فنانان يجيبان بلوحاتهما التي وُلدت معهما من رحم الحرب عن سؤال: كيف يمكن استخراج الحياة الجميلة من الحرب البغيضة؟ TRT عربي تنقل قصة شابين أحدهما رسم المأساة، والآخر لوّنها.

المصمم نضال التوبة والفنان أكرم أبو الفوز، الأول أظهر المأساة والثاني لوّنها
المصمم نضال التوبة والفنان أكرم أبو الفوز، الأول أظهر المأساة والثاني لوّنها (TRT Arabi)
ثنائيات نضال وتناقضاتها

في بيت جبلي هادئ يجلس الشاب السوري من أصل فلسطيني، نضال التوبة، إلى جانب زوجته على أريكته حيث يقيم في ألمانيا. يحمل هاتفه الخلوي ويصمم فيه كل الصور التي ينتجها، في ثنائية متناقضة، وكأنه يستوحي من هدوء المكان الذي يجلس فيه ذاك الصخب الكامن في صور عمله الفني الناطق بـ"توجد مأساة حقيقة".

يحاول مصمم الغرافيك نضال بعمله الفني القائم على دمج الصور ومحاكاتها أن يوضّح للعالم التناقض بين عالمين واقعيين؛ يقارن بينهما ويدمجهما في مشهد واحد يتيح للمتلقي إظهار التناقضات والاختلافات الموجودة بين العالم "المرفَّه" كما يصفه، والعالم الآخر الذي ينسب نفسه إليه.

ثنائية الحرب والسلام
ثنائية الحرب والسلام ()

لا ينفصل الغضب والمأساة التي يعبّر عنها نضال في فنّه عن واقع حياته التي عاشها، يقول "تعرضت لطلق ناري برصاصتين من قِبل الأمن السوري في مظاهرة الساعة الجديدة بتاريخ 27 ديسمبر/كانون الأول2011، في مدينة حمص، لقد تسببت لي في مأساة حقيقية فعلاً".

ويضيف نضال "بدأتُ رحلة علاج استمرت عدة سنوات، هربتُ على إثر ذلك إلى لبنان، وبدأت فيه حياة أخرى، إلا أني واجهت مأساة من نوع جديد عندما وجدت نفسي رغم صغر سني في دولة جديدة تعرضت فيها للعنصرية كوني سوريّاً ومن أصل فلسطيني".

لم يكن كل هذا الغضب الذي يحمله نضال بين جنبيه كافياً كي يدفعه لنشر تصاميمه، حتى كان ذلك اليوم منذ قرابة العام وهو جالس يرقب التظاهرات الفرنسية فيما عرف باحتجاجات السترات الصفراء، ويلحظ فيها الاختلاف في تعامل قوى الشرطة الفرنسية مع المحتجين عنه في سوريا ومصر.

تذكّر هنا نضال صور الآلاف من المحتجين في بلاده تلك التي عاينها واقعاً، قرّر عندها إظهار غضبه للعلن، وكانت هذه الصورة المستوحاة من التظاهرات الفرنسية والسورية هي أول عمل له ينشره على إنستغرام.

ثنائية بين الاحتجاجات الشعبية في سوريا وفرنسا
ثنائية بين الاحتجاجات الشعبية في سوريا وفرنسا ()

الحزن والفرح، الألم والأمل، التخلف والتطور، الجهل والإبداع، الرفاهية والفقر، كلها ثنائيات متناقضة تحملها تصاميم نضال. يريد بها أن يعيد تأثير الصورة في ذاكرة المتلقي العربي قبل الغربي، ليحفز بها ذاكرته ويجعله يقف مطولاً أمام "المأساة الحقيقية فيها".

ثنائية الألم والأمل
ثنائية الألم والأمل (TRT Arabi)
ثنائية الفقر والرفاهية
ثنائية الفقر والرفاهية (TRT Arabi)
ثنائية الجهل والإبداع
ثنائية الجهل والإبداع (TRT Arabi)

كما يريد نضال بهذا التناقض الذي تحتويه تصاميمه الفنية أن يعلي صوت الموجودين في المخيمات، والمهاجرين والجرحى، والأيتام والجوعى على صوت السلاح والمسلحين، "نحن لسنا ساحة قتال" يقول نضال للمجتمع الغربي.

ثنائية التعاسة والرّخاء
ثنائية التعاسة والرّخاء ()
ثنائية الموت والخلاص
ثنائية الموت والخلاص ()
ثنائية الافتقار والرغد
ثنائية الافتقار والرغد ()
ويرى نضال أن إظهار المعاناة عبر الفن أكثر تأثيراً من استهداف الأشخاص، يقول "كلنا نعلم من هو المجرم ومن قتل ودمر هذه الشعوب، الالتفات إلى المآسي الحقيقية يعطي للصورة حقها أكثر".

ويؤكد أنه لا توجد جمالية أمام الدمار والدماء ودموع الأطفال والنساء، وأن إخفاء هذه الصور يسلب من الواقع مصداقيته.

قذائف وصواريخ مزخرفة

لم يكن يعلم أكرم أبو الفوز أن قذيفة الهاون التي احتفظ بها في إحدى زوايا بيته في مدينة دوما، كتذكار من الحرب التي ظنها قصيرة، ستكون البداية التي انطلق منها في رحلة مشروعه الفني "الرسم على الموت".

أكرم أبو الفوز يواجه الحرب في دوما بالفن
أكرم أبو الفوز يواجه الحرب في دوما بالفن ()

كان منظر القذيفة قبيحاً، فمسح عنها غبار الموت وألبسها ثوب الحياة من جديد بألوانه وزخرفته، لتكون رسالة سلام معبرة عن رفض القتل والحرب. هذه هي خلاصة رسالة أكرم الفنية التي انطلق بها منذ 2014.

القذيفة قبيحة جداً، فكيف أضحت جميلة عبر فنه؟ ألا يخالف ذلك وظيفة الفنان بأنه شاهد على الحرب؟، يقول أكرم: "عملي هذا ليس لتزيين الموت لأن الموت لا يزيّن بأدواته، ولكنه تجميل الحياة في أعيننا وقتل أسطورة الموت".

ويضيف "مجمل الرسائل التي يصدرها الفنانون كانت للتعبير عن معاناة الشعوب أو فرحها، ولكن أن تتغير المعادلة وتخرج رسالة للعالم بقوتهم وحبهم للحياة أثناء موتهم فهنا تكمن القصة كاملة".

أكرم أبو الفوز يحول القذيفة إلى تحفة فنية
أكرم أبو الفوز يحول القذيفة إلى تحفة فنية (AA)

يؤكد أكرم أنه لا يوجد شيء في هذا العالم يستطيع أن يجمّل الحرب، "فالحرب بغيضة"، إلا أن أعماله تهدف لحب الحياة لا لتجميل الحرب.

"كنت أركز في جميع رسوماتي على عشقنا لهذه الحياة دون حرب، وأتمنى أن تصبح هذه الأسلحة بهذا الشكل في كل شبر من هذا الكون لنعيش السلم والسلام والأمان، وكأن الألوان تنطق بكفى، دعونا نعيش فلدينا ما نقدمه للحياة أكثر من الموت"، يصف أكرم تحفه الفنية المصنوعة من ركام الموت، والذي كان أقرب إليهم من أي شيء آخر في مدينة دوما - الغوطة الشرقية.

يرفض أكرم أبو الفوز فكرة أنه يجمّل الحرب بالفن
يرفض أكرم أبو الفوز فكرة أنه يجمّل الحرب بالفن ()

ويحاول أكرم أن يلفت أنظار العالم إلى السلام الذي يحمله السوريون، يقول "نحن شعب لديه ثقافة ولدينا جذور وأصالة في كل شيء ولسنا بإرهابيين كما يروج لذلك نظام الأسد وحلفاؤه، نحن شعب نستحق الحياة ونبني لها ونحبها ونهوى السلم والتعايش ونسعى لأجله".

ويسعى لنشر هذه الرسالة عالمياً عبر المعارض التي شارك فيها بأعماله في كل من السويد وألمانيا وأمريكا وبلجيكا وبريطانيا وفرنسا وقطر.

إحدى الصور التي شارك بها أكرم أبو الفوز  عام 2016 في معرض فني في مدينة كولونيا الألمانية تحت اسم (سوريا الفن والهروب)
إحدى الصور التي شارك بها أكرم أبو الفوز  عام 2016 في معرض فني في مدينة كولونيا الألمانية تحت اسم (سوريا الفن والهروب) ()

أضافت تلك الرقعة التي كان يبحث عبرها أكرم بين ركام الحرب عن بصيص أمل ولّد به مشروعه الفني "الرسم على الموت" حباً للحياة والسلام واستثماراً للوقت وشعوراً بمعاناة الغير، كما مكّنته من إنشاء علاقات جديدة عرّفته على الكثير من ثقافات الشعوب الأخرى وفنونها.

المصدر: TRT عربي