“خرجنا من الحرب لكننا لم ننجُ منها”.. حكايات العائلة الغزية الممزقة

يستخدم الاحتلال الإسرائيلي تفكيك الجغرافيا والحصار ومنع لمّ الشمل بوصفها أدوات لتشتيت العائلات الغزية وضرب بنيتها الاجتماعية، وبين القتل الوحشي خلال الإبادة للأفراد، وتمزيق الشمل عن طريق النزوح أو المنع من السفر، لا تكاد تخلو عائلة من قصة غياب.

By آية أبو طاقية
منذ مايو/أيار 2024، أُغلق معبر رفح أمام حركة المسافرين، عقب سيطرة الاحتلال على محافظة رفح وتدميرها وتهجير سكانها. / Reuters

لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيليُّ بابتلاع الأرض الفلسطينية، ليُمْعِن في احتلال الرَّحمِ الفلسطينيِّ باعتباره منشأ الأصولِ العائليّة التي نبتت في قلب القرى والمدن المحتلة قبل النكبة، ثم بُعثرت قسراً ما بين غزّة والضفة والخارج، حيث يحاول الاحتلال تفتيتها والتحكم في طريقة إنجابها وعيشها وسكنها، عبر تفكيكها جغرافياً واجتماعياً ونفسياً، بما يضعف قدرتها على الصمود أو الاستمرار.

تتنامى هذه السياسة بشكل أكثر وضوحاً في غزّة، حيث تسهم ظروف الحرب والنزوح ومنع الحركة في إنتاج واقع عائلي مفكّك.

في لقاءٍ صوتي مع TRT عربي تُظهر أستاذة علم الاجتماع أماني رباح الوجه الأقسى لسياسة تقسيم العائلات قائلة: "غادرتُ غزة وحدي إلى المغرب لاستكمال إجراءات رسالة الدكتوراه، لم يمض على مكوثي أكثر من شهر لتبدأ الحرب على غزة، وقد تركتُ هناك كل عائلتي".

تستأنف رباح: "توجهت من المغرب إلى مطار القاهرة، أملاً في العودة إلى غزة، لكنني علقت هناك أربعة أشهر في انتظار فتح معبر رفح الذي أغلقه الاحتلال في وجه العائدين إلى غزة، لتبدأ بذلك رحلةٌ من التغريب القسري الذي لم ينته حتى هذا اليوم".

وبحكم حصولها على الإقامة لم تلبث أماني أن قررت العودة إلى المغرب، لكنها تقول بألم: "منذ خروجي مطلع أغسطس 2023 ومع بداية 2026 ما زلت عاجزة عن لقاء عائلتي المحاصرة داخل القطاع، بعدما حال بيننا إغلاق الاحتلال للمعبر وتدميره وحرقه".

خلال عامين من الحرب، عاشت أماني قلقاً مضاعفاً على أهلها تحت القصف والتجويع، وتلقت تباعاً أخبار استشهاد أقاربها وأصدقائها، من بينهم شقيقها وابنة شقيقتها. 

ترى رباح أن هذه التجربة ليست حالة فردية، بل نموذجٌ واضح ومكرر لسياسة ممنهجة تقوم على السماح بسفر فرد من العائلة ومنع الآخرين، أو إخراج الزوج دون الزوجة، أو الزوجة وأطفالها دون الزوج لتبقى العائلات في حالة ضياع وتشتت على مدار اللحظة".

وتقارن أماني ما يجري اليوم بالنكبة عام 1948، مشيرة إلى أن التفتيت الحالي أشد قسوة، إذ لا يكتفي الاحتلال بتشتيت الفلسطينيين خارج وطنهم، بل يعمل على تشتيتهم داخل الشتات نفسه، بما يجعل اللقاء شبه مستحيل ويضرب الهوية المجتمعية الجمعية في عمقها.

 فراغ عائلي

فقدت سوزان أبو شعبان كامل أهلها شهداء في الأسبوع الأول من حرب الإبادة، قبل أن تُجبر على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم الخروج مع أطفالها الثلاثة إلى مصر، بعدما اعتقل زوجها المُحرَّرِ سابقاً ضمن صفقة وفاء الأحرار، والمُبعد عن الضفة الغربية.

تستذكر أبو شعبان: "لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بقتل عائلتي دفعة واحدة، بل واصل تشتيت من بقي منا عبر الاعتقال والمنع من اللقاء والتغريب القسري”.

وتقول سوزان لـTRT عربي إن "أسرتها توزعت مرغمةً بين السجون، وغزة، ومصر، ثم تركيا، بلا أي عنوان عائلي جامع، وتصف إحدى أكثر اللحظات قسوة حين التقت أهل زوجها القادمين من الضفة الغربية في مصر للمرة الأولى بعد أكثر من 14 عاماً، بينما كان زوجها مُغيَّباً قسراً، مجهولَ المصير، بين الشهادة والأسر، فكانت لحظة اللقاء ذاتها التي تلقت فيها رسالة عبر تطبيق واتساب من مؤسسة حقوقية تُبلغها بأن زوجها حيّ، ويقبع أسيراً في معسكر عوفر.

تلخّصُ سوزان تجربتها بالقول: "خرجنا من حرب غزة، لكننا لم ننجُ منها"، ومباشرةً تستحضر لحظة الإفراج عن زوجها منتصف أكتوبر الماضي، إذ لم يجد في استقباله أحداً من عائلته أو عائلتها، هكذا بدا مشهد الفرحة المنتظرة التي تحولت في ما بعد إلى فراغ ممتدّ ووحشة قاتلة، ثم تختم: "في غزة لا عائلة مكتملة".

 أداة استعمارية

يرى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر نهاد الشيخ خليل، ضمن حواره الخاص مع TRT عربي، أن سياسة الاحتلال تجاه العائلات الفلسطينية ليست نتيجة جانبية للحرب أو إجراءات أمنية مؤقتة، بل هي جزء من استراتيجية طويلة الأمد تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني عبر ضرب بنيته الاجتماعية الأساسية، وعلى رأسها العائلة. 

ويشير إلى أن "منع النمو السكاني الطبيعي في غزة والضفة الغربية والأرض المحتلة عام 1948 يتم عبر منظومة متكاملة من الإجراءات، تشمل تقييد البناء، وشحّ السكن، ومنع التوسع العمراني، إضافة إلى الظروف الاقتصادية التعجيزية التي يخلقها الاحتلال، ما يدفع الفلسطينيين بالضرورة إلى إعادة التفكير في الزواج والإنجاب".

الشيخ خليل أكد أن "هذه الإجراءات تخدم هدفاً ديموغرافياً واضحاً، يتمثل في تقليص عدد الفلسطينيين مقابل تعزيز التمدد الاستيطاني"، مشدِّداً على أن "منع لمّ الشمل واحدٌ من أخطر أدوات هذه السياسة غير المعلنة، إذ لا يقتصر على فصل أفراد العائلة الواحدة، بل يعمل على تحويل الفلسطينيين من شعب واحد إلى تجمعات معزولة، فهو يحاصر غزة، ويقسم الضفة إلى كانتونات، ويفصل فلسطينيي الداخل والشتات قانونياً وجغرافياً". 

هذا التقسيم الذي يعبر عنه الشيخ خليل بوصفه "ضرباً لفكرة العائلة الممتدة التي شكّلت تاريخياً شبكة أمان اجتماعي ومصدراً لإثبات الهوية الفلسطينيّة الأصلية منذ النكبة"، ويربط هذه السياسات بتقديرات إسرائيلية مستقبلية تشير إلى أن "تضاعف عدد السكان الإسرائيليين حتى عام 2050 يتطلب مزيداً من الأراضي والمنازل وفق الرؤية الاستيطانية، وعليه فهو يمارس إعادة توزيع قسري للأرض والسكان" على حدِّ قوله.

لن تسقط العائلة

استهداف العائلة الغزية بهذه الطريقة ليس حدثاً عرضياً، من وجهة نظر الشيخ خليل، بل واحدة من ركائز المشروع الاستيطاني الهادف إلى كسر وحدة المكان والناس والتاريخ، لكنه يؤكد رغم ذلك أنه "رغم محاولات مسحها وتشويه دورها، فإن العائلة الفلسطينية تمتلك قدرة كامنة على تشكيل أحزمة أمان اجتماعية بتفعيل قدرة أفرادها ومهاراتهم ومكانتهم في التطوير والتعمير والتأمين والتواصل المنفعي مهما اختلفت أماكن وجودهم".

ويرى الشيخ خليل أن إفشال سياسة التفكيك يبدأ من حماية أعيان العائلات للروابط العائلية على اعتبار أنها ليست مسألة اجتماعية فقط، بل قضية وجودية في مواجهة مشروع يسعى إلى تحويل الفلسطينيين إلى أفراد معزولين جغرافياً بلا ذاكرة جمعية، أو روابط مصلحية مشتركة في ما بينهم، لافتاً إلى أن التاريخ الحديث يحمل في جوهره نموذجاً مطمئناً للعائلات الغزية التي استطاعت الالتئام والتنظيم رغم العوائق الأمنية وحدود الجغرافيا.

مسح الاحتلال عائلاتٍ بأكملها عبر استهداف منازلها، وحاول تمزيقها بإجبارها على النزوح جنوب القطاع، ما خلق عديد المشكلات الاجتماعية في ما بينها، يُضاف إلى ذلك اعتقال معيلي العائلات وإخفاء أربابها قسراً، إلى جانب إغلاق المعابر ومنع لمّ الشمل وفرض التجويع والحصار، لكن شيئاً مما سبق لم يُفلح  بشكلٍ نهائي في تحويل العائلة الغزّية من شبكة دعم وحماية، إلى وحدات هشّة منزوعة الفاعلية والأثر.