تتنامى في السنوات الأخيرة ما بات يطلق عليه ظاهرة "فاشونيستا الأطفال" العرب، وذلك لغايات مختلفة تتراوح بين التسلية والشهرة والكسب المادي، وسط جدل متصاعد حول تعارض الظاهرة مع قيم المجتمعات العربية، وآثارها النفسية والاجتماعية والتربوية على الأطفال.

فاشونيستا الأطفال العرب
فاشونيستا الأطفال العرب ()

وتتعلق هذه الظاهرة بأطفال تتراوح سنّهم من 4 إلى 15 عاماً تُنشأ حسابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما موقع إنستغرام للصور والفيديو، يقدمون عبرها محتوى يتنوع بين عروض الملابس والمكياج والإكسسوار، وصولاً إلى تقديم عروض دعائية لمنتجات تجارية مختلفة، وتقليد النجوم وملابسهم، إذ تنتشر الظاهرة بشكل أكبر في صفوف الأطفال من الإناث.

الشهرة والأضواء

مع تنامي استخدام الشعوب العربية لوسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها، طفى على السطح ما بات يُعرَف بـ"فاشونيستا الأطفال"، وذلك في ظاهرة موازية لصفحات عارضات الأزياء والموضة العالَميات اللاتي يتابعهن مئات الملايين حول العالَم.

وتنتشر مئات الحسابات لأطفال عرب بأعمار مختلفة يقدّمون محتوى متنوعاً للحصول على أكبر عدد ممكن من المتابعين بطرق مختلفة، ويمتلك بالفعل عشرات من هؤلاء الأطفال مئات آلاف المتابعين الذين يتفاعلون معهم بالإعجاب والتعليقات الإيجابية والسلبية، ولديهم "مديرو أعمال" غالباً ما يكونون من عائلاتهم.

وفي حين يعتبر أغلب أهالي هؤلاء الأطفال أن ما يفعلونه يساهم في بناء شخصياتهم وتنمية مواهبهم وتمهيد طريق النجومية والشهرة لهم، يعارضهم آخرون بشدة ويحذّرون من مخاطر كبيرة قد تلحق بأطفالهم على الصعيد النفسي والاجتماعي والسلوكي والتربوي والأخلاقي، وصولاً إلى التحصيل العلمي والاندماج الاجتماعي وغيرها من الجوانب، وسط اتهامات للأهالي باستغلال أطفالهم من أجل تحقيق مكاسب مادية من خلالهم.

ويقول معارضو هذه الظاهرة إن بعض الأهالي يدفع بناته إلى ارتداء ملابس لا تتناسب مع سنّهن، وينتقدون المكياج المبالغ فيه لبنات في سن الطفولة، محذّرين من الآثار الخطيرة لتعليقات المتابعين السلبية على نفسيات الأطفال التي قد تصل إلى حدّ "التحرش الجنسي اللفظي" لبنات في سن الطفولة، يقولون إن الأهالي يقدمونهن بقالب "إغرائي" لحصد مزيد من المتابعين.

الفاشونيستا الطفلة غالية ريحانة

الطفلة المغربية غالية ريحانة ابنة السنوات الثماني، تعيش في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، اشتهرت بتقليد ملابس الفنانات في العالَم العربي منذ كانت في سن الرابعة، لكنها اتجهت حديثاً إلى تقديم أزياء وملابس خاصَّة بها، استطاعت حصد قرابة ربع مليون متابع لصفحتها الموثقة بالعلامة الزرقاء على إنستغرام، وتديرها والدتها فاطمة الزهراء.

تقول فاطمة الزهراء في حديثٍ خاص لـTRT عربي، إن "المشاهير العرب كانوا مصدر إلهامٍ لها، لم نكُن نتخيّل أن تلقى غالية هذا الإعجاب من النجوم الذين دعموها وشجّعوها"، مشيرة إلى أن غالية تلقى اهتماماً ورعاية خاصَّة من والديها.

وترفض فاطمة الزهراء تعميم الاتهامات والانتقادات الموجهة إلى الأطفال، وتقول: "أربي ابنتي على تعزيز الاحترام لجمهورها، وعدم الرد عند الإساءة أو الانتقاد بشكل بنَّاء"، مشيرةً إلى أنها تستند إلى التربية القائمة على التواضع والاحترام المتبادل بين المتابعين.

غالية ريحانة
غالية ريحانة ()

تشير فاطمة إلى أنها ترفض إقحام ابنتها في أي استغلال مادي أو إعلانات تجارية، وتضيف: "أصوّر غالية باللباس اليومي في أثناء ذهابها إلى المدرسة، أو في أثناء لهوها بشعرها المجعَّد من غير تكلف، أو وضع مساحيق التجميل لغالية أو تقييدها بحركة معينة".

وحول آثار الشهرة على التحصيل العلمي للطفلة تقول والدة غالية: "تعيش بطريقة طبيعية وعادية جدّاً كأي طفل في سنّها، أصوّرها خلال أوقات الفراغ فقط، كما أنها مجتهدة ومن المتفوقين على أقرانها، ودراستها أولوية لها في الوقت الحالي".

وتتابع: "أنا المسؤولة بالدرجة الأولى عن صفحة حساب غالية على إنستغرام، أردّ على الرسائل والتعليقات الإيجابية والسلبية حتى لا تكون أسيرة الشهرة أو أي تأثير معين، فكثير من الأطفال يتخذون هذه المنصة ليتقمصوا شخصيَّة غير شخصيتهم من انتقاء آخر صيحات الموضة من ثياب وإكسسوار وهدايا من الماركات المعروفة، واختيارهم مساحيق التجميل، بهدف جلب المال والشهرة وكسب عدد أكبر من المتابعين. هذا كله يُحدِث تأثيراً سلبيّاً على الطفل، لكننا لا نفعل ذلك".

الفاشونيستا الطفلة يارا زقوت

TRT عربي تحدثت أيضاً إلى والدة الفاشونيستا الطفلة يارا زقوت، 11 عاماً من فلسطين، التي أكَّدت أن الفكرة نبعت من الطفلة نفسها، وأنهم في العائلة عملوا على تشجيعها وتنميتها، لافتةً إلى أن الطفلة يارا لديها طموح ورغبة كبيرة في أن تصبح عارضة أزياء، أو مقدمة برامج تليفزيونية، مشيرةً إلى امتلاكها "شعراً طويلاً جميلاً، ووجهاً جذاباً، وشخصيَّة قوية، ووقفة قوية أمام الكاميرا تميّزها من غيرها من الأطفال"، على حدّ وصفها.

تقول مي زقوت والدة يارا التي توجّهها في إدارة الحساب: "أشجّعها على التفاعل مع جمهورها بشكل إيجابي، وتقبُّل ردودهم بكل تواضع، فيارا تقدّم محتوى جيداً يتناول موضوعات خاصَّة بالأطفال، وتعلّم الأطفال تنسيق ملابسهم بطريقة بسيطة جدّاً، وكل فكرة جديدة في المجتمع معرضة للنقد البنَّاء أو الهدَّام، وبشكل عامّ لا يوجد تعليقات سلبية لها".

يارا زقوت
يارا زقوت ()

وعن دورها الإرشادي والتربوي تقول والدة يارا: "أراقب كل تصرفات أولادي جميعهم، بخاصَّة يارا، وبين حين وآخر أردّ على تعليقات الناس، ولا نخلط بين وقت الدراسة ووقت التصوير، فهي من المتفوقات وحاصلة على شهادات التفوق والتقدير في الصف السادس الابتدائي"، وشدّدت على أنها لا تتقاضى أي مبلغ مالي من أي جهة أو مؤسَّسة، بل تشتري ثيابها من مالها الخاصّ، ولا تروج أي منتج.

تحذيرات متنامية

يقول مختصون في وسائل التواصل الاجتماعي، إن أغلب المتابعين لهذه الصفحات من فئة سنّية أكبر من أعمار هؤلاء الأطفال، وإن المعجبين والمعلقين على صفحات الأطفال الذي لا تتجاوز سنّ بعضهم خمس سنوات من كبار السن، ومِن ثَمَّ فإن تعليقاتهم وتقييماتهم لا تراعي ولا تناسب سنّ هؤلاء الأطفال.

وأجمع عديد من الدراسات العالَمية على وجود مخاطر لاستخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، ولفتت دراسة حديثة إلى أن الفتيات أكثر من الأولاد تضرُّراً من مواقع التواصل الاجتماعي، فيما أكَّدت أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس في حدّ ذاته ما يسبّب الضرر، بل عدم إحداث توازن بين استخدام تلك الوسائل وأنشطة أخرى تناسب تلك الفترة العمرية، فضلاً عن ضرورة عدم التعرض لأشياء سلبية عبر الإنترنت.

وتقول إحدى الدراسات إن "الأطفال أصبحوا مدمنين تقريباً على خاصية الإعجاب على المنشورات والصور، الموجودة في مواقع التواصل والتي تمثل لهم نوعاً من القبول الاجتماعي، فضلاً عن شعورهم المتزايد بالقلق إزاء مظهرهم على الإنترنت".

وفي دراسة بريطانية حديثة صادرة عن جامعة "إسيكس" يقول أستاذ العلوم العصبية في جامعة مشيغان الأمريكيَّة: "يظهر الناس في مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على الاعتراف بهم اجتماعيّاً. كل إعجاب وكل تعليق إيجابي على منشور في مواقع التواصل الاجتماعي ينشّط نظام المكافأة في الدماغ. هذه المناطق في الدماغ هي نفسها التي تنشط عند الأكل أو ممارسة الجنس أو عند تعاطي المخدرات".

ويناقش علماء الأعصاب في الوقت الحاضر نظرية مفادها أن السباق للحصول على إعجابات، وعلى ابتسامات في مواقع التواصل الاجتماعي، قد يجعل المرء مدمناً على ذلك كالإدمان على المخدرات. فيما حذّرت دراسات أخرى من أن حسابات الأطفال والمراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي تعرّضهم لـ"التنمر".

مخاطرة غير محسوبة

تقول الخبيرة التربوية والاجتماعية حكمت بسيسو: "بالطبع الآثار السلبية أكثر من الإيجابية، مقابل إمكانية الحصول على آثار إيجابية ضعيفة توجد مخاطر كبيرة غير محسوبة، الميزة الوحيدة أنها يمكن أن تقوِّي شخصيَّة الطفل، لكنها غير مضمونة، ومِن ثَمَّ تنمي شخصيَّة الطفل وسائل وأدوات ليس لها أعراض جانبية".

الخبيرة التربوية والاجتماعية حكمت بسيسو
الخبيرة التربوية والاجتماعية حكمت بسيسو ()

وتحذر الخبيرة بسيسو في تصريحاتها لـTRT عربي من "تبدُّل الأدوار بأن يصبح الطفل وسيلة لجلب المال لا العكس، فهو باب لاستغلال الأطفال، وعمالة مقنَّنة، وإجبار الأطفال على أوضاع مرهقة في جلسات تصوير ومكياج وكوافير في سنّ مبكّرة، مرهق جدّاً لهم، ويضيعون فيه أجمل سني حياتهم".

وتضيف بسيسو: "بعض مشاهير الأطفال في مواقع التواصل يتعمدون نشر الأمور السلبية وغير المقبولة اجتماعياً، لكي يتداولها المتابعو، في تقليد الكبار ووضعيات مختلفة للتصوير، والمكياج والمانيكير، والظهور بأبهى الثياب الفاخرة كأنهم مقيدون بقالب معيَّن للظهور به، مِمَّا يُخرِجهم من براءتهم وطفولتهم".

وأوضحت بسيسو أن الطفل يجب أن يركز على ارتباطاته الشخصيَّة وهواياته، لا في آراء الناس بنقده أو مدحه، ويكون راغباً من تلقاء نفسه في هذا المجال وغير مُجبَر من أحد، مشيرة إلى أنه مرتبط بما يحبه الآخرون لا ما يحبه هو، وتتولد في نفسية الطفل أشياء قهرية وتظهر عند النموّ على هيئة سلوك غير سوي وإضرابات عقلية.

وتعتبر بسيسو أن هذا العالَم يغذِّي عقل الطفل بنزعة الغرور والتباهي ويقتل نزعات أخرى مثل نزعة البساطة والقناعة واحترام الذات، وتقول: "الطفل يشعر كأنه موظف في سنّ مبكرة بكل سهولة، يمتلك عدداً لا يُستهان به من المتابعين، ويطرح أفكاراً وموضوعات غير متخصص بها، ويقول لنفسه "لمَ التعليم؟"، فيفكّر في ترك التعليم والتخصُّص. في المجمل هذا الأمر يؤثّر مستقبلاً على التحصيل العلمي"، وطالبت بسيسو بسَنّ قوانين تمنع ما قالت إنه "استغلال سلبي من الأهالي لأطفالهم".

المصدر: TRT عربي