من الاعتماد الأمني إلى الاستقلال الاستراتيجي.. تركيا وكوريا الجنوبية نموذجاً
تركيا
5 دقيقة قراءة
من الاعتماد الأمني إلى الاستقلال الاستراتيجي.. تركيا وكوريا الجنوبية نموذجاًلا تكمن أهمية التعاون الدفاعي بين الدول في نوعية السلاح الذي تحصل عليه دولة أو الفائدة المالية التي تجنيها الدولة الأخرى فحسب، بل أيضاً في مساهمة هذه العملية في بناء قدرات الدول الأمنية وامتلاكها المعرفة والتكنولوجيا.
يسعى كل بلد للاستفادة من قدرات الأخر من أجل توسيع خياراته أمام القوى الكبرى وتجاوز القيود المفروضة عليه

وفي ظل استحالة الاستغناء عن الخارج، تعمل بعض القوى المتوسطة على تحويل الحاجات الأمنية إلى صناعات دفاعية وتوظف التعاون مع بعضها البعض لتنتقل من عملية شراء الأسلحة إلى امتلاك معرفتها وأدوات إنتاجها وتطويرها، كما تعمل على إعادة ضبط العلاقات التجارية لتتجاوز الرفع الكمي للصادرات والواردات نحو تطوير القدرات الإنتاجية.

ومن هنا، يمكن أن تشكل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لكوريا الجنوبية وما حملته من تفاهمات واتفاقيات مدخلاً لقراءة العلاقة بين البلدين بما يتجاوز حصيلة الاتفاقيات المباشرة التقليدية نحو ربط الأمن بالتنمية الصناعية ومناقشة حدود هذا النموذج الذي تشكله علاقة تركيا مع كوريا الجنوبية.

في هذا السياق، التقى الرئيس أردوغان نظيره الكوري الجنوبي واتفقا على عدة أمور، منها توسيع التعاون النووي بما يشمل خطط تركيا المتعلقة بمحطة سينوب للطاقة النووية، وفي إطار الزيارة، أعلن الرئيس الكوري توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في تمويل محطات الطاقة النووية، مما يجعل كوريا الجنوبية أقرب نحو التعاون في مشروع سينوب، كما جرى التفاهم على زيادة التعاون في مشاريع الصناعات الدفاعية بعد نجاح عدة نماذج مشتركة، خاصة فيما يتعلق بمشروع الدبابة التركية الوطنية "ألطاي".

وجود حليف خارجي غير كافٍ

ارتبطت كل من تركيا وكوريا الجنوبية بعلاقات تحالفية مع الولايات المتحدة، سواء في حلف (الناتو) مع تركيا أو من خلال وجود التزام عسكري أمريكي مع كوريا الجنوبية، وتحديداً منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن هذا الارتباط مع الولايات المتحدة لم يجعل الدولتين متوقفتين عنده كمظلة أمنية كافية مثلما فعلت دول كثيرة وخاصة في أوروبا والخليج.

وقد تعلمت الدولتان دروساً من التجارب التاريخية، إذ تعرضت تركيا لحظر أمريكي فيما يتعلق بالسلاح بعد التدخل التركي العسكري في قبرص لحماية القبارصة الأتراك في عام 1974، وأدركت أنقرة أن الوجود في تحالف مع الولايات المتحدة لا يضمن الحصول على السلاح في جميع الظروف.

كما أن كوريا الجنوبية عندما تعرضت لتهديد من كوريا الشمالية واجهت تراجعاً في الالتزام العسكري الأمريكي تجاهها، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي نيكسون، وبالتالي فإن الدولتين كانتا أمام تطبيق مقاربة تحويل الاعتماد الأمني على الخارج إلى قدرة إنتاجية محلية ومن ثم توسيع هوامش القرار والنفوذ من خلال استخدام هذه القدرات.

وتقريباً في الحقبة نفسها بدأت تركيا وكوريا الجنوبية بشكل منفصل في هذا المسار، إذ بدأت كوريا الجنوبية في مطلع السبعينيات تطوير الصناعات الثقيلة واستهدفت قطاعات الصلب وبناء السفن والإلكترونيات والبتروكيماويات بدوافع اقتصادية وأمنية متداخلة، وبدأت تركيا بعد حظر 1974 بوضع اللمسات الأولى لهذا المسار وقامت بعدة مبادرات، وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنشأت أجهزة مختصة بالصناعات الدفاعية.

ولعل الفارق بين التجربتين هنا في مركز الثقل، فقد اتصل البناء الدفاعي في كوريا الجنوبية في السبعينيات بمشروع شامل للتصنيع الثقيل، فيما برز في تركيا جهاز متخصص يربط الاحتياجات العسكرية بالقاعدة الصناعية المحلية والتعاون التكنولوجي الخارجي.

من الحاجة الأمنية إلى المنافسة في أسواق السلاح

مع استمرار الاهتمام بتلبية الاحتياج المحلي وتجاوز الإنتاج المحلي للاحتياج، يظهر بوضوح التحول من الحاجة الأمنية إلى الصناعات الدفاعية المنافسة في الأسواق الخارجية، وقد ظهر هذا بوضوح مع مسيّرات بيرقدار التركية والسفن الحربية، خاصة مع تلبيتها مواصفات جديدة، وفي ظل تغير طبيعة الأسلحة في الحروب الحديثة استطاعت تركيا أن تضع لها قدماً في عملية التسويق الخارجي، كما أن التجربة القتالية لبعض هذه الأسلحة أدت إلى تعزيز جاذبيتها وازدادت أهمية العملية مع تنوع الصادرات التي شملت مدرعات وذخائر وأنظمة رادارات وسفناً ومعدات أخرى.

وفي كوريا الجنوبية أدى التنافس السريع مع كوريا الشمالية ضمن عملية توازن القوى إلى تسريع عملية إنتاج المنظومات العسكرية الرئيسية مثل الدبابات والمدافع والطائرات القتالية الخفيفة من خلال خطوط إنتاج قائمة على التسليم السريع، وجعلت فكرة التسليم السريع كوريا الجنوبية جذابة للعديد من الدول التي تريد تسليماً سرياً، بالإضافة إلى كلفة تنافسية.

وهنا، فإن كلاً من تركيا وكوريا الجنوبية تحولتا من مستورد يستجيب للتهديدات عبر استيراد السلاح من الخارج إلى منتج يحول جزءاً من الإنفاق إلى معرفة وصناعات وصادرات، والآن هناك عملية قيد الانتقال نحو التعاون في الإنتاج المحلي لدى الدول المشترية.

تجاوز القيود

بالتأكيد يسعى كل بلد للاستفادة من قدرات الآخر من أجل توسيع خياراته أمام القوى الكبرى وتجاوز القيود المفروضة عليه، وقد أُعلن اتجاه يهدف إلى توسيع الإنتاج الدفاعي المشترك والتعاون التكنولوجي واستكشاف التصدير المشترك إلى دول ثالثة، ولكن يكمن التحدي في تحويل هذا الاتجاه إلى منظومة تكامل فاعلة.

تبرز في سياق التكامل بين البلدين قضية مشروع دبابة ألطاي التركية التي استفادت من الدعم التقني الكوري ومن المحركات ونواقل الحركة، فبينما تملك تركيا مشروع المنصة أسهمت كوريا في تزويدها بالمحركات في مرحلة مهمة عندما أوقفت ألمانيا تصدير المحركات لتركيا بعد 2019 بسبب اعتراضها على سياسة تركيا في سوريا، ولكن تركيا واصلت إكمال المشروع الاستراتيجي عبر التعاون مع كوريا الجنوبية، وكانت تركيا قد أجت عدة تجارب مع كوريا الجنوبية قبل حصول الأزمة مع ألمانيا، وبينما تعززت مرونة أنقرة في مشروع استراتيجي، فقد استفادت كوريا من خلال توسيع سوق التكنولوجيا لديها أيضاً عبر الدخول في منصات ينتجها شريك لها.

ويأتي في هذا السياق القدرة على بناء منظومات مشتركة في تخصصات مختلفة، فليس شرطاً إنتاج السلاح نفسه، ولكن يمكن التكامل في المنصات وأنظمة الاستشعار، ويمكن تطوير خبرة التعاون في دبابة ألطاي إلى تعاون في مشاريع أخرى، وقد برزت معلومات أولية حول إمكانية التعاون في مجال السفن البحرية.

ولا يقتصر التكامل بين قوتين متوسطتين على إنتاج السلاح، فكل ما من شأنه أن يساهم في قدرات الدولة سيكون موضعاً محتملاً للتعاون، وعلى سبيل المثال، فإن تركيا التي تبحث عن تقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة خاصة في ظل أزمة الوقود الحالية، تسعى للحصول على الطاقة النووية السلمية كما في مشروع سينوب على البحر الأسود، وتحاول تركيا حالياً الوصول إلى أفضل اتفاق، وتوجد حالياً مباحثات مع كل من كوريا الجنوبية وكندا.

ويشمل التعاون أيضاً مجالات مثل الموارد الطبيعية وتنويع سلاسل إمداد المعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات، وهذه مجالات ليست بعيدة عن القدرات العسكرية أيضاً.

يحاول البلدان تنويع خياراتهما من دون تهديد علاقاتهما بالتحالفات القائمة، وخاصة مع قوة كبرى مثل الولايات المتحدة، ولكنهما يعملان على فتح مسارات جديدة في الإنتاج المشترك والتسويق تساعد على توزيع التكلفة، كما أن الجمع بين الدفاع والطاقة النووية يمكن أن يساهم في تقوية نفوذ الطرفين.

وتحاول تركيا في هذا السياق التغلب على بعض التحديات، وعلى رأسها عدم التوازن الاقتصادي، فمقابل الواردات التركية الكبيرة من كوريا تسعى تركيا لزيادة الاستثمارات الكورية، وإذا نجحت تركيا وكوريا، فإن تشابه طموح البلدين في عدة ملفات، ومنها الصناعات الدفاعية والرغبة في بناء قدرات إنتاج محلية والتصدير لأسواق متعددة، يمكن أن يحول قدراتهما إلى مصدر قوة مشتركة.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
فضيحة انهيار بنك تطيح برئيس باراغواي وتضعه قيد الإقامة الجبرية
الولايات المتحدة تعرض 20 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن البرنامج النووي الإيراني
تداعيات هزيمة الجمهوريين تصل إلى البيت الأبيض.. ترمب يستبدل رئيسة موظفيه
قالن: لن يكون في الشرق الأوسط سلام بلا حل عادل للقضية الفلسطينية
مسوغات الفزع الإسرائيلي من نتائج انتخابات الكونغرس النصفية
مصر تؤكد اكتشاف غاز في البحر المتوسط بتقديرات أولية تبلغ 200 مليار قدم مكعب
بلومبرغ: واشنطن وطهران تقتربان من اتفاق لإنهاء الحرب.. وإيران تعلن إسقاط مسيّرة أمريكية
أردوغان: اتفاق غزة معطل والوفاء بالعهود الدولية غائب وإرهاب المستوطنين يتصاعد في الضفة
فيدان يلتقي رئيس جمهورية شمال قبرص التركية في العاصمة لفكوشا
بمشاركة الرئيس أردوغان.. انطلاق النسخة العاشرة من TRT World Forum بإسطنبول
غزة.. استشهاد فلسطينيين متأثرين بإصابتيهما جراء هجمات إسرائيلية وسط تفاقم أزمة الإيواء
فيدان: حلف مكة الدفاعي مفتوح أمام دول المنطقة التي تتبنى رؤية مشتركة للسلام
ترمب: سيطرنا على مضيق هرمز بخسارة 18 جندياً ومستعدون لتحرك إضافي ضد إيران
السفير الأمريكي لدى تل أبيب: لا وضوح بشأن موعد وقف المساعدات العسكرية
قاضية أمريكية توقف مؤقتاً مشروع ترمب لبناء قوس نصر في واشنطن