بعد أربع سنوات من الغياب.. هل يكسر الحريري صمته السياسي؟
قال الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري إن التيار ينتظر الكلمة التي سيوجهها زعيمه سعد الحريري في 14 فبراير/شباط الجاري، لحسم موقفه من احتمال العودة إلى العمل السياسي.
وكان سعد الحريري، رئيس الحكومة الأسبق، قد أعلن في يناير/كانون الثاني 2022 تعليق نشاطه السياسي، وعدم خوض الانتخابات النيابية أو تقديم مرشحين باسم تيار المستقبل، الذي يُعَدّ أبرز مكوّن سياسي سنّي في البلاد.
وبرّر الحريري قراره آنذاك بغياب أي فرصة إيجابية للبنان في ظل ما وصفه بتصاعد النفوذ الإيراني، والتخبط الدولي، والانقسام الداخلي، وتفاقم الطائفية، وتراجع مؤسسات الدولة.
وتتجه الأنظار إلى الذكرى السنوية لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط، وسط توقعات بإمكان إعلان نجله سعد العودة إلى الساحة السياسية في المناسبة ذاتها.
ورداً على سؤال حول ما يميز ذكرى هذا العام، قال أحمد الحريري في مقابلة مع وكالة الأناضول إن تيار المستقبل ظل معلقاً منذ عام 2022 بقرار من رئيسه السابق، معتبراً أن التطورات الإقليمية الأخيرة تمثل عاملاً فارقاً. وأشار إلى ما وصفه بـ"التغير الكبير" في المشهد الإقليمي، وفي مقدمته سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، إضافة إلى وضوح الرؤية بشأن ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا ونجاح رؤية الرئيس السوري أحمد الشرع.
وكان رفيق الحريري قد اغتيل في 14 فبراير/شباط 2005 في تفجير ضخم استخدم فيه نحو 1800 كيلوغرام من مادة تي إن تي، وأسفر عن مقتله ومقتل 21 شخصاً آخرين، بينهم وزير الاقتصاد آنذاك باسل فليحان الذي كان برفقته.
مشهد "استثنائي"
قال أحمد الحريري إن استقرار لبنان يرتبط بالتوازن الطائفي، نظراً إلى أن نظام الحكم يقوم على الشراكة بين المكونات المختلفة، حيث تتوزع السلطات بين الطوائف وفق صيغة دستورية معروفة.
واعتبر أن الساحة اللبنانية تشهد حالياً خللاً في هذا التوازن، في ظل غياب سعد الحريري عن الحياة السياسية، مشيراً إلى أن أحداً لم يتمكن من ملء الفراغ الذي تركه.
وعن خصوصية ذكرى 14 فبراير/شباط هذا العام، أوضح أن المشهد الداخلي يحمل طابعاً استثنائياً، لا سيما أنها تسبق الانتخابات النيابية المقررة في مايو/أيار المقبل. وأكد أن السلطات دعت الهيئات الناخبة إلى الاقتراع، مع وجود إصرار من الرئيس اللبناني جوزيف عون على إجراء الاستحقاق في موعده من دون تأجيل.
وأضاف أن الأوساط السياسية والشعبية تترقب موقف سعد الحريري من الانتخابات، خصوصاً أن مناسبة 14 فبراير/شباط تُعَدّ محطة سنوية يعلن خلالها التيار مواقفه السياسية، معرباً عن أمل مؤيديه في أن تتضمن الكلمة المرتقبة موقفاً واضحاً من المشاركة في الاستحقاق.
وأشار أحمد الحريري إلى أن قرار تعليق العمل السياسي عام 2022 استند إلى اعتبارات محلية وإقليمية ودولية، لافتاً إلى أن كثيراً من تلك المعطيات تغيّر أو تراجع، فيما لا يزال بعض الأسباب قائماً.
وأكد أن القرار النهائي يعود إلى سعد الحريري وحده، بناءً على تقديره الشخصي واتصالاته ورؤيته للمرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن جمهور التيار يتطلع إلى عودة قوية إلى الساحة، لكنه يلتزم ما سيعلنه زعيمه في ذكرى 14 فبراير/شباط.
وشدد على أن أي عودة إلى العمل السياسي ينبغي أن ترتبط بتحقيق إنجازات ملموسة، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بشخص الحريري فحسب، بل بمبدأ العودة الفاعلة القائمة على النتائج.
فيما نفى الحريري مراراً صحة تقارير إعلامية منسوبة إلى مصادر لبنانية تناولت أنباء عن اجتماعات أو تنسيق بينه وبين حزب الله بشأن الانتخابات البرلمانية المرتقبة.
التقارب في المنطقة
واعتبر الحريري أن التقارب بين تركيا والسعودية ومصر تطور إيجابي يخدم المنطقة، لافتاً إلى أن الخلافات السابقة بين هذه الدول كانت تمثل نقطة ضعف جماعية. وقال إن الخطوات التي اتخذتها أنقرة في هذا الاتجاه أسهمت في تعزيز تماسك الموقف الإقليمي.
وأضاف أن التنسيق بين الرئيس أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشكل، إطاراً إقليمياً قادراً على مواجهة التحديات، ومن بينها محاولات الاحتلال الإسرائيلي استغلال أي فراغ أو انقسام في المنطقة.
وختم بالتأكيد أن هذا التقارب يرسخ شبكة أمان إقليمية على المدى القصير والمتوسط والطويل، ويعزز حضور صوت إقليمي متوازن في مواجهة الرؤى الأخرى المطروحة على الساحة الدولية.
احتمال زيارة دمشق
وأشاد أحمد الحريري بالدور الذي لعبته تركيا في المرحلة الانتقالية في سوريا، مؤكداً أهمية الدعم الكبير الذي قدّمه الرئيس رجب طيب أردوغان في تعزيز استقرار البلاد خلال فترة حساسة. كما ثمّن مساندة الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لجهود تثبيت الاستقرار.
ورأى الحريري أن التطورات الجارية في سوريا تمثل تحولاً استراتيجياً في المنطقة، معتبراً أن ما يحدث هناك "استثنائي وتاريخي"، إذ إن البلاد تشهد للمرة الأولى منذ عقود مساراً سياسياً ينطلق من الداخل ويضع الاستقرار هدفاً أساسياً له.
وأضاف أن المشهد السوري تغيّر مقارنة بالمراحل السابقة، حين كان النظام، بحسب تعبيره، يشكل مصدر توتر في محيطه الإقليمي، مشيراً إلى أن هذا التحول ينبغي أن يواكبه تثبيت التوازن السياسي في لبنان لضمان عودة الاستقرار إليه.
وفي ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية–السورية، أكد أحمد الحريري أن على اللبنانيين الإقرار بوجود إدارة جديدة في دمشق تسعى إلى بناء علاقة قائمة على التعاون بين الدولتين.
واعتبر أن الاتفاق الأخير بين وزارتَي العدل في لبنان وسوريا بشأن تبادل السجناء يشكل خطوة مهمة في مسار إعادة تنظيم العلاقة الثنائية، داعياً إلى توسيع التعاون ليشمل مجالات الاقتصاد والصناعة وغيرها من القطاعات الحيوية.
وكانت بيروت ودمشق قد وقعتا، الجمعة، اتفاقاً يقضي بنقل نحو 300 سجين سوري محكوم في لبنان، من غير المدانين بجرائم قتل، إلى سوريا لاستكمال مدة محكوميتهم هناك.
ورداً على سؤال حول إمكانية قيام تيار المستقبل بزيارة إلى سوريا في المرحلة المقبلة، قال الحريري إن ذلك أمر وارد، معتبراً أن دمشق باتت اليوم تمثل مدخلاً أساسياً للاستقرار في المنطقة.
واختتم بالتعبير عن أمله في نجاح الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى جانب الدعم الإقليمي والدولي المساند له، مشيراً إلى أن استقرار سوريا سينعكس إيجاباً على لبنان وعلى المنطقة بأسرها.