة تنظيم وتكيّف ميداني

يكشف أداء حزب الله بعد حرب 2024 عن تحوّلات بنيوية عميقة في أسلوب عمله العسكري والأمني، فرضتها الضربات التي تلقاها خلال تلك المرحلة. وفي هذا السياق، نقلت شبكة NPR الأمريكية عن قائد ميداني في الحزب أن التنظيم تخلّى إلى حدٍ كبير عن استخدام الهواتف المحمولة والتكنولوجيا الحديثة، عقب هجوم أجهزة "البيجر" في سبتمبر/أيلول 2024، الذي شهد انفجار آلاف الأجهزة بشكل متزامن، ما دفعه إلى تبنّي وسائل اتصال بديلة ذات طابع بدائي، تشمل أجهزة لاسلكية قديمة ومذكرات مكتوبة بخط اليد تنقل عبر مراسلين على دراجات نارية، في ظل فقدان الثقة بأي معدات إلكترونية.

بالتوازي مع ذلك، أعاد الحزب هيكلة منظومته القيادية عقب اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، حيث اعتمد خليفته نعيم قاسم نموذج قيادة لا مركزياً مستلهماً من تجربة عماد مغنية، يقوم على توزيع المقاتلين ضمن وحدات شبه مستقلة تعمل دون تواصل مباشر لأسباب أمنية، بما يحدّ من قابلية الاختراق ويمنح مرونة أكبر في الميدان.

وفيما يتعلق بقدراته العسكرية، تشير المعطيات إلى أن الحزب لم ينزع سلاحه بعد وقف إطلاق النار أواخر عام 2024، بل سلّم الجيش اللبناني مخازن قديمة أو معطلة، فيما احتفظ بترسانته الفعلية، التي أعاد تعزيزها لاحقاً عبر مزيج من التهريب والتصنيع المحلي، مستفيداً من مصادر المعرفة المفتوحة، إلى جانب استمرار شبكات الأنفاق والبنى التحتية تحت الأرض في أداء دورها رغم الضربات الإسرائيلية.

وفي قراءة ميدانية لهذه التحوّلات، قال اللواء المتقاعد في الجيش اللبناني إلياس فرحات، في حديث لراديو فرنسا الدولي، إن الحزب أعاد بناء قدراته العسكرية على أساس اللا مركزية، معتمداً على وحدات صغيرة واستراتيجية دفاع متحرك.

وأضاف أن هذه المقاربة ظهرت بوضوح في معارك الطيبة، حيث تمكن مقاتلو الحزب من تدمير ست دبابات إسرائيلية خلال نحو 90 دقيقة.

كما يشير التقرير إلى صعود جيل ثالث من القادة، تتراوح أعمارهم بين 30 و40 عاماً، تولوا قيادة الجهازين العسكري والأمني، وعملوا على إعادة تنظيم الهياكل، ومعالجة الثغرات، خاصة تلك المرتبطة بالاختراق الاستخباراتي، إلى جانب تحديث العقيدة القتالية.

وبحسب فرحات، فإن هؤلاء القادة يتمتعون بمستوى تعليمي وتقني متقدم، وهو ما ينعكس في أدائهم المهني خلال المواجهات مع القوات الإسرائيلية.

"الثقل الحقيقي"

وفي حديث مع TRT عربي، أشار الباحث والكاتب في الشؤون الدفاعية والعسكرية عماد ناصر إلى أن الضربات التي تلقاها الحزب في الحرب الماضية لم تُصِب بنيته أو ثقله الحقيقي، أي قوات الميدان. وبيّن أن معظم هذه الضربات استهدفت مستويات قيادية، وكان من السهل تعويضها وإصلاح الخلل الناتج عنها.

وأضاف أن مسألة الخرق الأمني مفهومة، إذ يبدو أن الخرق تقني وما يزال قائماً حتى الآن، وهو مرتبط بوسائل الاتصال، على نحو شبيه بما كان لدى حماس سابقاً. ويُفسّر ذلك قدرة إسرائيل على رصد زيادة وتيرة إطلاق الصواريخ قبل حدوثها، عبر التقاط الأوامر المتداولة في الاتصالات.

لكنه أوضح، في المقابل، أن هذا الخرق لم يمكن إسرائيل من وقف العمليات أو التنبؤ بعمليات ميدانية محددة، مثل التسلل أو الإغارة على مواقع حدودية، باعتبار أن هذه العمليات تنطلق من الميدان مباشرة، وليس من القيادة العليا.

وتابع أن الضربات التي تلقاها الحزب، كما سبق، استهدفت المستوى القيادي، ولم تطل وحدات العمل النوعي، مثل الصواريخ الدقيقة، والقدرات البحرية والجوية، وغيرها. لذلك، شهدت الحرب الأولى انخفاضاً في هذا النوع من العمليات.

أما في هذه الحرب، فقد ظهر مستوى أعلى من استخدام الصواريخ الدقيقة، والقدرات النوعية، والطائرات المسيرة، والقدرات البحرية، وحتى الدفاع الجوي.

وعزا ذلك إلى أن الحزب أعاد ترتيب صفوفه، مشيراً إلى أن بعض المسؤولين الذين كانوا يشرفون على مواقع أو ملفات حساسة تعرضوا للاستهداف أو انكشفوا، فجرى استبدالهم.

ومع ذلك، لم يتعرض الحزب لضربة كبيرة على مستوى هيكله التنظيمي أو العسكري، إذ بقي الهيكل العام سليماً. ويمكن القول إن الميدان لا يعاني مشكلة، وكذلك العتاد على الأرجح.

وفيما يتعلق بما أثير حول ضبط كميات كبيرة من العتاد قرب الحدود، أوضح أن ذلك يرتبط بخطة "الجليل"، حيث كان العتاد مكدساً في تلك المناطق لتسهيل استخدامه ضمن هذه الخطة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الحزب لم يخسر بشكل جوهري من قدراته الأساسية التي يعتمد عليها في القتال.

أما على مستوى استهداف القيادات، فأشار إلى أنه لم يسجل سوى استهداف قائد واحد أو اثنين، وهما مسؤول الاستخبارات ومسؤول الجبهة الجنوبية، وكان ذلك في بداية الحرب، وهو ما يفسر غياب استهدافات واسعة على هذا المستوى.

وأضاف أنه حتى الضربة التي نفذت يوم الأربعاء، فإن نحو 99% منها، بحسب متابعته، لم تستهدف شخصيات ذات وزن كبير.