لا تزال الآثار النفسية الخاصة بأزمة كورونا عصية على الفهم، وتعمل مراكز الأبحاث العلمية حتى اللحظة على فهم التحديات التي ستواجهها البشرية خلال الفترة القادمة بسبب الجائحة.

قد يدفع الجلوس الطويل في المنازل، وقضاء الوقت في روتين ضيق، بالكثير منا إلى معاناة اجتماعية يجب على علماء النفس والاجتماع النظر فيها، إذ تبرز هذه الفترة كواحد من أهم التحديات التي مرت على البشرية منذ الحرب العالمية الثانية.

وفرضت هذه الأزمة على جميع دول العالم تقريباً اتخاذ احتياطات سريعة مثل الإغلاق الكامل وحظر التجوال لمنع المزيد من انتشار الوباء. وهذه القيود قد تسبب ظروفاً نفسية أصعب على المجتمعات وتدفعها إلى المزيد من الإرهاق النفسي.

وبالتالي فإن كل هذه الأحداث أدت إلى ظهور المزيد من المشكلات الجديدة سواء على مستوى الدول أو الأفراد. فإحدى أهمّ المشكلات التي واجهها الناس هي تدهور الحالة النفسية والصحة العقلية لعدد كبير من الناس في الوقت نفسه، وهو ما يعرف بالاكتئاب الجماعي أو Collective Depression.

ما الاكتئاب الجماعي أو Collective Depression؟

تُعرَّف الصدمة الجماعية على أنها صدمة كبيرة تصيب مجتمعات بأكملها، ولعل أقرب مثال لذلك هو ما أصاب سكان الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001 حين ارتطمت طائرات أمريكية بمبنى التجارة العالمي.

وبعد الصدمة تتشكل ردود فعل عديدة لدى المجتمعات التي تعرضت لهذا النوع من الصدمات، تنقسم بين:

- الاحساس بالصدمة، عدم التصديق، القلق، الخوف، الحزن، الغضب، الكره، الذنب، الخجل، العجز، الغدر، الاكتئاب، التخدير العاطفي (صعوبة التعبير عن الأحاسيس، بما في ذلك الحب والعاطفة، أو الاهتمام بمسرات النشاطات اليومية).

- ردود فعل (عقلية) فكرية: ارتباك، ضياع، عدم المقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، القلق، قصور القدرة على الانتباه، صعوبة التركيز، فقدان الذاكرة، تكوين ذكريات غير مرغوب بها، تكرار التخيلات، لوم النفس.

- ردود فعل روحانية (معنوية): التساؤل لماذا، لماذا أنا، أين الله، الشعور بأن الحياة لا تستحق الحياة، فقدان الأمل.

وغالبا ما يتبع الصدمة النفسية الكبيرة سواء للأشخاص أو المجتمعات حالة من الاكتئاب مبنية على الشعور بعدم القدرة على الخروج من دوامة الصدمة.

والاكتئاب عموماً هو حالة نفسية تتسم بالشعور بعدم الكفاية، واليأس، وقلة الحيوية والنشاط، والتشاؤم والحزن، وفقدان الدافع. ففي حالات الاكتئاب الشديد يمكن أن يصبح الشخص غير قادر على ممارسة حياته بشكل طبيعي، ومن المحتمل جداً أن يفكر في الانتحار، أوقد يصل الأمر إلى محاولات فعلية للانتحار.

فما الاكتئاب الجماعي؟ وهل يمكن أن يتحول إلى وباء عالمي؟ وهل يمكن فعلا أن يصاب عدد كبير من الناس بالاكتئاب في وقت واحد؟

يرتبط الاكتئاب الجماعي بصدمة عالمية أو ظروف عامة على مستوى الدولة أو العالم، كما هو الحال في جائحة كورونا، وهي صدمة يتأثر بها نسبة كبيرة جداً من السكان.

من بين الأسباب الأخرى للصدمات الجماعية نوبات الإبادة الجماعية، وأعمال أو جرائم الحرب، والكساد الاقتصادي، والكوارث الطبيعية، والكوارث التكنولوجية الخارجة عن السيطرة. كل هذه الأحداث يمكن أن تؤدي إلى اكتئاب جماعي، بطريقة مباشرة، أو من خلال التراكم التدريجي للمشاعر السلبية.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي عملت على مدار الساعة في نقل المعلومة وتوزيعها سواء بشكل إيجابي (كنقل المعلومة الصحيحة) أو سلبي (بنقل المعلومات المضللة) فإن الإنترنت ساهم بشكل كبير في إحداث الصدمة وتعميق أثرها. وذلك من خلال نقل الأخبار العاجلة، والمبالغة في حديث الناس المتضررين عن المشكلة، مما صنع حالة من الهلع الدائم.

كيف يمكننا التعرف على الاكتئاب الجماعي ومواجهته؟

تفقد تلك المجتمعات أي أمل في انفراج تلك الظروف في أي وقت قريب؛ وتزيد حالات الانتحار فيها وهو ما نلاحظه في المجتمعات المختلفة التي عانت من حالة فشل جماعي، ولعل التجربة التي يعيشها العالم العربي اليوم بعد الربيع العربي حالة تستحق الدراسة في هذا الإطار.

أزمة كورونا تسببت في حالة اكتئاب جماعي (Others)

وفيما يتعلق بالمجتمعات التي تعرضت لصدمة نفسية بسبب الجائحة، ترى دراسة تم القيام بها عن حالة السويد واليونان، بأن الأسباب الأهم لانتشار الصدمة من الوباء وتزايد حالات الخوف هي:

- أن منشئ الوباء ليس بشريا، وبالتالي تغيب فكرة التعامل معه باسترضاء الطرف الذي نشره.

- يمكن ان يصيب الجميع، شكل انتشار الفيروس أثر بشكل كبير على الحالة المزاجية العامة لدى الكثير من سكان الأرض، حيث يشعر الجميع أنه سيصيبهم وما بيدهم حيلة لتفاديه.

- عالمي، مما سبب الشعور لدى الجميع أن إمكانية الهروب والاختباء من الفيروس أشبه بالمستحيلة

ويمكن التعرف على الاكتئاب الجماعي بصورة مباشرة من خلال آثاره، حتى لو لم يتم تحديد وضعها الفلسفي أو الطبي الدقيق. هناك الكثير من الآراء التي تفضل التعامل مع الاكتئاب الجماعي على انه مجموع الاكتتابات الفردية؛ ومع ذلك هناك اهتمام متزايد بمفهوم المرض الاجتماعي الجماعي بشكل عام، حيث يُلاحظ انتشار حالة جسدية أو نفسية داخل مجموعة بدون سبب عضوي مشترك؛ مما يؤثر على الدول والمجتمعات بشكل عام.

ولعل أقرب مثال هو ما مر على بريطانيا ساعة الحادث المأساوي الذي تعرضت له الأميرة ديانا في عام 1997، وقتها قالت الصحف البريطانية ووسائل الإعلام الأخرى أن "بريطانيا لديهاانهيار عصبي جماعي" مما يدل على انتشار ذلك المفهوم حينها.

كيف يمكننا معالجة الاكتئاب الجماعي؟

في الغالب يتم علاج الاكتئاب الجماعي من خلال ممارسات واستراتيجيات تخفيف الأعراض التي يتم إدارتها ذاتيّاً بواسطة الأفراد، قد تساعد على البقاء على قيد الحياة وتحسين الحياة اليومية على المدى القصير، ولكنها لا توفر حلاً طويل المدى.

يتطلب العلاج الدائم إزالة أسباب الاكتئاب الجماعي، كما هو الحال مع الاكتئاب الفردي.

يوجد للاكتئاب الجماعي جانب علاجي آخر، هو أنه يمكن علاجه بخطوات عملية إيجابية صغيرة تؤدي إلى رفع الشعور باليأس عن الأفراد، وتحسين الحالة العامة. ولعل أبرز ما يمكن أن يحسن المزاج العام اليوم هو عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها بعد الإعلان عن اللقاح. وسيؤدي التعديل التدريجي للاكتئاب الجماعي إلى التعديل التدريجي للاكتئاب الفردي بطبيعة الحال.

وتُعتبر القيادة الواعية الحكيمة أحد أهم العوامل، بل عاملاً رئيسياً، في عكس مسار الاكتئاب الجماعي، إذ يجب على قادة الدول في مثل تلك الأوقات أن يختاروا كلماتهم وتصرفاتهم بعناية حتى لا يثيروا الهلع بين الشعوب. ولكن يجب أيضاً أن يعرف الناس حقيقة الأمر حتى يتخذوا الاحتياطات اللازمة.

الموازنة بين ما يجب إخباره للشعوب، وعدم المبالغة في إظهار خطر الفيروس، تُعتبر عاملاً مهماً للغاية في تخفيف الرعب.

TRT عربي
الأكثر تداولاً