أصبح التنمر اليوم مشكلة شائعة وخطيرة، ويؤكّد عديد من الأبحاث والدراسات مدى الآثار السلبية التي تبقى في ذاكرة الطفل بسببه، وبالتالي يؤثر في صحته النفسية على المدى البعيد

يُعَدّ التعرف على التنمر في السنوات الأولى من عمر الطفل أمراً ضرورياً لمنع مشكلات الأطفال الاجتماعية والعاطفية في حياتهم لاحقاً.

التنمر، أو الاستقواء، أو البلطجة، أسماء مختلفة لظاهرة سلبية واحدة، وتُعَرَّف عادة بأنها سلوك عدواني متكرر غير مرغوب به بين الأطفال يتضمن إيقاع الأذى على فرد أو أكثر، قد يكون على شكل عدوان بدني أو نفسي أو عاطفي أو لفظي.

ويحصل عادةً من طرف قوي مسيطر تجاه فرد ضعيف، لا يُتوقع أن يردّ الاعتداء عن نفسه، ولا يبادل القوة بالقوة، ولا يستطيع أو لا يقدر على أن يبلّغ أحداً من الراشدين من حوله على عن الحادثة، ولعل هذا السبب بالذات هو سرّ الاستقواء على الضحية.

غالباً ما يتبع التنمر مجموعة متنوعة من الآثار قصيرة وطويلة المدى على كل من الضحية والمتنمّر، كما يمكن أن يكون التنمر علنياً من السهل رؤيته، أو خفيّاً يصعب اكتشافه، وهو ما يفرض تحدياً على الأسرة والمدرسة على حد سواء أن تكونا متيقظتين للعلامات الخفيَّة المحتملة للتنمر من أجل معالجة آثاره سريعاً للحفاظ على الأسرة والمجتمع من تنامي أسباب تدعو إلى التفكك.

التدخل المبكّر للحيلولة دون حدوث التنمر بين الأطفال، وتنمية الوعي لدى الأسرة بهذه الظاهرة، يُعتبران شرطين ضروريين من أجل وقف هذه الظاهرة، ورفض الفكرة الشائعة لدى كثير من الناس بأن التنمر يُعَدّ سلوكاً طبيعياً بين الأطفال، وينتهي تلقائياً دون تدخل. وهي فكرة مغلوطة، فمع التقدم في العمر يصبح التنمر مشكلة خطيرة، ويصبح التدخل أمراً صعباً.

يتخذ التنمر عديداً من الأشكال، فهناك التنمر الجسدي، مثل الضرب، والعضّ، والدفع، ويُمكن أن يشمل أيضاً الاعتداء على ممتلكات الآخرين.

وهناك التنمر اللفظي، مثل الشتائم، ودعوة الطفل بأسماء سيئة، والسخرية منه، وتهديده، وإطلاق بعض الألقاب المبنية على التحقير.

وهناك التنمر الانفعالي، مثل الإهانه، والتخويف. والتنمر الاجتماعي، وهو رفض الجماعة لهذا الفرد وتجاهله، ونشر الإشاعات عنه. والتنمر الإلكتروني الذي أصبح شائعاً هذه الأيام بشكل كبير، خصوصاً مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي والأجهزة الرقمية المحمولة.

اختلف المتخصصون والخبراء حول تفسير سلوك التنمر: هل هو وراثي، أم مكتسب من البيئة الاجتماعية المحيطة بالطفل؟

ومن المؤكد لدى عديد من الباحثين أن نمط التنشئة الاجتماعية ومعاملة الآباء وسوء العلاقات الزوجية داخل الأسرة تكمن وراء هذا السلوك.

فمن المعلوم أن سلوك الطفل ينمو من خلال ملاحظته سلوك أفراد أسرته، فإذا كان الأب مثلاً يمارس التنمر في أسرته، فمن الطبيعي أن يقلّد الطفل هذا السلوك. ومما يزيد الأمر خطورة أن الأطفال أكثر الفئات قدرةً على التقليد والمحاكاة.

كما يشير بعض الباحثين إلى أن المشكلات السلوكية التي يُبديها الأفراد في فترة المراهقة غالباً ما تعود إلى أساليب التربية الأسرية غير الصحيحة التي تَلقَّاها الطفل في فترة الطفولة المبكرة.

والطفل الذي يتلقى الحماية الزائدة من أسرته، والطفل المسيطَر عليه من أسرته، وأساليب العقاب البدني والصراخ على الطفل في البيت، وتشجيعه على أخذ حقّه بالعنف، تُعَدّ من العوامل التي تُسهِم في تشكيل سلوك التنمر لديه.

وبالإضافة إلى الأسباب التي تتعلق بالأسرة والتنشئة الاجتماعية للطالب، هناكأسباب تتعلق بالبيئة المدرسية، مع العلم أن هذه الظاهرة منتشرة في المدارس وتنمو وتستمرّ بخفية بسبب قلة التواصل والاستماع إلى الأبناء ومشاركتهم مشكلاتهم المدرسية. وأظهرت دراسة أن غياب التواصل بين الأسرة والمدرسة، وعدم تطبيق المدرسة قوانين صارمة لردع سلوكيات التنمر، من شأنه أن يزيد حالات التنمر داخل أسوار المدرسة.

وعن دور المدرسة في منع ظاهرة التنمر والحدّ منها، أشارت الإخصائية التربوية هبة الله كنعان في حديثها مع TRT عربي إلى أن "للمدرسة دوراً كبيراً في هذه القضية، لكونها المؤسسة الاجتماعية الثانية بعد الأسرة التي أولاها المجتمع مهمة تنشئة أبنائه، وأول خطوة في علاج هذه المشكلة أو ربما الوقاية من هذه المشكلة هي توفير الأجواء الملائمة في المدرسة لعملية اتصال وتواصل إيجابي فعال، وتحفيز روح التعاون بين التلاميذ. كما أن على المدرسة سَنّ قوانين صارمة لردع سلوكيات التنمر، وتكثيف إشراف المعلمين خلال الدوام المدرسي على التلاميذ بما يضمن عدم تعرُّضهم للتنمر والخوف.

وأكدت كنعان "أهمية إدراك المعلم أنه قدوة لطلابه، فلا يستخدم أساليب العقاب الجسدي والصراخ والشتائم، كما يجب أن تهتمّ المدارس بالجانب التوعوي للطلاب حول ظاهرة التنمر، وتفعيل دور المرشد التربوي والنفسي في المدرسة لمتابعة مشكلات التنمر من أجل معرفة أسبابها والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها".

آثار التنمر

التورُّط في سلوك التنمر له نتائج عكسية على كل من مرتكبي التنمر وضحاياه، على رأسها انخفاض تقدير الذات، والاكتئاب، والقلق، ومشاعر الخجل، وعدم الشعور بالأمان، ونقص التوافق الانفعالي والاجتماعي، ونقص العلاقات والمهارات الاجتماعية مثل رفض الأقران أو قبول الأقران المنخفض للضحايا.

كما أشار عديد من الدراسات إلى أن الأطفال ضحايا التنمر يعانون نقص الاندماج في المدرسة وضعف الأداء الدراسي، وقد تصل إلى حد الانتحار، فقد كشفت دراسة أن بين التنمر والانتحار رابطاً قوياً، إذ يؤدي التنمر إلى عديد من حالات الانتحار كل عام، ففي بريطانيا وحدها ينتحر ما بين 15 و25 طفلاً سنوياً نتيجة تعرضهم لمضايقات المتنمرين، ويمكن تفسير هذه النتيجة بأن التعرُّض للتنمر قد يترك جروحاً نفسية وعاطفية مستمرة، لذا يفكّر الفرد في التخلص من حياته رفضاً للواقع واليأس من المستقبل.

أما الطلاب الذين تَنمَّروا على الآخرين ففي الغالب يصبحون عرضة للانخراط في السلوك المعادي للمجتمع، مثل التخريب والتغيب عن المدرسة والسرقة.

ويرى علماء النفس أن هذا السلوك قد يتحول إلى نوع من الانحراف، وسيستمر في كثير من الأحيان إلى مرحلة الشباب، فقد أثبتت دراسة أن 60% تقريباً من الأطفال المتنمرين أظهروا عند سنّ الرابعة والعشرين من العمر سلوكيات مرفوضة ومخالفات للقانون أكثر من غيرهم من الأطفال.

كما يعاني هؤلاء الطلاب كثيراً من المشكلات العاطفية والاجتماعية، وغالباً يكون الطلاب المتنمرون من فئة الأطفال المنبوذين، لكنهم في المقابل أكثر احتمالية للانجذاب نحو أطفال متنمرين آخرين.

قد يكون من الصعب التعاطف مع المتنمر، إلا أن من الضروري أن يدرك الآباء والمجتمع المدرسي أن المتنمرين ينخرطون في هذه السلوكيات لسبب ما، ويحتاجون إلى علاج مناسب ودعم نفسي واجتماعي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً