بغداد بين واشنطن وطهران.. توازن هش تحت ضغط المواجهة
سياسة
6 دقيقة قراءة
بغداد بين واشنطن وطهران.. توازن هش تحت ضغط المواجهةيشهدُ الواقع الأمني في العراق تحولات مع اتساع العمليات العسكرية وتعدد مواقعها، في ظل انعكاسات التوترات الإقليمية، ما يضع التعهدات الحكومية بصون السيادة أمام استحقاقات دقيقة.
النيران تتصاعد من مبنى السفارة الأمريكية في بغداد بعد تعرضه لهجمات من فصائل مسلحة / Reuters
منذ 4 ساعات

وتكررت الاستهدافات التي طالت مواقع أمنية رسمية ومقار لفصائل مسلّحة، في مختلف مناطق البلاد، وسط تحديات في احتواء التصعيد.

وفي ظل تسارع التطورات الإقليمية، برزت الساحة العراقية كأحد أبرز مسارح التفاعل العسكري غير المباشر، حيث امتدت الضربات لتشمل عدة محافظات مع تنوع في الأهداف.

وذكرت وكالة الأنباء العراقية (واع) في 29 مارس/آذار 2026 أنّ هجمات جوية استهدفت مواقع لهيئة الحشد الشعبي في صلاح الدين ونينوى وكركوك، إلى جانب مقار أمنية أخرى، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

كما أدانت وزارة الدفاع العراقية الهجوم الذي تعرض له مستوصف الحبانية العسكري في 26 مارس/آذار والذي أسفر عن مقتل 7 عسكريين وإصابة 13 آخرين، واعتبرت الاستهداف "انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية".

وتشير التقديرات إلى أنّ مواقع الجيش والحشد الشعبي تعرضت منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 إلى غارات أوقعت أكثر من 100 قتيل و150 جريحاً، بينهم قيادات ميدانية، وهو ما دفع بغداد إلى اعتبار هذه الضربات استهدافاً لمؤسسات رسمية.

وبحسب تقرير نشره معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكي في 25 مارس/آذار 2026، فإنّ عدد العمليات داخل العراق أو انطلاقاً من أراضيه تجاوز 500 عملية، ما يشير إلى اتساع نطاق التوتر داخل البلاد.

ويرى الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، أنّ ما يشهده العراق اليوم ليس تحوّلاً مفاجئاً، بل امتداد لمسار بدأ منذ عام 2003، حيث تنشط قوى مسلّحة مرتبط بإيران وأخرى مناوئة للوجود الأمريكي.

ويوضح في حديثه لموقع "TRT عربي" أنّ تطور هذا الصراع ارتبط بطرح "وحدة الساحات"، الذي يعني ربط جبهات اليمن ولبنان والعراق وإيران ضمن سياق واحد، ما أدى إلى تصاعد التوترات داخل الأراضي العراقية.

ويضيف أبو رغيف أنّ هذا المسار يتعارض مع التوجه الرسمي العراقي الذي يسعى للنأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية، إلا أن تداخل هذه الجبهات يجعل من الصعب عزل العراق عن تداعياتها.

بدوره يقول رئيس مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، حسام بوتاني، إنّ العراق يُعد من أكثر ساحات الصراع تعقيداً بين الولايات المتحدة وإيران، نظراً إلى طبيعة علاقاته المتشابكة مع الطرفين.

ويوضح لموقع "TRT عربي" أنّ بغداد ترتبط بشراكة استراتيجية مع واشنطن تشمل تعاوناً أمنياً وعسكرياً، في مقابل وجود فصائل مسلّحة مرتبطة بإيران تعمل على الأرض، ما يجعل العراق ساحة مباشرة للتفاعل بين الطرفين.

ويشير بوتاني إلى أنّ تطورات المرحلة الحالية تعكس انتقال الصراع من طابع غير مباشر إلى مستوى أكثر احتكاكاً على الأرض، لافتاً إلى أن تداعيات هذا التصعيد قد تتجاوز المرحلة الراهنة لتظهر بشكل أعمق على المستويين الأمني والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.

ويضيف أنّ استمرار هذا المسار قد ينعكس على استقرار العراق بشكل عام، في ظل ارتباطه المباشر بمسار الصراع الإقليمي.

تحذيرات متصاعدة

وبالتوازي مع هذا التصعيد الميداني، تتزايد التحذيرات الدولية والداخلية من مخاطر اتساع رقعة المواجهة، بخاصة مع دخول أهداف سيادية وأجنبية ضمن دائرة الاستهداف، ما يهدد بتدويل الأزمة داخل العراق.

وشكّل استهداف الفصائل لجهاز المخابرات العراقي في 21 مارس/آذار، تحوّل بارز أثار ردود فعل رسمية وسياسية واسعة.

واعتبرت قوى سياسية ورئاسات عراقية هذا الاستهداف "اعتداءً إرهابياً" يمس ركائز الأمن القومي وهيبة الدولة، مشددة على ضرورة ملاحقة الجهات المنفذة وتعزيز الإجراءات الرادعة لحماية المؤسسات السيادية.

وفي سياق الرفض الداخلي لهذا هذا التصعيد الأمني، حذّر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان في 27 مارس/آذار 2026 من انفراد بعض الفصائل بقرار الحرب، معتبراً أنّ ذلك يشكّل خرقاً دستورياً ويهدد استقرار الدولة، خصوصاً في ظل تعدد مراكز القرار العسكري.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى في 1 أبريل/آذار 2026 مشاركة رئيسه في اجتماع إدارة الدولة لتوضيح الإجراءات القضائية والقانونية المتخذة من قبل المحاكم في محاسبة الخارجين عن القانون.

وعلى الصعيد الدولي، انعكس هذا التوتر على أمن البعثات الدبلوماسية، إذ ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في 29 مارس/آذار 2026 أنّ جماعات مسلّحة قد تستهدف مؤسسات مرتبطة بواشنطن في بغداد وإقليم شمال العراق، مؤكدة استمرار مخاطر الهجمات الصاروخية والمسيّرة.

وتزامناً مع ذلك، جددت السفارة الأمريكية لدى بغداد تحذيراتها عدة مرات ورفعت مستوى التحذير إلى الدرجة الرابعة، داعية رعاياها إلى مغادرة البلاد فوراً.

واستجابة لهذه التهديدات، سارعت بغداد لاحتواء الموقف، حيث أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي في 30 مارس/آذار 2026، اتخاذ إجراءات أمنية مشددة لحماية البعثات الدبلوماسية والسفارات العاملة في البلاد.

ويشير أبو رغيف إلى أنّ الحكومة العراقية اتخذت إجراءات لملاحقة منفذي الهجمات، بما في ذلك إلقاء القبض على بعض المتورطين ومحاسبة مسؤولين أمنيين على خلفية الخروقات، مؤكداً أنّ بغداد تبذل ما في وسعها لاحتواء التهديدات.

لكنه يلفت إلى أنّ جزءاً من هذه الجماعات يعمل بأسلوب "الخلايا الشبحية" التي تتجنب وسائل الاتصال التقليدية، ما يصعّب عملية تعقبها، رغم استمرار الجهود الأمنية لإحباط الهجمات، خصوصاً تلك التي تنطلق من المناطق الحدودية مع سوريا.

ويلفت بوتاني إلى أنّ العراق يمتلك مؤسسات أمنية ذات خبرة، بما في ذلك الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب، اللذين يمتلكان خبرة واسعة في مواجهة الجماعات المسلحة.

لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أنّ التحدي لا يرتبط فقط بالإمكانات، بل أيضاً بطبيعة القرار السياسي، الذي يواجه ضغوطاً وتعقيدات قد تؤثر على سرعة وحسم الاستجابة.

تحرك حكومي متوازن

وأمام هذا الواقع، تسعى الحكومة العراقية إلى احتواء التصعيد عبر مسارات سياسية وأمنية متوازية، في محاولة للحفاظ على السيادة، إلا أنّ فاعلية هذه الجهود تبقى مرهونة بتطورات الميدان.

وذكرت قيادة العمليات المشتركة في 27 مارس/آذار 2026 أنه تم تشكيل لجنة تنسيق مشتركة عراقية-أمريكية لمنع استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ الهجمات.

كما أعلن المجلس الوزاري للأمن الوطني، وفق بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع) في 24 مارس/آذار 2026، أنّ الدولة وحدها تملك قرار الحرب والسلم، مؤكداً اتخاذ إجراءات قانونية ضد أي جهة تتجاوزه، مع اعتماد مبدأ "حق الرد والدفاع عن النفس".

ويؤكد أبو رغيف أنّ العراق، بوصفه دولة ذات سيادة، يمتلك حق الرد على أي اعتداء يستهدف مؤسساته الأمنية، سواء كانت تابعة للجيش أو الحشد الشعبي، معتبراً أن هذا الرد يندرج ضمن إطار "الدفاع عن النفس" وفق القوانين الدولية.

ويضيف الخبير الأمني أنّ أي هجوم يستهدف هذه القطاعات، سواء عبر طائرات مسيّرة أو وسائل أخرى، يُعد فعلاً عدائياً مباشراً يبرر الرد الأمني، شريطة أن يتم ضمن الأطر الرسمية وليس عبر تحركات فردية.

وفيما يتعلق بمخاوف تعدد مراكز القرار العسكري، ينفي أبو رغيف وجود حالة تشظي داخل المؤسسة الأمنية العراقية، مؤكداً وجود ترابط واضح بين مختلف التشكيلات تحت إشراف قيادة العمليات المشتركة.

ويشير إلى أنّ هذه القيادة تعمل على تنظيم انتشار القوات وتوزيع المهام بين الجيش والأجهزة الأمنية والاستخبارات، بما يعزز الانضباط ويضمن إدارة الملف الأمني بشكل مركزي، مع استمرار العمل وفق اختصاصات واضحة لكل جهة.

ورغم تأكيد وزير الخارجية فؤاد حسين في 29 مارس/آذار 2026 أنّ العراق لن يكون ساحة لتصفية الحسابات، فإنّ استمرار الفصائل المسلحة في تنفيذ "عشرات العمليات" ضد أهداف أمريكية داخل العراق وخارجه يعكس التباين بين الموقف الرسمي والواقع الميداني.

وفي تقييمه لقرار اعتماد مبدأ "حق الرد"، يلفت بوتاني إلى أنّ إدارة هذا الملف تتطلب تنسيقاً عالياً ضمن الأطر الدستورية والمؤسسات الرسمية، بما يضمن وضوح المسؤوليات وتماسك القرار الأمني.

ويشدد بوتاني على أنّ حصر قرار استخدام القوة بالمؤسسات الرسمية ضروري للاستقرار، معتبراً أنّ التوازن يمكن استعادته عبر قرارات سياسية مدروسة.

ويؤكد في ختام حديثه على أنّ قدرة الحكومة على تحقيق ذلك ستظل مرتبطة بطبيعة القرارات السياسية خلال المرحلة المقبلة، في ظل مؤشرات متباينة بشأن اتجاهات المشهد.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
إيران تعلن تدمير طائرتي نقل أمريكيتين خلال محاولة إنقاذ طياري "F-15"
العراق.. "الحشد الشعبي" يعلن تعرُّض موقع له في محافظة صلاح الدين لضربتين جويتين
على بعد 68 ميلاً بحرياً.. حزب الله يعلن استهداف بارجة إسرائيلية قبالة سواحل لبنان
شظايا صواريخ إيرانية تسقط في مناطق شمالي وجنوبي إسرائيل
هجمات بالمسيّرات والصواريخ تستهدف مواقع حيوية في الكويت والإمارات والعراق
الشرطة الإسرائيلية تفرّق مظاهرة بتل أبيب رافضة للحرب على إيران وتعتقل 17 محتجاً
جماعة الحوثي تعلن قصف أهداف بإسرائيل وتكشف تنسيقاً مع إيران وحزب الله
استشهاد فلسطينية بقصف إسرائيلي على غزة وجولات محادثات "إيجابية" بالقاهرة لتثبيت وقف إطلاق النار
أردوغان يدعو المجتمع الدولي لإنهاء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ويؤكد قوة ردع الناتو
شظايا صاروخ إيراني تصيب مواقع وسط إسرائيل وعراقجي يحذر من  تسرب إشعاعي محتمل
البنتاغون يعلن مقتل 13 عسكرياً وإصابة 365 آخرين منذ بدء الحرب على إيران
تركيا تحتفي بمرور 77 عاماً على تأسيس حلف الناتو
واشنطن وطهران تتسابقان للعثور على الطيار الأمريكي وترمب يرفض التعليق على تقارير حول أسرِه في إيران
تركيا تجدد التزامها الدولي دعمَ مكافحة الألغام وتعزيز الأمن الإنساني
تركيا.. زلزال بقوة 5.2 درجات يهز ولاية وان شرقي البلاد