السوق السوداء.. صناعة الاحتلال الإسرائيلي لتفكيك اقتصاد غزة
أجبرت ندرة المساعدات وسياسات الحصار في غزة الجرحى والمواطنين على اللجوء للسوق السوداء لشراء مستلزمات أساسية بأسعار مضاعفة، وسط انهيار الاقتصاد الرسمي واحتكار السلع وتفاقم الأزمة الإنسانية.
لم تكن تتخيل الشابة الغزية سمر عودة (19 عاماً) أن إصابتها ستتحول إلى عبء اقتصادي جديد يثقل كاهل عائلتها المنهكة أصلاً من الحرب.
بعد تعرضها لإصابة خلال الحرب على غزة أفقدتها قدرتها على المشي لتجد نفسها أسيرة الفراش، ما جعلها تعيش رحلة بحث مريرة لتوفير كرسي متحرك لها يفترض أن تحصل عليه مجاناً ضمن المساعدات الإنسانية المخصصة للجرحى.
طرقت الكثير من الأبواب من دون أي استجابة من المستشفيات والنقاط الطبية التي تتابع حالتها لتوفير الكرسي المتحرك، وكانت الأعذار جاهزة: "نفاد المخزون الطبي" تقول سمر.
فكانت تنقل على أكتاف أفراد عائلتها كلما احتاجت للخروج أو تلقي العلاج، وتضيف: "كنت أشعر أنني عبء ثقيل، ليست إصابتي التي آلمتني، بل تداعياتها، فأنا محرومة من أبسط حقي، وهو توافر كرسي متحرك".
مع تدهور حالتها النفسية والجسدية، لم تجد سمر خياراً سوى اللجوء إلى السوق السوداء لشراء كرسي متحرك لها، وهناك عُرض عليها كرسي مستعمل بحالة ليست الأفضل، لكنه على الأقل يمنحها فرصة الاعتماد على نفسها في الحركة، وبسعر يفوق قدرة أسرتها على تحمّله.
تروي سمر لـTRT عربي : "شاهدت إعلاناً عبر صفحات فيسبوك لأحد يعرض كرسياً متحركاً للبيع، وعندما سألته عن السعر قال 500 شيكل، ما يعادل 150 دولاراً أمريكياً، شعرت بالامتعاض وأخبرته أليس من المفترض أن أحصل عليه مجاناً؟ فكان جوابه: هذا ليس شأني بل شأن المستشفيات".
اضطرت العائلة لبيع مصاغ ذهب كان بحوزة والدتها لتدفع ثمن الكرسي، تتابع سمر بصوت متعب: "دفعت ثمن إصابتي مرتين؛ مرة عندما فقدت قدرتي على المشي، ومرة عندما اشتريت الكرسي المتحرك من السوق السوداء".
يشرح أحد الوسطاء العاملين في تجارة المستلزمات الطبية المستعملة وغيرها من السلع في السوق السوداء لـTRT عربي أن أسعار الكراسي المتحركة والعكازات والأدوات الطبية والكثير من السلع ارتفعت أكثر من ثلاثة أضعاف منذ بداية الحرب، معتمداً على عاملين رئيسين: انقطاع الاستيراد وتزايد الطلب عليها.
يقول بوضوح: "العرض قليل والطلب كبير، والناس مضطرة".
ويضيف أن هذه السوق السوداء أصبحت مصدر رزقه بعد أن فقد عمله كسائق أجرة بسبب الحرب، معتمداً على شراء هذه المستلزمات من أفراد مقابل هامش ربح ثم إعادة بيعها في السوق السوداء.
إسرائيل تعزز السوق السوداء
تحولت المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية في غزة خلال عامين من حق إلى سلعة تُباع في سوق سوداء مزدهرة بفعل سياسات إسرائيلية ممنهجة خلقت الندرة وفككت الرقابة.
هذه السوق ليست وليدة المصادفة، بل نتاج تخطيط استراتيجي لإخراج الاقتصاد الرسمي عن العمل ودفع السكان للاعتماد على بدائل غير رسمية. بذلك، أصبح الغزيون أسرى نظامٍ يحول حاجاتهم اليومية إلى معركة من أجل البقاء.
يقول المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر لـTRT عربي، إنه منذ بداية الحرب، تعمد الاحتلال الإسرائيلي تدمير المصانع ومنع استيراد العديد من السلع والمواد الخام بحجة "الاستخدام المزدوج"، ما أدى إلى انهيار القطاع الصناعي في غزة، كما أدت إجراءات الاحتلال بتدمير البنوك ومنع دخول العملة الورقية إلى تفاقم أزمة السيولة، وظهور ظاهرة "التكييش" مقابل فوائد ربوية مرتفعة، مع غياب دور القطاع المصرفي.
وأشار إلى أن إٍسرائيل شجعت احتكار عدد من التجار -الذين نشؤوا اقتصادياً خلال الحرب- على احتكار السيولة والسلع بكل أصنافها وتحكموا بها وفق مصالحهم، ما عزز السوق السوداء وأصبحت جزءاً يومياً من حياة السكان. بينما وتمنع إسرائيل إدخال بعض السلع في المساعدات الإنسانية، على حين تسمح للتجار بإدخالها وفق المزاجية الإسرائيلية ما يكشف اختلالاً في منظومة الإغاثة.
ورغم أن البروتوكول الإنساني يحدد دخول 600 شاحنة مساعدات يومياً، إلا أن إسرائيل لا تسمح بدخول سوى 200 شاحنة، مع فرضها رسوماً عالية تعرف بـ" تنسيقات تجارية" على الشاحنات التي قد تصل إلى مليون شيكل، وخاصة في شاحنات الطاقة الشمسية. وفق أبو قمر.
كذلك يبين أن سياسة الاحتكار التي صنعتها إسرائيل واضحة من خلال تحديد عشرة تجار فقط لاستيراد السلع عبر أربع شركات إسرائيلية، مع تحكمها بنوعية وكميات السلع، ما يؤدي إلى تأخير أو رفض الطلبات، وغياب الشفافية في آلية اختيار هؤلاء التجار، ويسير إلى أحد التجار لسوق غاز الطهي والوقود ويحقق أرباحاً يومية تقدر بـ250-300 ألف دولار، لأن الاحتلال يمنع إدخال الوقود لغيره.
للتقليل من السوق السوداء، يرى أبو قمر ضرورة فتح المعابر من دون قيود، وإنهاء احتكار الاستيراد، والسماح لأي تاجر مسجل بإدخال البضائع، ما سيخلق تنافساً يخفض الأسعار ويزيد توافر السلع تحت رقابة الجهات المختصة.
أتاوات غير قانونية
تماهياً مع ذلك، رفضت الغرف التجارية الصناعية والزراعية في غزة آليات الاحتلال بتنسيق إدخال البضائع الحالية عبر تجار معينين خلال وثيقة مناصرة صدرت عنها، بتاريخ 5 يناير/كانون الثاني 2026 مؤكدة أنها تعزز الاحتكار وترفع الأسعار وتعوق حركة التجارة.
وأظهر استفتاء شارك فيه 366 تاجراً أن الأغلبية تعتبر الآلية غير شفافة، ويفرضون عليها أتاوات غير قانونية.
طالبت الغرف بإلغاء هذه الآليات وفتح الاستيراد لجميع التجار المرخصين، مع فصل الاستيراد التجاري عن الإنساني، وتفعيل دورها في الرقابة لضمان شفافية وعدالة السوق، معتبرة ذلك ضرورة إنسانية واقتصادية في ظل الأزمة المستمرة.
وجد المواطن محمود السطري (32 عاماً)، النازح من دير البلح وسط غزة، نفسه محاصراً بين جوع أطفاله الثلاثة وخوف زوجته من إشعال النار داخل الخيمة بسبب الاختناق. بعد أن فشل مراراً في الحصول على أسطوانة غاز من نقاط التوزيع الرسمية التي ترد عليه دائماً بـ"دورك لم يأتِ بعد"، اضطر محمود لشراء الغاز من السوق السوداء.
يشرح محمود لـTRT عربي أزمته قائلاً: "اشتريت مؤخراً أسطوانة غاز الطهي بسعر 120 شيكلاً للكيلو، رغم أن السعر الرسمي لتعبئة الأسطوانة 6 كيلو لا يتجاوز 65 شيكلاً، موزعو الغاز يسيطرون على التوزيع وفق أهوائهم، ورغم شعوري بالاستغلال، لم يكن أمامي خيار سوى الشراء أو ترك أطفالي يعانون الجوع".
يضيف محمود: "تحول غاز الطهي من حق أساسي إلى سلعة نادرة تُباع في السوق السوداء، مثل العديد من السلع الأخرى التي يقل توافرها بفعل الحصار الإسرائيلي وسياسات التقييد، ولا أعرف متى سيكون دوري في التوزيع الرسمي".
رغم علمه بأن كل شراء من السوق السوداء يُغذي منظومة الاستغلال والاحتكار التي تفرضها السياسة الإسرائيلية على غزة، فإن محمود مجبر على ذلك، لا مخير، في ظل واقع قاسٍ لا يترك له سوى خيار البقاء على قيد الحياة بأي ثمن.