يدخلُ ملف الحشد الشعبي مرحلة هي الأكثر حساسية منذ سنوات، مع تصاعد الضغوط الأمريكية على بغداد لإعادة ضبط علاقة الدولة بالفصائل المسلحة، بالتزامن مع مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة وتنافس إقليمي متزايد على رسم موازين النفوذ داخل العراق.
ووسط هذه التطورات، تتابع أنقرة المشهد العراقي وتتواصل مع القوى العراقية، بما فيها هيئة الحشد الشعبي، في وقت تتحدث فيه تقارير أمريكية عن تصاعد الهجمات ضد المصالح والمنشآت الدبلوماسية الأمريكية داخل العراق خلال الأشهر الأخيرة.
لقاء أنقرة
ويعكسُ التواصل التركي مع قيادات الحشد الشعبي اهتمام أنقرة بمتابعة التحولات السياسية والأمنية في العراق والحفاظ على قنوات الحوار مع مختلف الأطراف.
وفي 1مايو/أيار 2026، ذكرت وكالة الأناضول أنّ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التقى رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، في العاصمة التركية أنقرة، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية التركية عبر منصة "إن سوسيال"، من دون الكشف عن تفاصيل الملفات التي ناقشها الجانبان.
ويأتي اللقاء في مرحلة تشهد تصاعد النقاشات بشأن مستقبل الحشد الشعبي داخل العراق، وخاصة مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، وما يرافقها من ضغوط أمريكية متزايدة تتعلق بسلاح الفصائل ونفوذها السياسي.
ويرى مراقبون أنّ أنقرة تحاول من خلال هذا الانفتاح الحفاظ على طبيعة علاقتها مع العراق، وخصوصاً في القضايا المرتبطة بأمن الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة وتوازنات النفوذ الإقليمي.
ويعتقد الباحث والمحلل السياسي التركي محمد رقيب أوغلو، أن اللقاء بين وزير الخارجية التركي ورئيس هيئة الحشد الشعبي يأتي في سياق سياسة تركية قائمة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى الفاعلة داخل العراق، بما ينسجم مع مقاربة أنقرة القائمة على إدارة التوازنات الإقليمية المعقدة.
وفي حديثه لموقع TRT" عربي"، يقول رقيب أوغلو إنّ تركيا تتعامل مع الملف العراقي وفق سياسة توازن دقيقة، تقوم على التواصل مع مختلف الأطراف، بهدف الحفاظ على هامش تأثير سياسي وأمني يضمن مصالحها الاستراتيجية في العراق.
ويوضح أن هذا الانفتاح لا يعني بالضرورة توافقاً سياسياً مع هذه الأطراف، بل يعكس حرص أنقرة على منع تحول بعض القوى المسلحة إلى عوامل تهديد مباشر للمصالح التركية، وخصوصاً في الملفات المرتبطة بأمن الحدود ومكافحة التنظيمات التي تصنفها تركيا تهديداً لأمنها القومي.
وينوّه رقيب أوغلو إلى أن العمليات العسكرية التركية شمال العراق خلال السنوات الماضية أظهرت أن أنقرة تنظر إلى الملف الأمني العراقي باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها الداخلي، وهو ما يفسر سعيها للحفاظ على التواصل مع مختلف الفاعلين.
ضغوط واشنطن
وتضعُ الولاياتُ المتحدة ملف الحشد الشعبي في صدارة شروطها غير المباشرة للحكومة العراقية المقبلة، بالتزامن مع تصاعد العقوبات والرسائل السياسية والأمنية.
وتحدثت تقارير عن رسالة أمريكية وُجّهت إلى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، تحذّره من إشراك بعض الفصائل المسلحة في تشكيلته الحكومية، مع تشديد أمريكي على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة.
وبحسب المعطيات المتداولة، جاءت الرسالة بعد ساعات من فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على نائب وزير النفط العراقي علي البهادلي، بتهمة تمويل إيران وفصائل عراقية مسلحة، في خطوة عُدّت جزءاً من سياسة الضغط المتصاعدة التي تنتهجها واشنطن تجاه الفصائل المقربة من طهران.
ويرى الباحث السياسي والاستراتيجي د. علي أغوان، أن المشهد العراقي الحالي يعكس تداخلاً معقداً بين الإرادتين الأمريكية والإيرانية في ملف تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي حديثه لموقع TRT عربي، يوضح أغوان أن تكليف علي الزيدي جاء ضمن تفاهمات مركّبة حظيت بقبول أمريكي لافت، إلى جانب ترحيب من بعض الأوساط الإيرانية، ولا سيما ما يوصف بجناح "الحمائم" داخل طهران.
ويشير إلى أنّ هذا القبول لا يعكس توافقاً إيرانياً كاملاً، مع وجود تحفّظات واضحة داخل المؤسسة الإيرانية، ولا سيما المرتبطة بالحرس الثوري.
كما يلفت أغوان إلى أنّ ذلك ظهر خلال زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد في 10 مايو/أيار 2026، وقد نقل اشتراطات تتعلق بالحفاظ على تمثيل الفصائل المسلحة داخل السلطة التنفيذية.
وذكرت شبكة (NBC News) في 8 مايو/أيار 2026، أن الولايات المتحدة تضغط على الحكومة العراقية لفك ارتباطها بالجماعات المدعومة من إيران، مشيرة إلى أن أكثر من 600 هجوم استهدف منشآت ومصالح دبلوماسية أمريكية داخل العراق منذ بداية المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران.
وأضافت الشبكة الأمريكية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تطالب الحكومة العراقية باتخاذ "إجراءات عملية لا تصريحات فقط"، تشمل تفكيك الفصائل ووقف الدعم المالي والسياسي لها.
ونقلت الشبكة عن مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية قوله، إن الخط الفاصل بين بعض مؤسسات الدولة العراقية والفصائل المسلحة أصبح "ضبابياً"، وخصوصاً داخل هيئة الحشد الشعبي التي جرى دمجها رسمياً ضمن المنظومة الأمنية العراقية منذ تأسيسها عام 2014 لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي.
ويبيّن الدكتور أغوان أن الولايات المتحدة تضغط باتجاه إبعاد أجنحة الحشد عن المشهد الحكومي، في حين تسعى طهران إلى تثبيت حضورها السياسي والمؤسساتي، ما جعل رئيس الوزراء المكلف يتحرك -وفق وصفه- بين رسائل متبادلة تحملها وساطة عراقية غير معلنة بين الطرفين.
ويلفت إلى أن هذا التعقيد انعكس على تأخر حسم التشكيلة الوزارية، رغم توقعات سابقة بتمرير عدد من الوزراء خلال الأيام الماضية، معتبراً أن أي محاولة لإقصاء الفصائل عن السلطة ستواجه صعوبات كبيرة بحكم امتلاكها ثقلاً سياسياً وبرلمانياً واسعاً، ما يجعل تنفيذ المطالب الأمريكية أمراً بالغ التعقيد.
خيارات مطروحة
ومع استمرار الضغوط الدولية، تتزايدُ الدعواتُ داخل العراق لإعادة تنظيم وضع الفصائل ضمن أطر قانونية وأمنية جديدة، وسط تباين في المواقف السياسية بشأن مستقبلها.
ودعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في 8 مايو/أيار 2026، إلى دمج التشكيلات المسلحة تحت مسمى "جند الشعائر الدينية"، وأن تكون تحت سلطة هيئة الحج والعمرة، أو تحويلها إلى تشكيلات إنسانية للإغاثة، معتبراً أن أي جهة ترفض ذلك ستكون "خارج إطار القانون".
ووفق بيان نشره الصدر عبر منصة إكس، فقد تعهّد بحل "لواء اليوم الموعود" وتسليم "سرايا السلام" إلى القائد العام للقوات المسلحة في حال تنفيذ هذا المسار، داعياً كذلك إلى إبعاد القوى التي تمتلك أجنحة مسلحة عن التشكيلة الوزارية الجديدة.
وفي المقابل، جدّدت حركة "النجباء"، ما وصفته بـ"البيعة" للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، بينما كانت واشنطن قد رصدت مكافأة 10 ملايين دولار مقابل تقديم معلومات عن زعيم الحركة.
ويرى محللون أن الحكومة العراقية الجديدة قد تجد نفسها أمام خيارات معقدة، بين دمج بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة الحشد الشعبي، أو الإبقاء على التوازنات الحالية لتجنُّب صدام سياسي وأمني قد يهدّد استقرار البلاد.










