"من منكم مرّ بأحد تلك الأيام الرائعة عندما تستقيظ باكراً ودون أن يحدث أي شيء إستثنائي -لم تفز بجائزة نوبل مثلاً- لا شيء سوى أنك استيقظت شاعراً بالسعادة وتفكر أن الحياة رائعة؟".

يسأل عالم النفس الاجتماعي شلدون سولومون هذا السؤال لجمهوره في محاضرته عن "دور الموت في الحياة" في متحف العلوم في بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو أن ياسين، أحد شخصيات المسلسل التركي "طيف إسطنبول"، لن يمكنه تذكُّر يوم اختبر فيه هذا الشعور بسهولة. ك

ان ياسين جندياً في القوات الخاصة بالجيش، وبعد توقفه عن العمل قرّر بدء عمل خاص مع صديقه المقرب، فبدآ ورشة للنجارة معاً. لكن الموت كان له رأيه الخاص، هكذا توُفّي صديق ياسين بعد فترة من عملهما معاً. من الهامّ أن نعلم أن ياسين يتميز بشخصية عاطفية للغاية، وهذه الميول العاطفية هي ذاتها الدافع وراء ردود أفعاله العصبية وافتقاره أسلوبه إلى اللياقة. كما هو متوقع نرى ياسين في حالة شبه سلبية طوال أحداث المسلسل، توقف عن العمل في الورشة، وخسر الكثير من الأموال، ثم أُغلِقَت الورشة ليصبح ياسين عاطلاً عن العمل.

يعرض لنا المسلسل قصة ياسين بدءا من هذه الفترة، فقد وجد ياسين وظيفة تساعده على أن يعول بيته على الأقل، يمكننا بالأحرى أن نقول إن الوظيفة هي التي وجدته، فقد عرضها عليه أحد الأصدقاء مساعدةً له لمواجهة ظروفه المادية. كانت هذه الوظيفة هي حارس بملهى ليلي وربما كانت الوظيفة مناسبة لكون خبرته السابقة في الجيش تؤهله للعمل الأمني، لكنها بكل تأكيد لا تناسب ياسين المتدين المحافظ. نفهم من هذا أن ياسين مستمر في هذه الوظيفة دون إرادة داخلية منه، فهو يعطيها آخر ما يملك من طاقة نفسية حتى يستطيع أن يعول أسرته، وعلى العكس من امتلاك ورشتك الخاصة فالوظيفة تتولى تحديد مواعيد عملك وما يجب عليك فعله، فيما في عملك الخاص تكون رغبتك في العمل هي الدافع الأساسي وراء استيقاظك باكراً أو العمل باجتهاد.

ياسين أحد أبطال مسلسل طيف إسطنبول الذي عرضته نتفليكس (Others)

بعد الانتهاء من العمل يواجه مشكلة أخرى؛ تعاني زوجته روحية من مشكلة ما، فهي مكتئبة دائماً، ولا تتحدث، وعند سؤالها أو توجيه أي حديث لها لا ترد، هكذا يواجه ياسين مشكلة في فهم وتشخيص المشكلة التي تواجهها زوجته، ويفتقد التواصل معها. سنعلم لاحقاً أن مشكلة روحية مشكلة نفسية لكونها ضحية اغتصاب. المشكلة التي تواجهها روحية كانت رغبتها في القصاص، وقد أبلغها ياسين أن المجرم مات بالفعل هكذا شعرت روحية أن فرصة الانتقام لم تعُد ممكنة. تقول روحية إنها ترغب في الذهاب إلى قبره لتبصق عليه، وعلى الرغم من أن فعلاً كهذا هو مجرد فعل رمزي وليس له أي قيمة عملية فإنها كانت تشعر أنه سيساعدها على تجاوز مشكلتها. ستنحلّ عقدة روحية بعد ذلك عندما تكتشف أن المذنب حي يُرزق وأنه عوقب على جرمه بالفعل.

المثير في الأمر هو أن ياسين أخبر روحية أنه قد مات كي يساعدها على تجاوز الأزمة ونسيانها، فالمجرم لم يعد موجوداً، إلا أن هذا الموت تحديداً كان له قدرة على وقف سير حياتها كلية، كما حدث مع ياسين نفسه الذي أدى موت صديقه إلى توقفه عن العمل وإغلاق ورشته.

كيف يدفعنا الموت إلى التوقف عن الحياة؟

في المحاضرة السابق ذكرها، يبدأ سولومون حديثه عن الحياة لفترة وجيزة يلفت فيها الانتباه إلى أن البشر ليسوا أحياء فحسب بل يعلمون أنهم أحياء، وفي هذا العلم يكمن جمال الحياة. لكن الفيلسوف والشاعر الدنماركي كيركغارد لاحظ أنه إذا كنا نملك القدرة على إدراك أننا أحياء فهذا يعني أيضاً أن ندرك أن هذه الحياة محدودة، وككل الكائنات الحية فجميعنا سيموت يوما ما، وهذا الإدراك ليس إدراكاً نسعد به أو نرحب به. لا يتوقف كيركغارد عند هذا الحد، ولكنه يلفت الانتباه أيضاً إلى أن المشكلة في إدراكنا للموت تمتدّ إلى إدراكنا أنه قد يحدث في أي لحظة لأسباب لا نعلم عنها شيئاً، فلا يوجد وقت محدد أو مجموعة أسباب محددة للموت، الموت يحدث فجأة لينهي كل شيء دون أن يكون لدينا أي قدرة على توقع ذلك أو التحكم في ظروفه.

يلاحظ إرنست بيكر العالم في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية في كتابة "إنكار الموت"، أن هذه الفكرة التي يطرحها كيركغارد فكرة مدمرة تماماً، إذا وعى الإنسان بها بشكل عميق سيفقد كل شىء معناه، التفكير في حتمية الموت دون معرفة أي قواعد لحدوثه يحوّل الإنسان إلى كائن غير قادر على التفكير لأبعد من اللحظة التي يعيشها، فلا يوجد ما يضمن أي شيء. السبب الوحيد الذي يجعلنا قادرين على الحياة هو أن نعلم أننا ذوو قيمة في عالم له معنى.

لهذا السبب تحديداً، كما يرى بيكر، اخترع البشر الثقافة، فجميع الثقافات تؤسس لمجموعة من القيم والأفكار التي يتشاركها مجموعة من الناس، وهذه القيم والأفكار تؤكد تحديداً كوننا ذوي قيمة في عالم له معنى. تقوم الثقافات بذلك من خلال إخبارنا بقصة عن كيف بدأ العالم وكيف وُجدنا فيه، تعطينا فكرة عن كيف يجب علينا التصرف فيما نحن أحياء، وتعطينا أملاً في الخلود حرفياً كان أو مجازياً، حرفياً من خلال الوعد بحياة أخرى بعد الموت أو التوحد مع طاقة الكون أو حتى إعادة الخلق في دائرة لا نهائية تموت فيها الكائنات الحية وتعود للحياة مرة أخرى في صورة مختلفة وهكذا، ومجازياً من خلال الإنجاب أو إنتاج أعمال فنية عظيمة تخلّد أسماءنا في التاريخ أو القيام بأعمال ذات تأثير قوي على مجرى التاريخ. نقوم بكل ذلك كي نحدّ من قلق الموت، لكن موت الآخرين من حولنا يستمرّ في تذكيرنا بحقيقة أن حياتنا يمكنها تتوقف في أي لحظة، وطغيان هذه الفكرة على العقل البشري لديه القدرة على قتل الرغبة في الحياة كلية. هكذا استطاع الموت في محيط ياسين وروحية أن يرسل إليهما إشارة بالنهاية وغياب المعنى.

الحياة هنا والآن

على الجانب الآخر من العالم نشاهد كلانسي بطل المسلسل الرسومي الأمريكي "إنجيل منتصف الليل" في حوار مع الموت.

يقوم كلانسي بإنتاج محاورات طويلة مع شخصيات مختلفة من عوالم متنوعة ينتجها جهاز محاكاة. في الحلقة السابعة يحاور كلانسي الموت ذاته، ويبدأ المحاورة بسؤاله عن ما ينصح به البشر حال موت أحد المقربين لهم؟

يرد الموت بأن أفضل ما يمكن فعله في هذه اللحظات هي أن يكون حاضراً فيها بشكل كامل، لحظات الموت والولادة على حد سواء، فهذه اللحظات تمثّل الحقيقة البدائية تماماً للوجود، كيف نأتي للحياة من خلال الولادة وكيف نختفي منها مع الموت، وهذه اللحظات لا نمرّ بها في حياتنا اليومية المليئة بالتفاصيل والمشتتات التي تصرف نظرنا عن التأمل في هذه الفكرة. يذهب الموت إلى أبعد من ذلك قائلاً إن النظام الذي نعيشه يبدو كأنه مؤامرة لإلهائنا عن هذه الفكرة، هذه "المؤامرة" تظهر في أوضح صورها في الثقافة الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية، يعود الأمر إلى بدايات القرن العشرين، فخلال الحرب الأهلية الأمريكية ازداد نشاط "التحنيط" بصورة كبيرة، وهي عملية كيميائية تهدف إلى الحفاظ على جسد الميت دون تَحلُّل لمدة أطول قليلاً.

الهدف من هذه العملية هو الحفاظ على أجساد الجنود من التحلل فيما تنقل في القطارات من الجنوب إلى الشمال، ففي الاعتقاد البروتستانتي من المهمّ أن ترى العائلة جثة الميت. بمرور الوقت وانتهاء الحرب أصبحت هذه الممارسة غير ضرورية، حتى ظهرت فكرة غير علمية، أن جسد الميت ضارّ بالمحيطين به، وأن عملية التحنيط تجعله أكثر نظافة وصحية، ومن ثم أصبح من الواجب وجود مؤسسات متخصصة تقوم بذلك، هكذا تحول الموت إلى عملية تجارية بشكل كامل، فهناك مؤسسة تتسلّم الجثة وتقوم بتأهيلها وإعدادها للعرض في قاعة يأتي إليها الأصدقاء والمقربون ليودّعوا الميت، يقول الموت في المسلسل إن هذه الفكرة هي نتاج عن مزيج من الاعتقاد البروتستانتي مع الرأسمالية، فهذه المؤسسات تأخذ جثة الميت ثم تُعيد بيعها لك مرة أخرى حرفياً. ثم يستطرد قائلاً إن على البشر أن لا يروا الموت بوصفه حدثاً طارئاً، لا يوجد ما هو عاجل عند وفاة أحدهم، يجب عليهم أن يتوقفوا للحظة ويتأملوا في الفكرة، ويستحضروا حقيقة أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة.

يتوقف الموت هنا ولا يخبرنا ماذا بعد، يعتمد مسلسل "إنجيل منتصف الليل" على أفكار دانكن تراسل المتأثر بمدارس الفكر الشرقية، بخاصة البوذية، لكنه في حديثه عن الموت يستعير منها فقط ما يجب أن لا نفعله مع الموت، فيجب أن لا ننكره أو نحاول التهرب من الاعتراف بالفكرة.

النهاية

كان تشخيص إمام المسجد الصغير في مسلسل "طيف إسطنبول" لما تمر به روحية وياسين، تشخيصاً عامّاً، وإن كان صحيحاً. فقد أشار إلى حقيقة أن ما خلقه الله يموت، وهذا جزء من حقيقة وجوده، فالوردة التي خلقها الله تذبل وتموت، فيما تلك التي يصنعها البشر من البلاستيك تعيش إلى الأبد، لكنها غير حية. هكذا كان تشخيصه هو أنهما خُدعا بالمظهر الجميل للوردة البلاستيكية، لكنهما دون تقبُّلهما للموت لم يعودا حيَّين، الموت بالنسبة إلى إمام المسجد لا يمثل النهاية، وهي الرؤية الإسلامية التي تَعِد بحياة أخرى بعد الموت.

يتعرض الإمام بعد ذلك للموت أيضاً، فتموت زوجته في السيارة التي كانا مسافرين على متنها، يمرّ الإمام بفترة من الحزن العميق ونلاحظ حدوث حوار عابر بينه وبين ابنته التي تطلب منه التخلي عن تلك السيارة، فيما شعر هو بالراحة للنوم فيها، بل قرّر الرحيل في رحلة مفتوحة للعزلة بهذه السيارة، نلاحظ كيف أرادت الابنة التخلص من السيارة التي تذكّرها بنهاية أمها فيما كان موقف الإمام هو التصالح مع كون الموت لا يمثل النهاية، ووجود السيارة يمثل ذكرى ترَكَها مسافر، فيما ينتظر هو أن يلحق بها.

في محادثة أجرتها BBC مع المحلل النفسي كارل يونغ، يسأل المحاور: لقد ذكرت أن الموت كما الميلاد هو حدث نفسي مركزي للإنسان، لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، فالموت يمثل النهاية.

كارل يونغ هو أحد الآباء المؤسسين للتحليل النفسي الحديث، وتعتمد أفكار مسلسل "طيف إسطنبول" كثيراً على أفكاره، وتلتقي فكرته عن الموت مع الفكرة الإسلامية من حيث عدم اعتباره نقطة النهاية، هكذا يجيب يونغ عن السؤال قائًلا:

"هذا صحيح، إن كان يمثل النهاية فعلاً، لكننا لسنا واثقين من أنه النهاية، نحن نعلم في التحليل النفسي أن نفس الإنسان ليست مقيدة، بشكل كامل على الأقلّ، بحدود الزمان والمكان، ومن ثم فإن الموت يبدو كأنه حدث تنفلت فيه النفس من هذه القيود لا أكثر [...]، من المثير أن ترصد كيف يتعامل اللا وعي مع قرب الموت، إنه يتجاهله تماماً، يتصرف كأن الحياة مستمرة، من الواضح أن الموت هو النهاية الحزينة لكل شيء، لكن بداخلنا شيئاً لا يصدِّق ذلك، لذلك أعتقد أنه من الأفضل للبشر أن يعيشوا وأن يتطلعوا إلى اليوم التالي كأننا نعيش إلى الأبد".

TRT عربي