وجاءت هذه التحركات بعد الاتصال الهاتفي الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في 22 يونيو/حزيران 2026، وشهد تأكيداً على أهمية تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وأعقب الاتصال سلسلة لقاءات مع رجال أعمال أتراك وإجراءات عراقية لدعم الاستثمار، في مؤشر على توجه الجانبين نحو توسيع الشراكة الاقتصادية.
حراك رسمي
وبرزت أولى المؤشرات العملية لهذا التوجه من خلال التحركات الحكومية العراقية الهادفة إلى تسهيل دخول المستثمرين الأتراك وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن الجانبين التركي والعراقي، بحث أردوغان والزيدي هاتفياً، ملفات تصدير النفط عبر خط كركوك-جيهان، والمياه، والغاز، والزراعة، إضافة إلى مشروع طريق التنمية، كما دعا الشركات التركية إلى الاستثمار في العراق والاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات.
وقال الرئيس أردوغان إنّ أنقرة تتطلّع إلى الارتقاء بالعلاقات التركية العراقية، مشيراً إلى وجود فرص واسعة للتعاون في مجالات الطاقة والصناعات الدفاعية والنقل، كما جدد دعوته لرئيس الوزراء العراقي لزيارة أنقرة لإجراء مشاورات حول الملفات الثنائية.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد صدام أنّ تسارع هذه التحركات يعكس رغبة الحكومة العراقية في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع تركيا، لاسيما عبر مشاريع استراتيجية مثل خط أنابيب كركوك-جيهان وطريق التنمية.
ويضيف في حديثه لـTRT عربي، أنّ توجيه الحكومة بتسهيل إجراءات دخول المستثمرين الأتراك يعكس إدراكها لأهمية سرعة الإجراءات في جذب الاستثمارات، معتبراً أنّ هذه التسهيلات تعزز المنافسة وتمنح القطاع الخاص فرصاً أكبر للنمو خلال المرحلة المقبلة.
وأكّد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، خلال استقباله السفير التركي وممثلي الشركات ورجال الأعمال الأتراك في إطار مجلس الأعمال العراقي-التركي، في 1 يوليو/تموز 2026، وجود فرص استثمارية واسعة أمام الشركات التركية.
كما وجّه الزيدي بتسهيل إجراءات منح تأشيرات الدخول لرجال الأعمال الأتراك إلى بلاده، مشيراً إلى وجود الكثير من الفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات التركية، بينها مشروع طريق التنمية، وتشغيل المستشفيات والمطارات، وغيرها من المشاريع الاستثمارية، بجانب مشاريع الطاقة وإدارة المياه
وحسب وكالة الأنباء العراقية "واع" ، أكد السفير التركي على اهتمام بلاده بتطوير العلاقات الثنائية، فيما أبدى رجال الأعمال الأتراك استعدادهم للانطلاق في تنفيذ مشاريع استثمارية داخل العراق.
ويرى الخبير الاقتصادي جلال بكار أنّ التحركات الأخيرة تعكس مساراً متصاعداً في العلاقات العراقية التركية، مشيراً إلى أنّ بغداد تسعى إلى تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، في وقت أصبحت فيه تركيا لاعباً إقليمياً ودولياً يمتلك مقومات سياسية واقتصادية متنامية.
ويوضح في حديثه لـTRTعربي، أنّ الاقتصاد والاستقرار السياسي باتا مترابطين، وأن تطوير الشراكة مع تركيا يمكن أن يدعم توجه العراق نحو بيئة أكثر استقراراً، لاسيما مع تنامي الدور التركي في ملفات الطاقة والاقتصاد على مستوى المنطقة.
ويعتبر بكّار أنّ التقارب العراقي التركي ينسجم مع توجه إقليمي نحو تعزيز الشراكات الاقتصادية بين دول المنطقة لمعالجة التحديات المشتركة.
لقاءات موسعة
وتزامناً مع هذه الإجراءات، كثفت الوزارات العراقية لقاءاتها مع ممثلي الشركات التركية لبحث فرص الاستثمار في عدد من القطاعات الاستراتيجية، في مؤشر على رغبة بغداد في توسيع الشراكة الاقتصادية مع أنقرة.
وذكرت وكالة الأنباء العراقية في 2 يوليو/تموز أنّ وزير الصناعة والمعادن محمد نوري استقبل ممثلي شركات ورجال أعمال أتراك بحضور السفير التركي، حيث ناقش الجانبان آليات توسيع التعاون الصناعي والاقتصادي، واستعرض الوزير الفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات التركية في القطاع الصناعي.
وأضافت الوكالة أنّ السفير التركي أكد رغبة بلاده في تعزيز التعاون الصناعي مع العراق، مشيراً إلى استعداد الشركات التركية للمساهمة في تنفيذ المشاريع الاستثمارية داخل البلاد.
وفي السياق نفسه، أفادت "واع" بأنّ وزير الموارد المائية مثنى التميمي، بحث مع السفير التركي ووفد من رجال الأعمال فرص التعاون في تنفيذ مشاريع مائية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات التركية، مؤكداً أهمية توسيع التعاون مع الشركات التركية بما يعزز الأمن المائي في العراق.
كما ذكرت الوكالة أنّ وزير المالية فالح الساري ناقش مع ممثلي مجلس الأعمال العراقي-التركي آليات تسهيل دخول الشركات التركية إلى السوق العراقية، وتطوير التعاون المالي والمصرفي، مؤكداً التزام الحكومة بتوفير بيئة استثمارية آمنة وجاذبة، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبناء والصحة.
ويعتبر الدكتور صدام أن الاجتماعات المباشرة بين الوزراء العراقيين والمستثمرين الأتراك يمكن أن تختصر كثيراً من الإجراءات الإدارية، وتسهم في تسريع توفير التسهيلات المطلوبة للمشاريع المشتركة.
ويرى الخبير الاقتصادي أنّ استمرار هذا النهج من شأنه تسهيل دخول الشركات التركية إلى السوق العراقية، ورفع وتيرة تنفيذ المشاريع الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة.
آفاق الشراكة
وتعكس هذه التحركات توجهاً عراقياً لتوسيع التعاون مع تركيا عبر الاستثمار والإنتاج، وليس الاكتفاء بالتبادل التجاري، إذ تتقاطع التسهيلات الحكومية مع الاهتمام التركي بتوسيع حضور شركاته في السوق العراقية، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والمياه.
وتعزز هذه التوجهات الحضور القائم للشركات التركية في العراق؛ ففي 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال وزير التجارة التركي عمر بولاط، إنّ الشركات التركية نفذت 1145 مشروعاً في العراق بقيمة 36.6 مليار دولار، ما جعل العراق ثالث أكبر سوق للمقاولين الأتراك عالمياً، مؤكداً استعداد أنقرة لدعم مشاريع إعادة الإعمار، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية.
ويشير جلال بكار إلى أنّ مشاريع الطاقة قد تشكل المحرك الرئيس للشراكة العراقية التركية خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أنّ أمن الطاقة واستقرار المنطقة، ولا سيما في العراق وسوريا، سيؤديان دوراً محورياً في توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ويعتقد أنّ تنامي قدرات تركيا في قطاع الطاقة يعزز مكانتها كشريك اقتصادي للعراق، معتبراً أنّ هذا التحول يفتح المجال أمام تعاون أوسع في مشاريع الطاقة وأمن الإمدادات.
وبشأن الشركات التركية، يتوقع بكار أن يتركز نشاطها في مشاريع البنية التحتية والخدمات اللوجستية والإعمار، مرجحاً أن يتم تنفيذ جانب كبير من الاستثمارات عبر شراكات أو صيغ استثمار غير مباشرة لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية.
كما تتكامل هذه الخطوات مع مشاريع استراتيجية يتصدرها طريق التنمية، إلى جانب التعاون في مجالات النفط والنقل والغاز، وهي ملفات ينظر إليها البلدان بوصفها ركائز لشراكة اقتصادية طويلة الأمد، يمكن أن تعزز الترابط الاقتصادي بين العراق وتركيا والمنطقة.
ويعكس ذلك تنوع القطاعات التي تسعى بغداد إلى جذب الشركات التركية إليها، بما يتجاوز التعاون التجاري التقليدي إلى الاستثمار في البنية التحتية والخدمات والطاقة.
ويتوقع الدكتور صدام أن يؤسس الجانبان العراقي والتركي لمرحلة جديدة من التعاون الاستثماري، ترتكز على مشاريع كبرى مثل ميناء الفاو وطريق التنمية، إلى جانب التعاون في مجالات التجارة والنقل.
ويشير إلى أنّ توجه تركيا لزيادة حجم صادراتها إلى العراق، بالتوازي مع توسيع الاستثمارات، يعبّر عن رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى مستويات أوسع وأكثر استدامة.
ويبقى نجاح هذه التحركات مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية والإجراءات الحكومية إلى مشاريع استثمارية فعلية، بما يرسخ حضور الشركات التركية في العراق ويفتح مرحلة جديدة في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين.



















