ما بين المفاوضات والتحشيد العسكري.. ما الذي تحضّره الولايات المتحدة لإيران؟
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الأربعاء، أنه شدد خلال محادثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض على ضرورة مواصلة المفاوضات مع إيران بهدف التوصل إلى اتفاق.
من جانبه، أكد نتنياهو أهمية تضمين "الاحتياجات الأمنية" لإسرائيل في أي مسار تفاوضي مع طهران.
واستمر اللقاء بين الجانبين نحو ثلاث ساعات، في سابع اجتماع يعقدانه منذ عودة ترمب إلى السلطة، وقد جرى بعيداً عن وسائل الإعلام في خطوة وُصفت بأنها غير معتادة نسبياً.
وعقب الاجتماع، كتب ترمب على منصته تروث سوشال أنه لم يتوصل إلى قرار نهائي، باستثناء إصراره على استمرار المحادثات مع إيران لمعرفة ما إذا كان بالإمكان إبرام اتفاق، موضحاً أنه أبلغ نتنياهو بأن التوصل إلى اتفاق يظل خياره المفضل إذا توفرت الشروط المناسبة.
وأشار ترمب إلى أن إيران اختارت في السابق عدم إبرام اتفاق، في إشارة إلى الضربات الأمريكية التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية خلال حرب استمرت اثني عشر يوماً وبدأتها إسرائيل في يونيو/حزيران، معرباً عن أمله في أن تكون طهران "أكثر عقلانية" هذه المرة.
وكان ترمب قد صرّح، الثلاثاء، لقناة فوكس بزنس بأنه يفضل التوصل إلى اتفاق "جيد"، يقوم على منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو تطوير صواريخ.
وفي موازاة ذلك، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر مزيد من الأنظمة الدفاعية والمقاتلات الهجومية، وسط تقارير عن احتمال إرسال حاملة طائرات إضافية إلى الشرق الأوسط.
حشد عسكري
أفادت صحيفة وول ستريت جورنال، أمس الأربعاء، بأن السفن التي تلقت أوامر بالاستعداد للتوجه إلى الشرق الأوسط قد تحصل قريباً على توجيه رسمي بالانتشار، ما يعني انضمام المجموعة الجديدة إلى حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln الموجودة حالياً في المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين لم تُسمِّهم أن أمر الانتشار قد يصدر خلال ساعات، مع التأكيد أن القرار لم يُحسم بعد وأن الخطط تظل قابلة للتعديل.
وبحسب أحد المسؤولين، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تُجهّز حاملة طائرات للانتشار خلال أسبوعين، يُرجّح أن تنطلق من الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
وتُنهي حاملة الطائرات USS George H.W. Bush حالياً تدريبات قبالة سواحل ولاية فرجينيا، مع إمكانية تسريعها تمهيداً للتحرك.
من جهته، أشار موقع The War Zone إلى أن نشر مجموعة ثانية، بما تضمه من طائرات تكتيكية وسفن مرافقة مزودة بنظام إيجيس، من شأنه تعزيز القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة تحسباً لاحتمال تصعيد مع إيران، لافتاً إلى أن القوة الجوية الحالية لا تكفي لعملية واسعة وممتدة.
وأضاف أن وصول مجموعة متمركزة على الساحل الشرقي قد يستغرق حتى منتصف مارس/آذار، نظراً إلى عبور المحيط الأطلسي إلى البحر المتوسط، وربما متابعة الإبحار عبر قناة السويس إلى البحر الأحمر.
كما ذكر الموقع أن مقاتلات الشبح F-35A التابعة للحرس الوطني الجوي لولاية فيرمونت واصلت تحركها نحو الشرق الأوسط، إذ أظهرت بيانات تتبع الرحلات إقلاع ست طائرات من قاعدة ليكنهيث الجوية في المملكة المتحدة باتجاه قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن. وتوجد مجموعة ثانية من الطائرات ذاتها في قاعدة مورون بإسبانيا، وقد تتجه بدورها إلى الأردن.
وفي سياق متصل، قال مسؤولون لوكالة رويتزر إنّ حاملتَي الطائرات الأمريكيتين USS George Washington المتمركزة في آسيا وUSS George H.W. Bush الموجودة على الساحل الشرقي هما الأقرب للانتشار، إلا أن كلتَيهما تبعد أسبوعاً على الأقل عن الشرق الأوسط. كما يمكن لوزارة الدفاع نشر حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford من منطقة الكاريبي.
وأظهر تحليل أجرته رويترز لصور أقمار صناعية حشداً جديداً للطائرات والعتاد العسكري في أنحاء المنطقة. وبيّن التحليل أن القوات الأمريكية في قاعدة العديد الجوية في قطر، أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وضعت صواريخ على قاذفات متنقلة مع تصاعد التوتر مع إيران منذ يناير/كانون الثاني، ما يتيح إعادة تموضعها بسرعة.
وقال وليام جودهيند، محلل الصور في مشروع كونتستد غراوند البحثي، إنّ مقارنة صور التُقطت مطلع فبراير/شباط بأخرى من يناير/كانون الثاني تظهر تعزيزات حديثة للطائرات ومعدات عسكرية أخرى.
وأضاف أن صواريخ باتريوت ظهرت مثبتة على شاحنات نقل تكتيكية ثقيلة عالية الحركة، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة وإعادة الانتشار السريع. ولم يتضح ما إذا كانت الصواريخ لا تزال مثبتة على تلك الشاحنات حتى الآن.
وتأتي هذه التعزيزات ضمن حشد جوي وبحري قائم في المنطقة، يضم مقاتلات F-15E Strike Eagle وطائرات A-10 Thunderbolt II وطائرات الحرب الإلكترونية E/A-18G Growler متمركزة في قواعد برية، إلى جانب مقاتلات F-35C وطائرات F/A-18E/F Super Hornet المنتشرة على متن حاملة لينكولن.
كما يوجد ما لا يقل عن تسع سفن حربية أخرى، بينها مدمرات صواريخ موجهة من فئة أرلي بيرك، إضافة إلى أكثر من 30 ألف جندي في قواعد أمريكية بالشرق الأوسط، فضلاً عن غواصات لم يُكشف رسمياً عن مواقعها.
مساعي الاحتلال الإسرائيلي للتصعيد
في المقابل، شدد بنيامين نتنياهو على ضرورة إدراج "الاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل" ضمن إطار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. وأوضح مكتبه، في بيان، أن الجانبين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق خلال المرحلة المقبلة.
وقبيل توجهه إلى الولايات المتحدة، ادعى نتنياهو أن أي مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران يجب ألا يقتصر على الملف النووي، بل يشمل أيضاً البرنامج الصاروخي الإيراني، إضافة إلى وقف دعم ما يُعرف بـ"المحور الإيراني"، في إشارة إلى الفصائل المسلحة المدعومة من طهران في المنطقة.
وتبدي إسرائيل قلقاً متزايداً إزاء الصواريخ البالستية الإيرانية، نظراً إلى أن المسافة الفاصلة بينها وبين إيران لا تتجاوز ألفَي كيلومتر، ما يضعها ضمن نطاق هذه القدرات الصاروخية.
ويحذر مسؤولون إسرائيليون من أن طهران قادرة على توجيه ضربات دون إنذار مسبق، كما يمكنها استنزاف أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية عبر إطلاق رشقات كثيفة من الصواريخ في حال اندلاع مواجهة طويلة الأمد.
ويواصل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي التأكيد أن الخيار العسكري يبقى، من وجهة نظره، السبيل الوحيدة لإنهاء الملف النووي الإيراني بصورة حاسمة.
وعقب الجولة الأولى من المحادثات التي عُقدت في السادس من فبراير/شباط في سلطنة عُمان، أعلنت كل من واشنطن وطهران رغبتهما في مواصلة الحوار، رغم استمرار التباعد في المواقف.
فإيران تصرّ على أن المفاوضات يجب أن تقتصر على برنامجها النووي. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قوله، إن "المناقشات تقتصر على القضية النووية". كما جدد تأكيد رفض طهران التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم، واتهم إسرائيل بالسعي إلى "تخريب" مسار المحادثات، ملوحاً بأن أي هجوم أمريكي سيقابل باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، تسعى واشنطن إلى توسيع نطاق المفاوضات ليشمل برنامج إيران للصواريخ البالستية ودعمها لحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والمقاومة الفلسطينية.