من الشاشات إلى الشوارع: كيف شكّل 15 تموز الذاكرة المدنية الرقمية في تركيا؟
تركيا
8 دقيقة قراءة
من الشاشات إلى الشوارع: كيف شكّل 15 تموز الذاكرة المدنية الرقمية في تركيا؟أظهرت محاولة الانقلاب الفاشلة أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تخلق الشجاعة المدنية بمفردها، لكنها في لحظات الأزمات يمكن أن تساعد في التنظيم، والتعبئة، وحفظ الذاكرة.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتكلم عبر فيس تيم في ليلة محاولة الانقلاب الفاشل

كان هاتفٌ محمول رُفع أمام كاميرا تلفزيونية أحد أبرز المشاهد التي طبعت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ليلة 15 تموز/يوليو 2016، حين حاول فصيل مارق داخل الجيش التركي موالٍ لتنظيم غولن الإرهابي الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً.

وظهر الرئيس رجب طيب أردوغان عبر تطبيق FaceTime على شاشة CNN Türk، داعياً المواطنين إلى النزول إلى الشوارع والتصدي لمحاولة الانقلاب العسكري.

لم يكن ذلك خطاباً أُلقي من على منصة، ولا بياناً صدر عبر الطقوس المعتادة للدولة. بل كان خطاباً مرتجلاً، حميمياً، ومعاصراً بوضوح؛ إذ خاطب رئيس الدولة شعبه عبر الجهاز ذاته الذي يستخدمه الناس للاتصال بعائلاتهم، ومتابعة الأخبار العاجلة، ومحاولة استيعاب ما كان يجري في تلك الليلة المرعبة.

ولم تقتصر أهمية تلك اللحظة على بعدها التكنولوجي، بل كانت أيضاً سياسية وثقافية واجتماعية.

ففي الوقت الذي سعى فيه الانقلابيون إلى ترسيخ الانطباع بأن الأمور قد حُسمت بالفعل، جاء ظهور أردوغان عبر FaceTime ليبدد هذا الإيهام بحتمية نجاح الانقلاب.

وأظهر ذلك بوضوح أن القيادة المنتخبة لا تزال تتحدث، وأن الجمهور لا يزال يتلقى التوجيهات، وأن نتيجة تلك الليلة لم تكن قد حُسمت بعد.

وكان لهذا الظهور أهمية كبيرة، لأن محاولات الانقلاب لا تعتمد على القوة وحدها، بل تقوم أيضاً على تشكيل الانطباعات.

فهي تسعى إلى إقناع المواطنين، ومؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، بأن المقاومة لا جدوى منها، وأن السلطة قد انتقلت بالفعل إلى جهة أخرى، وأن الصمت هو الخيار الأكثر أماناً.

لكن ظهور الرئيس أردوغان نسف هذا التصور في الوقت الحقيقي. فقد بدا المشهد بسيطاً في شكله، لكنه كان بالغ التأثير؛ إذ تحولت شاشة صغيرة إلى إشارة وطنية تؤكد أن السياسة الشرعية لم تخضع للإكراه.

وقد تشكلت محاولة الانقلاب وفق منطق تقليدي للسلطة؛ إذ تحركت الدبابات إلى الجسور، وحاول الجنود السيطرة على المطارات، والشوارع، واستوديوهات التلفزيون.

وكان الانقلابيون يدركون، كما اعتقد مدبرو الانقلابات على مر التاريخ، أن السيطرة على الرموز المرئية للسلطة أمر بالغ الأهمية.

ففي القرن العشرين، كان الاستيلاء على محطة بث تلفزيوني كفيلاً بإعطاء الانطباع بأن الدولة نفسها قد انتقلت إلى أيدٍ أخرى. لكن تركيا عام 2016 لم تعد تعيش في تلك البيئة الإعلامية.

فلم يعد المجال العام يمر عبر استوديو واحد، أو جهاز إرسال واحد، أو إعلان رسمي واحد. بل أصبح يعيش عبر ملايين الهواتف، والخطوط الزمنية على وسائل التواصل، والرسائل، والبث المباشر، ومجموعات العائلات.

ولذلك، لم تواجه محاولة الانقلاب مقاومة سياسية فحسب، بل اصطدمت أيضاً بثقافة مدنية متحوّلة.

ولهذا ينبغي النظر إلى اتصال FaceTime باعتباره أكثر من مجرد حدث إعلامي درامي. فقد شكّل نقطة تحول بين الإعلام التقليدي القائم على البث، والعمل المدني القائم على الشبكات.

فقد منحته وسائل الإعلام التقليدية انتشاراً وطنياً، لكن رسالته انتشرت فوراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، والمكالمات الهاتفية، وشبكات التواصل المباشر بين الناس.

وهكذا، تحولت صورة ظهرت على شاشة التلفزيون إلى محفز للفعل.

من الشبكات الرقمية إلى الفعل المدني


تساعدنا نظريات الحركات الاجتماعية على تجنب قراءة سطحية لما جرى في تلك الليلة. فلم تكن وسائل التواصل الاجتماعي هي التي "تسببت" في التعبئة الشعبية.

بل إنها سرّعت ثلاثة عناصر تتطلبها أي عملية فعل جماعي في أوقات الأزمات: وجود تفسير مشترك لما يحدث، وقنوات واضحة للتعبئة، والثقة بأن الآخرين يتحركون أيضاً.

وقد علّمنا عالم الاجتماع والعلوم السياسية الأمريكي تشارلز تيلي أن نولي اهتماماً للأنماط المتغيرة التي يستخدمها الناس للمطالبة الجماعية بحقوقهم.

وفي 15 تموز قبل عقد من الزمن، لم يقتصر نمط العمل المدني في تركيا على التجمع في الساحات والوقوف في مواجهة الدبابات، بل شمل أيضاً البث المباشر، ومشاركة المواقع، وتضخيم الدعوات، وتوثيق الأحداث، وإعادة توظيف الأجهزة الشخصية لأغراض التنسيق العام.

لم تختفِ الساحة؛ بل اتسعت. ولم تكن هذه مجرد قصة عن المنصات الرقمية.

فأعمال عليف إركيليت، أستاذة علم الاجتماع في جامعة ابن خلدون، التي تمتد أبحاثها إلى الدراسات الحضرية والحياة المدنية، تساعد في تفسير سبب استحالة فهم البعد الرقمي بمعزل عن المجتمعات الأخلاقية في تركيا، وشبكاتها المدنية، وأشكال الانتماء إلى المجال العام.

لقد كانت منصات تويتر (إكس) وفيسبوك وبيريسكوب وتطبيقات المراسلة مؤثرة لأنها ارتبطت بروابط قائمة مسبقاً من الثقة، والمسؤولية، والهوية المشتركة.

فاتصل أفراد العائلات ببعضهم بعضاً. وحذّر الجيران بعضهم بعضاً. وأطلقت المساجد نداءاتها. وواصلت القنوات التلفزيونية بثها. كما عزز القادة السياسيون والمواطنون العاديون الدعوات إلى مقاومة الانقلاب.

وهكذا عملت الشبكات الرقمية والشبكات الاجتماعية جنباً إلى جنب. وقد جادل الفقيه والمنظر السياسي الألماني كارل شميت، في مقولته الشهيرة، بأن السيادة ترتبط بالقدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستثناء.

ومن هذا المنظور، فإن محاولة الانقلاب هي محاولة للاستيلاء على حالة الاستثناء نفسها؛ أي تعليق الحياة السياسية الطبيعية وفرض واقع جديد بالقوة.

وفي ليلة 15 تموز، رفضت استجابة الجمهور السماح للقوة القسرية بأن تكون الجهة الوحيدة التي تحدد الواقع السياسي.

فلم يكتفِ المواطنون بتلقي المعلومات. بل فسّروا اللحظة، وتصرفوا على أساسها، وأسهموا في تحديد معنى الأزمة. وكان هذا الصراع على تفسير الأحداث بالغ الأهمية.

إذ كان يمكن تصوير تلك الليلة على أنها مجرد حالة طوارئ أمنية تستهدف الدولة، بما يدفع المواطنين إلى البقاء في منازلهم وانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

لكنها أصبحت تُفهم، بدلاً من ذلك، على أنها هجوم على الديمقراطية نفسها، يتحمل المواطنون العاديون مسؤولية مقاومته.

وكان ظهور الرئيس أردوغان عبر FaceTime اللحظة الحاسمة التي أسهمت في ترسيخ هذا الفهم.

فقد وجّه إلى جمهور متفرق رسالة واضحة في لحظة يسودها الغموض، مفادها أن الأزمة لا تتطلب المراقبة السلبية، بل تستدعي فعلاً مدنياً. فتحول مقطع فيديو لشخص واحد إلى تأكيد بالنسبة لآخرين.

وأصبحت دعوة واحدة للتجمع سلسلة متواصلة من التعبئة. وانتشرت صورة واحدة للمقاومة بسرعة أكبر من محاولة فرض الصمت.

ولذلك، لم تكمن أهمية FaceTime في أنه أتاح للرئيس أردوغان التحدث فحسب. بل في أن تلك المكالمة دخلت ضمن منظومة أوسع من الاتصال، أصبح بإمكان المواطنين من خلالها الاستماع، وتكرار الرسالة، والتحقق منها، وإعادة إرسالها، ثم التحرك بناءً عليها.

وبطبيعة الحال، فإن السرعة ذاتها التي جعلت التعبئة ممكنة تسببت أيضاً في قدر من الارتباك. فانتشرت الشائعات. وتداولت تقارير متناقضة. وظهرت تسجيلات حقيقية إلى جانب ادعاءات غير موثقة.

وأي قراءة منصفة لأحداث 15 تموز يجب أن تُقر بالحقيقتين معاً: فالمنصات الرقمية قادرة على توليد طاقة مدنية استثنائية، كما يمكنها في الوقت نفسه أن تُحدث فوضى معلوماتية كبيرة، وأحياناً في المنصة نفسها وخلال الساعة ذاتها.

لكن الحقيقة الحاسمة تبقى أن التعبئة عبر الإنترنت عادت إلى الشوارع.

فالفعل الأهم لم يكن النشر على وسائل التواصل، بل النزول إلى الميدان: إلى الجسور، والساحات، وخارج المطارات، وأمام المباني البلدية والمؤسسات الإعلامية.


لم تستبدل وسائل التواصل الاجتماعي الشجاعة. بل جعلت الشجاعة مرئية، وقابلة للانتقال، ومنظمة

صناعة الذاكرة المدنية الرقمية

بعد مرور عقد من الزمن، أصبحت محاولة انقلاب 15 تموز أيضاً جزءاً من الذاكرة الجماعية الرقمية في تركيا.

فمع كل ذكرى سنوية، تعود المواد الأرشيفية إلى التداول من جديد؛ من مقاطع مصورة التُقطت بالهواتف، وبثوث مباشرة، ولقطات شاشة، وشهادات، ووسوم (هاشتاغات).

وتعود صورة FaceTime على وجه الخصوص بقوة، لأنها تختزل في مشهد واحد المعنى الأوسع لتلك الليلة: لحظةٌ عبرت فيها السلطة السياسية، والتواصل العام، ودور المواطنين الفاعل عبر شاشة، قبل أن تعود مجدداً إلى الشوارع.

ويُنظَّم جانب من هذا الاستذكار من خلال الفعاليات الرسمية لإحياء الذكرى، لكن جزءاً كبيراً منه يحمله أيضاً المستخدمون العاديون الذين يعيدون نشر ما شاهدوه، وأين كانوا، ومن فقدوا، وما يتذكرونه.

وهكذا تؤدي الذاكرة الجماعية اليوم الدور الذي كانت تقوم به النصب التذكارية، والمراسم الرسمية، والكتب المدرسية إلى حد كبير في الماضي.

فلم تعد ذكرى 15 تموز تعيش في الساحات العامة والخطب الرسمية فحسب، بل أيضاً في مقاطع الفيديو المؤرشفة، ومحادثات العائلات، والتغريدات القديمة، والصور التي تعود إلى الظهور كل عام على الخط الزمني الوطني.

وبالنسبة إلى كثيرين، لا تنفصل ذكرى تلك الليلة عن الأجهزة التي عاشوا عبرها أحداثها: أول تنبيه تلقوه، وأول مقطع فيديو شاهدوه، وأول اتصال من أحد الأقارب، وأول بث مباشر جعل الخطر يبدو حقيقياً.

وقد يكون هذا الامتداد الثقافي أحد أكثر الإرث الذي خلفه 15 تموز ديمومة. فالمنصات الرقمية تظهر، ثم تتراجع، وتغيّر هويتها، وقد تختفي.

لكن السلوك المدني الذي تجلى في تلك الليلة ظل قائماً؛ فعندما تواجه البلاد أزمة وطنية، يلجأ المواطنون إلى أي وسيلة اتصال متاحة لتنظيم جهودهم، وتوثيق الأحداث، وتفسيرها، والحفاظ على ذاكرتها.

وهنا أيضاً يفتح 15 تموز الباب أمام النقاشات المعاصرة بشأن السيادة الرقمية. فغالباً ما يُستخدم هذا المصطلح في سياقات تقنية أو جيوسياسية، مثل البنية التحتية، والبيانات، والتنظيم، والمنصات، والقدرات الوطنية. ولا شك أن هذه القضايا مهمة.

لكن 15 تموز يشير إلى بُعد آخر أيضاً. فالسيادة الرقمية تتعلق كذلك بقدرة المجتمع على الحفاظ على صوته العام عندما تسعى القوة القسرية إلى احتكار المجال العام. ولم يكن الجواب في تلك الليلة صادراً عن التكنولوجيا وحدها.

بل جاء نتيجة التفاعل بين الأدوات والبشر، وبين الشاشات والشوارع، وبين القيادة السياسية والفاعلية المدنية للمواطنين.

ففي 15 تموز، لم تكتفِ تركيا بالانتقال إلى الفضاء الإلكتروني، بل استخدمت هذا الفضاء بوصفه طريقاً للعودة إلى الحياة العامة. ولهذا السبب تظل الذاكرة الرقمية لـ15 تموز بهذه القوة.

فهي لا تُستذكر بوصفها ليلة الدبابات والطائرات فحسب، بل أيضاً ليلة الهواتف المرفوعة في غرف المعيشة، ومقاطع الفيديو التي جرى تداولها وسط حالة من الذعر، والرسائل التي أُرسلت إلى الأحبة، والمواطنين الذين اكتشفوا، في الوقت الحقيقي، أنهم لم يكونوا وحدهم.

لقد سعت محاولة الانقلاب إلى تقويض الإرادة الديمقراطية عبر السيطرة على الفضاء العام، وبث الخوف، والتلاعب بوسائل الاتصال.

غير أن استجابة المواطنين أظهرت أن إسكات الحياة المدنية في العصر الرقمي أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق.

لقد اتسعت الساحة.فلم تعد موجودة في الشوارع وحدها، بل أيضاً في كل يد حملت شاشة، وفي كل رسالة دعت إلى الإقدام، وفي كل مواطن حوّل المعلومات إلى فعل.


اكتشف
من الكلاسيكو إلى قمة المونديال.. يامال ومبابي وجهاً لوجه في معركة المجد العالمي
الحكومة اليمنية تعلن استهدافها مطار صنعاء.. و"الحوثي" تتهم السعودية وتؤكد انتهاء خفض التصعيد
علييف يشيد بالعلاقات مع تركيا: نموذج للاستقرار والتعاون الإقليمي
الاستخبارات التركية تلقي القبض على من يسمى مسؤولاً في "داعش" الإرهابي
روسيا تعلن قصف موانئ أوكرانية.. وهجمات مسيّرة توقع قتلى قرب موسكو
مندوب واشنطن لدى الناتو: صفقة "F-35" مع تركيا قابلة للتحقق
الاتحاد الأوروبي يدرس فرض قيود تجارية على المستوطنات الإسرائيلية
واشنطن تعلن موجة جديدة من الضربات ضد إيران وطهران ترد باستهداف قواعد أمريكية
محكمة سودانية تصدر حكماً غيابياً بإعدام حميدتي لإدانته في مقتل والي غرب دارفور
بينهم طفلة.. 8 شهداء جراء قصف وإطلاق نار في غزة ضمن الخروقات الإسرائيلية
وسط حداد لمدة 4 أيام.. قطر تودع أميرها السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
الكويت تؤكد إصابة عامل ووقوع أضرار جراء هجمات استهدفت مراكز حدودية ومنصة حفر بحرية
تركيا تعزي في ضحايا غرق عبّارة بدير الزور وتؤكد وقوفها بجانب الشعب السوري
وزير الدفاع المصري يزور تركيا لبحث دعم التعاون العسكري بين البلدين
في أول زيارة خارجية.. رئيس الوزراء العراقي يتوجه الاثنين إلى واشنطن للقاء ترمب