الأقصى بلا مصلّين.. كيف يسعى الاحتلال لتغيير وجه الحرم القدسي؟

في ليلة كان يُفترض أن تكون من الليالي التي اعتاد فيها المسجد الأقصى أن يضيق بالمصلين، بدت ساحاته خالية على غير العادة، فيما توزّع المصلون على مداخل البلدة القديمة وأبواب المسجد، يؤدون صلاتي العشاء والقيام خارج أسواره.

By أسيل عيد
لبّى المصلون النداء وشدّوا الرحال إلى الأقصى رغم الحواجز والتضييق، غير أن المشهد اليوم مختلف؛ فالأبواب مغلقة، والطرق إليه موصدة / AA

وهناك، عند أقرب نقطة يمكنهم الوصول إليها، يواجه بعضهم القمع والسحل والاعتقال على يد قوات الاحتلال، في مشهد يُصوَّر فيه أداء الصلاة كأنه فعل شغب، يُعاقَب صاحبه بدلاً من صون حقه في العبادة.

ولم يكن الوصول إلى الأقصى مفتوحاً حتى قبل الإغلاق الكامل، إذ فرضت سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على دخول المصلين، شملت إبعاد مئات المقدسيين لفترات متفاوتة، ومنع عشرات الآلاف من أهالي الضفة الغربية من الوصول إليه إلا بتصاريح وشروط معقدة. 

مع ذلك لبّى المصلون النداء وشدّوا الرحال إلى الأقصى رغم الحواجز والتضييق. غير أن المشهد اليوم مختلف، فالأبواب مغلقة، والطرق إليه موصدة، والجميع ممنوعون من الوصول إليه.

وترى عضو هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس رتيبة النتشة، أن هذا الإغلاق الكامل، بما يتضمنه من منع الاعتكاف وإغلاق الأقصى لأول مرة لجمعتين متتاليتين، بخاصة خلال العشر الأواخر من رمضان التي تحتضن ليلة القدر، يمثل سابقة تاريخية، لكنه يندرج ضمن سياسة فرض الوقائع بالتدرج على المسجد الأقصى.

وتوضح النتشة لـTRT عربي: "قبل أسابيع صوّت الكنيست على قانون يتعلق بما يسمى حائط المبكى (حائط البراق)، يمنح الحاخام الأعلى في حكومة الاحتلال صلاحيات تحديد طبيعة الصلوات ومن يحق له أداؤها هناك. وسبق ذلك إجراءات أخرى، مثل تحديد مستوى صوت الأذان واشتراط تراخيص لرفعه. وفي بداية شهر رمضان زادت سلطات الاحتلال مدة الاقتحامات الصباحية للمسجد الأقصى ساعة إضافية خلال الشهر الفضيل، في وقت كانت تُمنَع فيه هذه الاقتحامات سابقاً طوال رمضان احتراماً لقدسية الشهر، إلى جانب إجراءات أخرى مهّدت لما نشهده اليوم من إغلاق كامل للأقصى".

وتضيف أن ما يحدث يعكس غياب أي خطوط حمراء في ما يتعلق بالمسجد الأقصى، وأن الهدف يتمثل في تكريس السيادة الكاملة عليه، في تجاوز لاتفاقيات سابقة مثل تفاهمات ما بعد احتلال القدس عام 1967، واتفاق الوضع القائم "الستاتيكو" الذي يعود إلى العهد العثماني، وتعهدت سلطات الاحتلال بالحفاظ عليه.

كما تشير إلى تسارع هذه الإجراءات خلال الأسابيع الأخيرة، ومن بينها ما يُعرَف بقانون بن غفير الذي عرّف ساحات المسجد الأقصى كساحات عامة، بما يعني عملياً نزع صفتها الدينية. وترى أن الإغلاق لا يرتبط باعتبارات أمنية بقدر ما يعكس محاولة لإظهار السيطرة، متسائلة: "لو كان الأمر أمنياً، فلماذا يُعتدى على المصلين بالسحل والضرب والاعتقال وهم يؤدون التراويح أمام أبواب القدس، في أقرب نقطة يمكنهم الوصول إليها؟".

القيود الأمنية وحسابات السيطرة

في قراءة لهذه التطورات يوضح المحلل السياسي إسماعيل مسلماني أن السلطات الإسرائيلية تبرر إجراءاتها عادة بالخوف من تَحوُّل التجمعات الكبيرة إلى بؤر توتُّر، إلا أن الفلسطينيين يرون أن المسجد الأقصى يُعامَل بشكل مختلف عن بقية مناطق القدس، إذ ترتبط السيطرة عليه بأبعاد سيادية وسياسية تتجاوز الاعتبارات الأمنية.

ويشير في حديثه مع TRT عربي، إلى نقاش واسع حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل تغييراً تدريجياً في "الوضع القائم" داخل المسجد الأقصى، وهو الترتيب الذي تشكّل بعد عام 1967، وينص على أن تكون إدارة المسجد بيد الأوقاف الإسلامية، وأن تكون الصلاة فيه للمسلمين فقط. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد مطالب من جماعات دينية يهودية بتغيير هذا الواقع والسماح بأداء طقوس دينية داخل ساحات الأقصى، ما يجعل أي قيود على المسلمين تُفسَّر فلسطينيّاً كجزء من مسار تدريجي لإعادة تشكيل إدارة المكان.

ويلفت مسلماني إلى التباين الواضح بين واقع الأقصى وساحة حائط البراق، التي تُدار إسرائيلياً بالكامل وتُفتح عادة من دون القيود المفروضة على المسجد الأقصى، ما يعزز لدى الفلسطينيين الشعور بمحاولة لإعادة رسم حدود السيطرة داخل الحرم القدسي.

كما يشير إلى أن سلطات الاحتلال تحاول، من جهة، منع تفجر مواجهة داخلية في القدس والضفة الغربية، في ظل التوتر العسكري القائم على أكثر من جبهة، إذ تخشى أن تتحول ساحات الأقصى إلى نقطة اشتباك يومي ومركز لتصعيد واسع.

ويضيف أن المسجد الأقصى لطالما شكّل عامل تعبئة إقليمي، إذ إن أي تطورات كبيرة فيه قد تدفع أطرافاً في المنطقة إلى التصعيد تحت شعار الدفاع عنه، كما حدث في محطات سابقة ربطت فيها فصائل في غزة تصعيدها بما يجري في المسجد.

ويقول مسلماني: "إن المسجد الأقصى لا يُعَدّ مجرد موقع ديني، بل نقطة التقاء بين الدين والسيادة والسياسة، لذلك فإن أي إجراء يُتخذ فيه، بخاصة خلال شهر رمضان، يتجاوز البعد الأمني ليصبح قضية حساسة قد تنعكس تداعياتها على مجمل المشهد في القدس والمنطقة".

أصوات الاشتياق

تصف المقدسية حلا يوسف، وهي من الرواد الدائمين للمسجد الأقصى، شعورها مع إغلاقه خلال رمضان، قائلة إن "رمضان من دون المسجد الأقصى في القدس مثل الطفل اليتيم"، مضيفة أن شعور القهر والحزن يلازمها يومياً بعد أن اعتادت التردد على المسجد يومياً خلال الشهر الفضيل.

وتقول يوسف لـTRT عربي إن إغلاق الأقصى جعل رمضان "ناقصاً في القدس"، مضيفة: "كلما مررنا من أمامه بكينا، نشعر كأن الأقصى يبكي وحده ويحتاج إلى نجدة".

وتتابع بأن “المقارنة بين مشاهد الأعوام السابقة والواقع الحالي مؤلمة، فالأقصى الذي كان يعج بالمصلين في العشر الأواخر أصبح خالياً، فيما تفتقد التواشيح الرمضانية أصوات المصلين الذين كانوا يرددونها في ساحاته، ليقتصر صداها اليوم على أبوابه المغلقة”.

وتختم: "ننتظر بفارغ الصبر أن تُفتح أبوابه. خلال هذه الفترة شعرت كأن قطعة من قلبي غابت، وخلّفت فراغاً في وقت لم أستطع ملأه، لأن الوقت الذي كنت أخصصه لزيارة الأقصى أصبح خالياً".

ولا يقتصر أثر قيود الاحتلال على المصلين الذين حُرموا الوصول إلى المسجد الأقصى هذا العام، بل يشمل أيضاً عشرات المقدسيين الذين صدرت بحقهم قرارات إبعاد عنه قبل حلول شهر رمضان، ومن بينهم رمزي العباسي، أحد المبعدين عن المسجد، الذي تلقى قرار إبعاده قُبيل بداية الشهر الفضيل.

كان العباسي علم بقرار إبعاده خلال مشاركته في رحلة لرفع العلم الفلسطيني فوق قمة كليمنغارو ضمن فريق "رحّالة فلسطين"، وهو أحد مؤسسيه، قبل أن يعود إلى القدس ليجد نفسه ممنوعاً من الوصول إلى المكان الذي اعتاد أن يقضي فيه أيام رمضان.

ويصف العباسي شعوره بالإبعاد عن الأقصى بأنه مؤلم، قائلاً لـTRT عربي إن قلبه "يعتصره الألم"، بخاصة أنه نشأ منذ طفولته على حب المسجد. ويضيف أنه لم يمر عليه يوم، خصوصاً في شهر رمضان، لم يكن فيه حاضراً في ساحات الأقصى، حيث اعتاد منذ صغره قضاء وقته بين زواياه.

ويقول: "بهذا القرار الذي يحرمنا الأقصى، تنتزع سلطات الاحتلال الترياق من أجسادنا التي تشفى وتكبر بحب الأقصى".

ويرى العباسي أن صعوبة الأمر تتضاعف هذا العام مع حرمان أعداد كبيرة من المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى بذريعة الطوارئ، معتبراً أن هذه الإجراءات تسلب من المقدسيين أحد أهم مصادر القوة الروحية لديهم، مؤكداً أن "رمضان ترياق الروح لكل مقدسي".