رادارات تحت النار.. هل تفقد منظومات الدفاع الصاروخي بالشرق الأوسط أحد أهم ميزاتها الاستراتيجية؟
كشفت صور جوية متعددة تعرض عدد من منظومات الرادار الأمريكية في المنطقة لضربات أدت إلى خروج بعضها من الخدمة، في تطور يسلط الضوء على هشاشة أحد أهم مكونات شبكة الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الجمعة إلى تراجع مدة الإنذار المبكر في إسرائيل إلى أقل من دقيقتين، بعدما كانت تصل في الظروف الطبيعية إلى نحو ربع ساعة.
وقالت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية في بيان رسمي إن "رصد الرشقات الصاروخية وعمليات الإطلاق يتأثر بمجموعة متنوعة من العوامل العملياتية، ولذلك لا يمكن دائماً توفير وقت استعداد طويل بين التوجيه المسبق والإنذار، وقد يصل الإنذار أحياناً قريباً نسبياً من وقت تشغيل صافرات الإنذار".
وربط محللون هذا التراجع بالضربات التي تعرضت لها منظومات الإنذار والرادارات الأمريكية في المنطقة، والتي قد تكون أثرت في قدرات الكشف المبكر وتتبع الصواريخ.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، السبت، أن إيران باتت تركز على استهداف أنظمة الرادار التي تمثل "عيون" منظومات الدفاع الجوي في المنطقة، إذ أصابت عدداً منها خلال الأيام الأخيرة، ما أضعف قدرة الولايات المتحدة على رصد الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة وتعقبها.
وغالباً ما نُفذت هذه الضربات بواسطة طائرات مسيّرة انتحارية إيرانية من طراز "شاهد"، وهي وسائل منخفضة التكلفة مقارنة بالصواريخ الباهظة التي صُممت المنظومات الأمريكية المتقدمة لاعتراضها.
ونقلت الصحيفة عن رافي تشودري، المساعد السابق لوزير سلاح الجو الأمريكي لشؤون المنشآت، قوله إن الدفاعات الأمريكية "تعمل جيداً إلى حد كبير"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الإيرانيين يدركون طبيعة الأهداف التي يواصلون الضغط عليها، وفي مقدمتها مراكز القيادة والسيطرة وقدرات كشف الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة.
ويعد الرادار مكوناً حاسماً في منظومات اعتراض الصواريخ المتقدمة، إذ يتيح اكتشاف الصواريخ الباليستية في أثناء تحليقها نحو أهدافها وتتبعها وتوجيه عمليات اعتراضها. ووفقاً لشبكة CNN، تشغل الولايات المتحدة ثماني بطاريات من منظومة "ثاد"، فيما تمتلك الإمارات بطاريتين والسعودية بطارية واحدة.
وتعتمد منظومة "ثاد" على رادار فAN/TPY-2 المحمول الذي تصنعه شركة Raytheon، وتبلغ كلفته قرابة نصف مليار دولار، بحسب ميزانية وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية لعام 2025.
ويعمل هذا الرادار بتقنية المصفوفة النشطة للمسح الإلكتروني، ولا يقتصر دوره على خدمة منظومة "ثاد"، بل يستطيع أيضاً تزويد منظومات "باتريوت" ببيانات الرصد والاستهداف، كما يمكن نشره بوصفه مستشعراً مستقلاً ضمن شبكة دفاع جوي متكاملة أوسع.
ويؤكد خبراء، بحسب CNN، أن تضرر الرادار لا يعني بالضرورة شلل منظومة "ثاد" بالكامل، نظراً إلى وجود أصول وتكوينات بديلة يمكن الاعتماد عليها، لكنه يقلص بلا شك من كفاءتها ومرونتها العملياتية.
وفي هذا السياق، قال إن. آر. جينزن-جونز، خبير الذخائر ومدير شركة Armament Research Services، إن الرادار لا يمكن تعويضه بسهولة، واصفاً خسارته بأنها مؤثرة للغاية من الناحية العملياتية.
وأوضح أن رادار AN/TPY-2 يشكل عملياً قلب بطارية "ثاد"، إذ يتيح إطلاق الصواريخ الاعتراضية ويسهم في تشكيل صورة متكاملة للدفاع الجوي الشبكي.
وأضاف أن فقدان رادار واحد فقط من هذا النوع يمثل خسارة كبيرة، مرجحاً أن يتطلب تعويضه إعادة نشر وحدة بديلة من موقع آخر، وهو ما يستغرق وقتاً ويتطلب جهداً إضافياً.
كما أشار جينزن-جونز إلى أن منظومة "ثاد" تتمتع بنطاق اشتباك واسع يسمح لها بحماية مساحات كبيرة، لكنها تحتاج أيضاً إلى العمل ضمن طبقات متعددة من الدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب منظومات مثل "باتريوت"، لضمان تغطية فعالة ضد أنواع مختلفة من التهديدات، وكذلك لتوفير قدر من الحماية للبطارية نفسها.
وفي السياق ذاته، يرى موقع The War Zone أن فقدان الرادارات الرئيسية، حتى لو كان مؤقتاً، قد يضعف القدرة اللاحقة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما يزيد احتمالات نجاح الهجمات اللاحقة. كما أن تعطيل رادارات الدفاع الصاروخي في مواقع عالية القيمة قد يجعل تلك المناطق أكثر عرضة لضربات إضافية، فضلاً عن أنه يقلص مستوى الوعي الميداني العام لدى مستخدمي هذه الأنظمة، وقد يخلّف تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم نفسه.
أما الرادار الآخر الذي تعرض للاستهداف في المنطقة فهو من طراز AN/FPS-132. ووفقاً لتحليل صور أقمار صناعية من شركة Planet Labs حصل عليها معهد Middlebury للدراسات الدولية في مونتيري، فإن الرادار الضخم الثابت من هذا النوع في قطر تعرض لأضرار خلال هجوم إيراني في اليوم الأول من الصراع. وتشير الصور إلى إصابة واحد على الأقل من الأوجه الثلاثة للرادار، إضافة إلى مؤشرات على اندلاع حريق في الموقع.
ويعد AN/FPS-132 من الرادارات العملاقة الثابتة للإنذار المبكر، ويعتمد على تقنية المصفوفات المرحلية الصلبة. وتستخدم هذه الأنظمة أساساً لرصد الصواريخ الباليستية القادمة وتوفير إنذار مبكر يسمح بتفعيل منظومات الدفاع الصاروخي.
وعندما وافقت الحكومة الأمريكية على بيع رادار AN/FPS-132، إلى جانب مجموعة من الملحقات والخدمات، إلى قطر عام 2013، قُدرت قيمة الصفقة بنحو 1.1 مليار دولار، أي ما يزيد قليلاً على 2.1 مليار دولار اليوم بعد احتساب التضخم. ويستغرق الحصول على مثل هذه الأنظمة سنوات، وفقاً لموقع The War Zone.
كما يشكل هذا الرادار جزءاً من شبكة أوسع من أنظمة الإنذار المبكر الاستراتيجية التي تشغلها القوات الأمريكية في عدة مواقع داخل الولايات المتحدة وفي غرينلاند. وتشغل القوات الجوية الملكية البريطانية نظاماً مماثلاً في قاعدة RAF Fylingdales في المملكة المتحدة.
ووفقاً للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تمتلك الولايات المتحدة خمسة من هذه الأنظمة الثابتة ضمن شبكة الإنذار المبكر في أمريكا الشمالية المصممة لحماية الأراضي الأمريكية من الهجمات الصاروخية.
ولم يقتصر التوجه نحو استهداف منظومات الاتصال على إيران، بل امتد أيضاً إلى حزب الله الذي كثف خلال الفترة الأخيرة عملياته ضد الرادارات ومنظومات الاتصال والاستطلاع الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، أعلن الحزب الاثنين استهداف محطة الاتصالات والأقمار الصناعية التابعة لشعبة الاتصالات والدفاع السيبراني في جيش الاحتلال، الواقعة في وادي إيلا وسط إسرائيل.
وسبق أن أعلن الحزب تنفيذ هجوم بسرب من "المسيّرات الانقضاضية" استهدف مواقع رادارات وغرف تحكم في قاعدة "رامات دافيد" الجوية شمالي إسرائيل. كما أعلن استهداف قاعدة "ميرون" الخاصة بالمراقبة وإدارة العمليات الجوية، مشيراً إلى إصابة أحد الرادارات ومبنى قيادي داخل القاعدة.
كذلك أعلن الحزب استهداف رادارات منظومة "القبة الحديدية" في موقع "كريات إيلعيزر"، الذي قال إنه يشكل قاعدة الدفاع الجوي الرئيسية في مدينة حيفا، وذلك برشقة من "الصواريخ النوعية" دون تحديد نوعها.