"لن نعيش خائفين".. المجتمع العربي داخل إسرائيل يواجه الجريمة المنظمة
تصاعد الجريمة في المجتمع العربي حوّل الأزمة إلى حراك جماعي واسع، عززته مبادرة في سخنين فجّرت إضراباً شاملاً ومظاهرات حاشدة، مطالِبة الدولة بتحمّل مسؤوليتها ووقف نزيف العنف والسلاح غير القانوني.
لم يعُد ملف الجريمة المنظمة في المجتمع العربي مجرد خبر أمني عابر، بل تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى قضية سياسية ضاغطة فرضها الشارع على جدول الأعمال العام، فقد مهّدت سنوات من تصاعد جرائم القتل والعنف المسلح، في ظل اتهامات متواصلة للشرطة الإسرائيلية بالتقصير أو الإهمال، لانفجار غضب شعبي اتخذ هذه المرة طابعاً مختلفاً، تمثّل في الانتقال من مبادرات فردية متفرقة إلى حراك جماعي منظم.
وخلال السنوات الأخيرة، سجّل مجتمع فلسطينيو الداخل أرقاماً غير مسبوقة في جرائم القتل، فبعد أن كان عدد الضحايا يناهز المئة سنوياً قبل أعوام قليلة، تجاوز عام 2023 عتبة مئتي قتيل، فيما واصلت الأرقام ارتفاعها خلال عامَي 2024 و2025.
ومنذ مطلع العقد الأخير، تعاقبت خطط حكومية لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، إلا أن تنفيذها ظل جزئياً ومحدود الأثر، في وقت استمر فيه انتشار السلاح غير القانوني بالاتساع. ومع غياب معالجة جذرية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، تحوّل العنف إلى ظاهرة شبه بنيوية، لا إلى أحداث متفرقة يمكن احتواؤها.
ويأتي هذا التصاعد في الجريمة المنظمة وانتشار السلاح غير القانوني في ظل شعور واسع بين المواطنين العرب بغياب الردع الفعّال من المؤسسات الحكومية، ما عمّق الإحساس بانعدام الأمان. ومع اتساع الفجوة في التعاطي الرسمي مع الجريمة بين المجتمع العربي والمجتمع اليهودي، انتقلت الظاهرة من إطارها الجنائي إلى مستوى أزمة تمسّ الحق في الحياة والأمن الشخصي. ومع كل ضحية جديدة، يتعزز الانطباع بأن المجتمع العربي يقترب من نقطة حرجة يصعب التراجع عنها.
شرارة الحراك
في هذا المناخ المتوتر، أطلق رجل الأعمال من مدينة سخنين، علي زبيدات، صاحب شبكة متاجر أبناء علي زبيدات، مبادرة احتجاجية عقب تعرّض مصالحه لسلسلة من التهديدات وإطلاق النار المتكرر.
أعلن زبيدات إضراباً احتجاجياً وأغلق متاجره رفضاً لظاهرة الابتزاز، داعياً إلى نضال مدني في مواجهة شبكات الجريمة، ومؤكداً أن تمددها يجري في ظل غياب ردع حقيقي.
وفي حديث خاص لـTRT عربي، أوضح زبيدات أن المبادرة لم تكن معدّة لتتحول إلى حراك واسع، لكن “الناس لم تعُد تحتمل هذا الواقع”، مشيراً إلى أن إطلاق النار استهدف ثلاثة محال تجارية في الليلة التي أُعلن فيها الإضراب، ما فجّر موجة تضامن غير مسبوقة في المدينة.
وسرعان ما تجاوزت المبادرة إطارها الفردي لتتحول إلى حالة تضامن واسعة في سخنين وعدد من البلدات العربية، حيث أُعلنت إضرابات مماثلة، في مؤشر واضح على استعداد الشارع لتحويل الغضب المتراكم إلى فعل جماعي منظم.
ومع اتساع رقعة الاحتجاج، دخلت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية على خط الحراك، فأعلنت إضراباً عامّاً ونظّمت فاعليات احتجاجية قطرية، ما منح التحركات غطاءً سياسياً وجماهيرياً أوسع. وفي 22 يناير/كانون الثاني 2026، أُعلن من خيمة العزة والكرامة في سخنين عن الإضراب العام والشامل تحت شعار “لن نعيش خائفين”، بمشاركة لجنة المتابعة واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية.
التزمت البلدات العربية الإضراب في مشهد وُصف بأنه صرخة جماعية غير مسبوقة لوقف جرائم القتل والعنف المستشري. وأعقب ذلك تنظيم مظاهرة قطرية حاشدة انطلقت من سخنين وصولًا إلى مركز شرطة مسجاف، شارك فيها نحو خمسين ألف متظاهر، في رسالة مباشرة ضد الجريمة وضد ما اعتبره المحتجون تقاعساً رسمياً عن حماية المجتمع العربي.
ويُعَدّ مركز شرطة مسجاف الجهة المسؤولة عن نطاق واسع من بلدات الجليل، وتندرج ضمن صلاحياته مكافحة الجريمة وجمع السلاح غير القانوني. لذلك لم يكن التوجّه إليه خطوة رمزية فحسب، بل رسالة صريحة إلى العنوان الرسمي المكلّف فرض القانون، مفادها أن المجتمع العربي لم يعُد يقبل بإدارة الأزمة، بل يطالب بتحمّل مسؤولية فعلية وواضحة لوقف نزيف العنف.
وفي موازاة ذلك، شهدت مدن وبلدات مثل أم الفحم، والناصرة، وطمرة، ودير حنا، وشفاعمرو، وعبلين، وغيرها من البلدات العربية، مظاهرات محلية، ما عكس انتقال الاحتجاج من رد فعل عاطفي إلى مسار تصاعدي منظم.
ومع انتقال الحراك من الشارع إلى الإطار السياسي، برز دور لجنة المتابعة العليا، باعتبارها الجسم التمثيلي الأوسع للجماهير العربية، في تنظيم الزخم الشعبي وترجمته إلى مسار سياسي واضح المعالم.
بين النضال العفوي والمنظّم
في حديث خاص لـTRT عربي، أكد رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، الدكتور جمال زحالقة، أن الحراك لم يكن مجرد رد فعل عفوي على موجة عنف متصاعدة، بل شكّل نقطة تحوّل نحو نضال جماعي منظّم.
وقال إن التجربة أثبتت أن “لدى الشعوب دائماً نضالاً عفوياً وآخر منظّماً، والمطلوب هو تكاملهما، فالعفوي بلا تنظيم يتبدد سريعاً، والمنظّم بلا حماسة الناس يظل ضعيف الأثر”.
وأوضح أن تدخل لجنة المتابعة جاء استجابة مباشرة لنبض الشارع، مضيفاً: “نحن على تواصل دائم مع الناس، واستجبنا للحراك، وهذا مصدر فخر لنا”.
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الشرطة والمنظمات الإجرامية، قال زحالقة إن هناك، وفق تعبيره، “اتفاقاً غير مكتوب”، مفاده أن هذه المنظمات لا تنقل نشاطها إلى المجتمع اليهودي، مقابل ما وصفه بعدم ملاحقتها بجدية داخل المجتمع العربي، معتبراً أن الدولة تتعامل مع تفاقم الجريمة كأنه لا يمسّ أمنها المباشر.
وكشف أن لجنة المتابعة تعمل على خطة متعددة المسارات تشمل دعم لجان الصلح، وإطلاق برامج توعوية للشباب، وتعزيز الحشد الجماهيري، إلى جانب تحرك على الساحة الدولية عبر لقاءات مع جهات دبلوماسية وأممية للضغط على الحكومة الإسرائيلية.
وشدّد زحالقة على أن الأزمة تتجاوز إطارها الجنائي، إذ تعكس خللاً بنيوياً في علاقة الدولة بمواطنيها العرب، لا سيما منذ إقرار قانون القومية عام 2018، الذي يرى أنه عمّق التهميش السياسي.
وأكد أن مواجهة الجريمة تتطلب نضالاً متواصلاً حتى تحقيق مجتمع آمن يتمتع بالمساواة في الحماية والحقوق.
بهذا المعنى، لم يعُد الحراك ضد الجريمة مجرد رد فعل على أحداث دامية، بل تحوّل إلى اختبار لقدرة المجتمع العربي على فرض أولوية الأمن الشخصي ضمن أجندته السياسية، فالإضراب الشامل، والمسيرات الواسعة، والحشد الشعبي غير المسبوق، وضعت الحكومة أمام مسؤولية مباشرة.
ومع استمرار التحركات، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الزخم على ترجمة الضغط الشعبي إلى تغيير فعلي في السياسات الأمنية، فبين إعلان النيات واختبار الواقع، يبدو أن الشارع -لا الشعارات- هو الذي سيحسم ما إذا كان هذا الحراك محطة عابرة أم بداية مسار طويل لاستعادة الأمان.