"المسيحية ضربٌ من الوثنية"... هكذا يسوّغ المتطرفون اليهود اعتداءاتهم ضد المسيحيين
الحرب على غزة
5 دقيقة قراءة
"المسيحية ضربٌ من الوثنية"... هكذا يسوّغ المتطرفون اليهود اعتداءاتهم ضد المسيحيينأثارت حادثتا الاعتداء اللتان شنّهما جنودٌ من جيش الاحتلال الإسرائيلي على رموز دينية مسيحية في قرى جنوب لبنان مؤخراً، بما في ذلك تدمير تمثال للمسيح وإهانة تمثال للسيدة مريم، ردودَ فعلٍ واسعة النطاق في العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا
تشمل الاعتداءات ضد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية اعتداءات مباشرة على القساوسة والعاملين في السلك الكنسي / Reuters

وأسهم نشر جنود الاحتلال توثيقَ اعتداءاتهم على منصات التواصل الاجتماعي في لفت أنظار العالم إلى طبيعة تعاطي قطاع واسع من اليهود في إسرائيل مع المسيحيين والمسيحية.

وتمثل الاعتداءات التي شنّها الجنود على الرموز المسيحية في جنوب لبنان امتداداً لسلسلة طويلة من الاعتداءات التي يتعرض لها المسيحيون الفلسطينيون والمقدسات المسيحية في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

وتشمل الاعتداءات ضد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية اعتداءات مباشرة على القساوسة والعاملين في السلك الكنسي، بما في ذلك البصق عليهم وإهانتهم والاعتداء عليهم جسدياً، إلى جانب تنفيذ عمليات نهب وسطو على الكنائس والأديرة، ولا سيما في القدس المحتلة.

وحسب تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" في الأول من مايو/أيار الجاري، فإن إقدام شبان يهود على البصق على رجال الدين المسيحيين وإهانتهم، وكتابة شعارات عنصرية ضد المسيحية على جدران الكنائس والأديرة، "أصبح مشهداً يومياً" في القدس المحتلة، ومن بين الشعارات التي يكتبها هؤلاء الشبان على جدران الأديرة والكنائس: "الموت للمسيحيين الكفار". 

وحسب تقرير صدر عام 2025 عن مركز "JCJCR" المتخصص في دراسة العلاقة بين اليهود والمسيحيين في الأراضي الفلسطينية، فقد جرى خلال عام 2024 توثيق 111 هجوماً شنّه يهود على المسيحيين والأماكن المقدسة المسيحية في القدس، من بينها 35 حادثة نهب وسطو، استهدفت كنائس وأديرة ومؤسسات تعبّر عن الرموز المسيحية.

 كما تضمن التقرير نتائج استطلاع أُجري في أوساط المسيحيين في القدس، أظهرت أن 48% من الشباب المسيحي-الفلسطيني يفكرون في الهجرة من المدينة؛ إذ أوضح 77% ممن يفكرون في الهجرة أن السبب يعود إلى سياسة التمييز ضدهم، وإلى تصاعد وتيرة الاعتداءات اليهودية التي تستهدفهم.

دور تشكيل "شارة الثمن" في الاعتداءات ضد المسيحيين

لقد لعب تشكيل "شارة الثمن" الإرهابي اليهودي، وهو أحد التشكيلات المتفرعة عن تنظيم "فتية التلال"، دوراً مركزياً في تنظيم الاعتداءات ضد المسيحيين. فمنذ مطلع عام 2015، شرع التنظيم في شن اعتداءات واسعة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في الضفة الغربية والقدس وداخل إسرائيل.

وتمثل أخطر هذه الاعتداءات في إحراق كنيسة "الخبز والسمك" الواقعة على ضفاف بحيرة طبريا في 18 يونيو/حزيران 2015. وقد دلّت التحقيقات حينها على أن منفذي هذه الجريمة قدموا من مستوطنة "يتسهار" الواقعة قرب مدينة نابلس، والتي تخضع لتأثير الحاخام إسحاق غينزبرغ، الذي يُعد المرجعية الرئيسية لتنظيم "فتية التلال"، ومؤلف المصنف الفقهي "تبارك الرجل"، الذي ضمّنه "المسوغات الشرعية" التي تبرر إقدام الإرهابي باروخ غولدشتاين على تنفيذ مجزرة المسجد الإبراهيمي في 25 فبراير/شباط 1994، والتي استشهد فيها 29 فلسطينياً، وجُرح العشرات، بينما كانوا يؤدون صلاة الفجر.

ويلفت الصحافي يوسي ليفي، الذي أعد تحقيقاً للقناة "13" حول اعتداءات اليهود على المسيحيين في القدس المحتلة، إلى أن جنوداً من الجيش الإسرائيلي باتوا يشاركون في تنفيذ هذه الاعتداءات، ولا سيما البصق على القساوسة. وتساءل ليفي، في تغريدة نشرها على منصة إكس: "تخيّلوا فقط كيف ستكون ردة فعل اليهود لو أن مسيحياً بصق على يهودي في أوروبا".

نخب مرتبطة بحكومة نتنياهو تسوّغ الاعتداء على المسيحيين

لكن التعبير عن مظاهر العنصرية والعداء تجاه المسيحيين لا يقتصر على هوامش اليمين الديني اليهودي، بل بات يتعداه إلى نخب تمثل تيار اليمين العام. ففي أغسطس/آب 2023، قاد آرييه كينغ، نائب رئيس بلدية الاحتلال في القدس المحتلة، والمنتمي إلى حزب الليكود الحاكم، مظاهرة ضد انعقاد مؤتمر لرجال الدين المسيحيين في القدس.

ومن بين أكثر المتحمسين للاعتداءات ضد المسيحيين الحاخام بنتسي غوفشتاين، رئيس منظمة "لاهفا" المتطرفة، الذي يقدمه الإعلام الإسرائيلي بوصفه "المستشار الأكثر تأثيراً" لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. ويُذكر أن غوفشتاين وبن غفير كانا عضوين في حركة "كاخ" المتطرفة التي أسسها الحاخام مئير كهانا.

وقد دافع غوفشتاين بشكل صريح عن جرائم إحراق الكنائس في الأراضي المحتلة خلال مشاركته في مؤتمر "فقهي" نُظم في القدس المحتلة في ديسمبر/كانون الأول 2018؛ إذ قال: "إن الشريعة اليهودية توجب إحراق الكنائس، لأنه لا يجوز التعبّد بالنصرانية في أرض إسرائيل".

ويرى الكاتب الإسرائيلي ران إيدليست أن تصاعد وتيرة الاعتداءات على المسيحيين في القدس والأراضي المحتلة يرتبط بالسياسات التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية الحالية.

 وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف"، لفت إيدليست إلى أن مشاركة ممثلي التيار اليهودي الخلاصي في حكومة بنيامين نتنياهو الحالية أجّجت الشعور بمضامين الهوية اليهودية، التي يمثل تحدي الديانات الأخرى، بما فيها المسيحية، أحد أبرز تعبيراتها.

المسيحية "ضرب من الوثنية"

وتستند الاعتداءات على المسيحيين والمقدسات والرموز المسيحية إلى تأصيل فقهي يهودي راسخ؛ إذ يستند كثير من الحاخامات إلى فتوى أصدرها الحاخام موسى بن ميمون، الذي عاش في القرن الثاني عشر، واعتبر فيها المسيحية "ضرباً من ضروب الوثنية"، ولا يجوز السماح بالتعبد بها في أرض إسرائيل.

وقد طرح الحاخام يوئيل عميطال "تأصيلاً" فقهياً يستند إلى فتوى الحاخام موسى بن ميمون، في مقال بعنوان "المسيحية وثنية"، نشره موقع "يشيفات شعلفيم".

وتبدو المفارقة في أن تصاعد وتيرة الاعتداءات ضد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة يأتي رغم أن أحد أبرز مصادر القوة التي تؤمن الدعم الأمريكي لإسرائيل يتمثل في إسناد التيار المسيحي الإنجيلي، الذي يشكل أتباعه الأغلبية الساحقة من قاعدة مؤيدي الرئيس دونالد ترمب. وليس هذا فحسب، بل إن التيار الإنجيلي ينشط في جمع التبرعات لدعم المشاريع الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

لكن نوعا لاندو، مساعدة محرر صحيفة "هآرتس"، ترى أن الاعتداءات على المسيحيين، التي تنفذها جماعات يهودية ترتبط بشكل وثيق بأحزاب مشاركة في حكومة بنيامين نتنياهو، قد تشكل ضربة قاضية للتحالف الذي نجح نتنياهو في تدشينه بين اليمين الإسرائيلي والتيار الإنجيلي المسيحي.

وفي مقال نشرته الصحيفة الأسبوع الماضي، أوضحت لاندو أن نتنياهو نجح في توظيف التحالف مع الإنجيليين لتحقيق مكاسب استراتيجية، مشيرة إلى أن الرئيس ترمب ما كان ليتخذ قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس خلال ولايته الأولى، لولا ضغط التيار الإنجيلي، الذي تنتمي إليه أغلبية قاعدته الانتخابية.

وحسب لاندو، فإن رجال أعمال من التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة لم يترددوا في تقديم تبرعات سخية لحملات نتنياهو الانتخابية. كما أبرزت أن بعض نخب اليمين الأمريكي باتت توظف المشاهد التي توثق اعتداءات اليهود على المسيحيين في الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها. وأشارت بشكل خاص إلى الحملة التي يشنها الصحافي تاكر كارلسون، الذي كان من أوثق مؤيدي ترمب، ضد إسرائيل، وتحديداً بسبب الاعتداءات اليهودية على المسيحييين.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
"المسيحية ضربٌ من الوثنية"... هكذا يسوّغ المتطرفون اليهود اعتداءاتهم ضد المسيحيين
وسط ضغوط أمريكية متصاعدة.. ما مستقبل الحشد الشعبي في العراق؟
"أنقرة ترد على اعتراض يوناني بالأمم المتحدة بشأن مصطلح “المضايق التركية”
"الحوثي" تهدد بتوسيع المواجهة إذا استؤنف العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران
داخل معرض "ساها".. كيف تفكر الصناعات الدفاعية التركية؟
سانشيز يدافع عن اللاعب لامين يامال بعد رفعه العَلَم الفلسطيني خلال احتفالات برشلونة
16 مصاباً في انفجارات وهجمات إسرائيلية بقطاع غزة ومسؤول دولي يدعو لوقف خروقات الهدنة
"حزب الله" يعلن الاشتباك مع قوة إسرائيلية وتنفيذ 10 هجمات جنوبي لبنان
روسيا تربط التعاون الاقتصادي مع واشنطن بفصل التجارة عن مفاوضات أوكرانيا
بمشاركة 54 سفينة.. “أسطول الصمود العالمي” ينطلق الخميس من مرمريس التركية لكسر حصار غزة
إيران: السيطرة على مضيق هرمز قد تدر عائدات تفوق النفط
ترمب يصل إلى الصين في أول زيارة لرئيس أمريكي منذ 2017
14 قتيلاً في لبنان خلال 24 ساعة.. إسرائيل تكثف هجماتها و"حزب الله" يرد بصواريخ ومسيّرات
أرمينيا ترحب بإعلان تركيا رفع القيود التجارية معها وتعبتره "تقدماً مهماً نحو علاقات طبيعية"
واشنطن وبكين تبحثان في سيول تعزيز التعاون الاقتصادي قبيل زيارة ترمب إلى الصين