خريطة التضليل  في سوريا.. من أين تبدأ الحملة وأين تنتهي؟
سوريا الجديدة
6 دقيقة قراءة
خريطة التضليل  في سوريا.. من أين تبدأ الحملة وأين تنتهي؟من يريد مواجهة التضليل في سوريا، من غرف الأخبار إلى منصات التحقق والجهات الرسمية، يحتاج إلى معرفة أين يقف في هذا المسار.
60% من المنشورات المضللة صدرت عن حسابات خارج سوريا

يوم اندلعت حرائق الغابات في الساحل السوري صيف 2025، لم يحتج الأمر أكثر من ساعات حتى امتلأت المنصات بمنشورات تتهم الحكومة بالتقصير أو بالمسؤولية. تروي منتجة سورية في قناة بريطانية تحدثت مع كاتب المقال أن صفحات لا يتجاوز متابعوها 300 أو 400 شخص حصدت فجأة مليون تفاعل، بتعليقات متشابهة وحسابات لا يتجاوز عمرها شهراً، في حين كانت الحرائق جزءاً من موجة إقليمية طالت تركيا أيضاً.

لم تولد تلك المنشورات على فيسبوك وحده، ولم تنتهِ فيه أيضاً. فمن خلال مقابلات أجراها كاتب المقال مع 17 خبيراً ومتخصصاً في الإعلام والتحقق وتوثيق الانتهاكات، بين فبراير/شباط وأبريل/نيسان 2026، تتضح ملامح مسار تتنقل فيه المعلومات المضللة بين منصات تؤدي كل منها دوراً مختلفاً: تلغرام للتنسيق، وإكس للتضخيم، وفيسبوك للانتشار، وواتساب لنقل الروايات إلى المجموعات المغلقة والدوائر الاجتماعية القريبة.

وأُجريت المقابلات ضمن بحث لرسالة ماجستير في الإعلام الجديد بجامعة ابن خلدون في إسطنبول، مع حجب أسماء المشاركين وفق بروتوكول البحث، والإشارة إليهم في هذا المقال بحسب صفاتهم المهنية.

لماذا يهمّ هذا التقسيم؟ لأن من يريد مواجهة التضليل في سوريا، من غرف الأخبار إلى منصات التحقق والجهات الرسمية، يحتاج إلى معرفة أين يقف في هذا المسار. وتشير شهادات الخبراء إلى أن جانباً مهماً من جهود الرصد والتحقق يتركز في المنصات الأسهل متابعة، لا بالضرورة في الأماكن التي تبدأ فيها حملات التضليل أو تبلغ تأثيرها الأكبر

"تليغرام يخطط.. وإكس يضخّم"

أين تبدأ الحملة؟ تشير شهادات الخبراء إلى تليغرام. تقول المنتجة نفسها إن الحملات "تُنظَّم على تلغرام ولا تُنشر فيه"، إذ تتفق مجموعات مغلقة على شكل الحملة والادعاءات التي ستروّجها والحسابات التي ستنشر وتوقيت النشر، ثم يجري النشر الفعلي على فيسبوك وإكس. ويضيف صحفي استقصائي أن التشفير وضعف الإشراف يسمحان للمحتوى بأن ينتشر ساعات قبل أن يعلم به المدققون.

وحين يحاول المدققون التدخل، لا يجدون من يخاطبونه. يقول مسؤول في منصة تحقق سورية إنه "لا أحد نتواصل معه" في تلغرام، بخلاف ميتا التي تتيح برامج شراكة مع المدققين، وتيك توك التي تعمل مع مدققين مستقلين.

أما إكس فيبدو أنه المنصة الموجّهة إلى الخارج. تلخّص المنتجة المعادلة بجملة واحدة: "فيسبوك للداخل، وإكس للخارج". فهناك يدور النقاش مع الجمهور العربي والغربي، وهناك تعمل الحسابات الآلية بأوضح صورها. ورصد تحقيق لبي بي سي في مايو/أيار 2025 أكثر من مليوني منشور عن سوريا على هذه المنصة، ووجد أن 60% من المنشورات المضللة التي دقّق فيها صدرت عن حسابات خارج سوريا، في العراق واليمن ولبنان وإيران.

وللحسابات الآلية علامات يعرفها المدققون جيدا. تعدّد المنتجة ثلاث حملات كانت فيها هذه العلامات "واضحة لا لبس فيها"، هي أحداث الساحل ومواجهات السويداء وحرائق الغابات: حسابات أُنشئت قبل أقل من شهر، وتفاعل لا يتناسب مع عدد المتابعين، وتعليقات متطابقة تتكرر بتعديلات طفيفة. والغاية، بحسب وصفها، أن تبدو الرواية رأياً عاماً سورياً في حين أنها مصنوعة. ويروي صحفي في مؤسسة إعلامية دولية أن فريق التحقق في مؤسسته تتبّع مئات آلاف الحسابات الوهمية إلى أجهزة داخل العراق وإيران ولبنان، "لا شعوب هذه الدول".

فيسبوك وواتساب.. الدورة التي لا تنقطع

إذا كان إكس نافذة نحو الخارج، فإن فيسبوك هو الساحة التي يعيش فيها السوريون فعلا. يقول مذيع مخضرم في مؤسسة دولية إن "كل ما يحدث في سوريا يصل أولا إلى فيسبوك"، وإن الإشراف عليه هو الأضعف، لذلك يبقى أسهل مكان لنشر المحتوى المفبرك. واللافت، بحسب المنتجة، أن مكانة فيسبوك ازدادت بعد سقوط النظام بدل أن تتراجع، إذ عادت حسابات كانت خامدة إلى النشاط، وعاد إليه من كانوا قد انتقلوا إلى إكس.

غير أن الكذبة لا تتوقف عند المنشور العام. يصف المذيع ما يسميه "دورة فيسبوك وواتساب": يبدأ الادعاء على فيسبوك، ثم يُحوَّل عبر مجموعات واتساب، ثم يعود إلى فيسبوك على يد أشخاص تلقوه عبر واتساب. وهذه الدورة، برأيه، هي التي تفسّر لماذا تقطع المعلومة المضللة مسافة طويلة قبل أن يلحق بها أي تصحيح. وهو نمط رصده المجلس الأطلسي أيضاً، حين وصف كيف ضخّمت مجموعات واتساب وصفحات فيسبوك الروايات الطائفية بعد سقوط الأسد.

وفي واتساب يتغيّر شيء أساسي. فالرسالة المحوَّلة تفقد اسم صاحبها الأول، ولا يبقى أثر لمن نشرها. تقول المنتجة: "واتساب هو المكان الذي يعيش فيه الخطأ غير المقصود.. حين أشارك داخل مجموعة مغلقة لا يراني أحد، فيغيب ما كان سيجعلني أتوقف وأتحقق".

بعبارة أخرى، هنا تتحوّل الكذبة المقصودة إلى خطأ بريء. ترى خبيرة في منهجيات التحقق أن الحملة المضللة "لا تنجح إلا حين يصدّقها ويشاركها أشخاص لا علاقة لهم بها"، أي حين ينشرها من يظنها صحيحة. وهذا ما يجعل واتساب المحطة الأخيرة والأخطر في المسار، لأن الكذبة تصل فيه بصوت أقرب الناس: أخ أو جار أو زميل عمل.

تيك توك.. جيل يدفع ثمن الوصول

وماذا عن الشباب؟ تقول المنتجة إن تيك توك حاضر بقوة بين الشباب داخل سوريا، رغم أن الوصول إليه يتم عبر شبكات افتراضية خاصة (VPN) مدفوعة، لأن المجانية منها لا تعمل. أي أن هذا الجيل يدفع مالا كي يصل إلى المنصة التي تشكّل جزءاً كبيراً من صورته عن بلده. وتضيف أن معظم المحتوى المضلل عن سوريا على تيك توك "يُنتج من خارج سوريا لا من داخلها"، ويستهدف السوريين في الداخل والمهجر معا.

ويبدو أن شكل المنصة نفسه جزء من المشكلة. يلاحظ مدقق معلومات في منصة تحقق تركية أن المقاطع القصيرة خطرة بسبب عادات التمرير المتواصل، إذ يستهلك الناس المحتوى بسرعة "دون أن يتوقفوا للتحقق". وهذا الشكل يناسب المقاطع المولّدة بالذكاء الصناعي تحديدا. فحين قصفت إسرائيل دمشق في يوليو/تموز 2025 خلال مواجهات السويداء، انتشرت على تيك توك مقاطع صنعتها أداة غوغل «فيو» (Veo)، بعضها حمل وسماً صغيراً يشير إلى أنه مولّد لا يكاد يلحظه أحد، وبعضها لم يحمل أي وسم إطلاقا.

ما لا نراه

إذا كانت الكذبة تبدأ في تليغرام وتنتهي في واتساب، فأين يقف المدققون؟ تقول خبيرة المنهجيات إن المنصة السورية التي عملت معها ركّزت رصدها على إكس، لا لأنه الأهم بالضرورة، بل لأنه الأسهل: بنية المنصة وميزة القوائم وأدوات جمع البيانات كلها تصب في صالحه. وتضيف: "ما نعرفه عن التضليل السوري هو جزئيا نتاج ما نستطيع رصده… تليغرام وواتساب أقل رصداً لأنهما أصعب تقنياً".

وهذا الانحياز ليس تفصيلاً تقنياً. فحين تبني غرف الأخبار ومنصات التحقق صورتها عن التضليل مما تراه على إكس، قد تنشغل بالمرحلة الوسطى من المسار وتغفل عن طرفيه: المكان الذي تُدبَّر فيه الحملة، والمكان الذي تصل فيه إلى الناس. يضاف إلى ذلك أن أدوات الإبلاغ نفسها تراجعت. تروي المنتجة أنها كانت تستطيع في الماضي أن ترفع بلاغاً يراجعه بشر، أما اليوم فهي "تحت رحمة الذكاء الصناعي"، ولم تنجح خلال عامين إلا في حذف منشور واحد.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن المنصات التي يبدأ فيها التضليل السوري أو ينتهي هي نفسها المنصات الأضعف في آليات المحاسبة، والأصعب رصدا. وهذا ما يجعل التحقق المنشور يصل غالبا إلى جمهور آخر غير الذي وصلته الكذبة.

ماذا تعني الخريطة لغرف الأخبار؟

أول ما تعنيه أن التصحيح يجب أن يسلك الطريق الذي سلكته الكذبة. فالتحقق الذي يُنشر على إكس فقط لن يصل إلى مجموعة واتساب عائلية في حمص أو اللاذقية، والصيغة التي تناسب موقعا إخباريا لا تناسب رسالة قصيرة يُراد لها أن تُحوَّل. وثاني ما تعنيه أن تفنيد الادعاءات واحداً تلو الآخر لم يعد كافيا؛ إذ تدعو خبيرة المنهجيات إلى التحقيق في الحملات نفسها، من أطلقها ومن ضخّمها وأي شبكات حملتها من منصة إلى أخرى.

وثالث ما تعنيه أن ما نعرفه عن التضليل السوري يحتاج إلى قدر من التواضع. فالأرقام المتاحة، مهما كانت دقيقة، تصف ما يجري في المنصات المرئية، ولا تقول الكثير عما يتداوله الناس في الغرف المغلقة.

قد تكون حرائق الساحل قد خمدت منذ أشهر، لكن الطريق الذي سلكته المنشورات التي رافقتها ما زال مفتوحاً. والسؤال الذي يبقى أمام الصحفيين السوريين: هل سنظل ننتظر الكذبة حيث نراها، أم نذهب إلى حيث تُصنع وحيث تُصدَّق؟

مصدر:TRT ARABI
اكتشف
الجزائر تفعّل رسميا عقوبة الإعدام في حرائق الغابات واختطاف الأطفال
"تشات جي بي تي" في مواجهة القضاء.. 8 ولايات أمريكية ترفع دعاوى ضد الشركة المطوّرة
تركيا تسلّم إيطاليا قيادة قوة "كفور" التابعة للناتو في كوسوفو
تركيا تنفي ادعاءات منع سكان قرى في رأس العين السورية من العودة إلى منازلهم
مقتل 6 أشخاص بضربات روسية ليلية على أوكرانيا واستهداف منشآت الطاقة في كييف
ترمب: تايوان وافقت على شراء 30% من الغاز المسال من مشروع ألاسكا
الشيباني: إسرائيل تسلّح مجموعات مسلحة في السويداء لزعزعة استقرار سوريا
مقتل 4 من عناصر أمن الطرق في هجومين بريف حماة وسط سوريا
إصابة 4 أشخاص وتضرر 15 منزلاً بالرياض إثر اعتراض صاروخين.. وحريق محدود بمبنى لأرامكو
اعتراض 6 مسيرات و6 صواريخ حوثية استهدفت السعودية الثلاثاء
الرئيس أردوغان يتسلم أوراق اعتماد سفراء 5 دول لدى تركيا خلال مراسم في أنقرة
نائبة الأمين العام للناتو: تركيا تشهد ثورة صناعية في قطاع الدفاع منذ فترة طويلة
الرياض تتوعد الحوثيين.. غارات على محطة نفطية غرب صنعاء ومقتل شخصين بهجوم على شركة نفطية
غرق سفينة تقل 14 بحاراً سورياً قبالة بلغاريا إثر هجوم بمسيّرات وفقدان 11 شخصاً
وزير تركي: نستهدف رفع حجم التجارة الثنائية مع بلجيكا إلى 15 مليار دولار