تصاعدت موجة التطبيع العربي مع "إسرائيل" في النصف الثاني من عام 2020، وبدأت دولٌ عربية عدّة عقد اتفاقيات السلام، وتأتي هذه الموجة الجديدة على أثر أربعة أعوام من رئاسة ترامب، أعوامٌ عجاف مترعة باستهداف القضية الفلسطينية ومحاولة تصفيتها



من الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لـ"إسرائيل"، ونقل السفارة الأمريكيّة إليها، وإغلاق مكاتب منظمة التحرير في واشنطن، وصولاً إلى حجب الحصة الأمريكية في ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، خطوات عديدة رسمها الفريق الذي وضع "صفقة القرن"، في محاولة لتذليل العقبات أمامها، وجعلها أمراً حتمياً قبل نهاية ولاية ترامب الرئاسية.

وفي سياق تسليط الضوء على واحدٍ من الملفّات التي حاول ترامب إنهاءها عبر استهداف وكالة "الأونروا"، نتناول في هذه المادة واقع اللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص اللاجئين القاطنين في لبنان، الذين يعانون إلى جانب أوضاع اللجوء العسيرة، المزيد من الضغوط الاقتصادية في ضوء الأزمة اللبنانية الاقتصادية الحالية، والاضطرابات المالية والسياسية التي تشهدها البلاد.

قضية اللجوء.. مرارات التاريخ وجرائم التهجير

بدأت قضية اللاجئين الفلسطينيين بالظهور منذ عام 1948، فعلى أثر إعلان العصابات الصهيونية إقامة دولة "إسرائيل"، شكل الفلسطينيون أصحابُ الأرض غالبيةً سكانيةً لا يمكن الاستهانة بها، ومن أجل حلّ ارتفاع أعدادهم في الأراضي التي ستشكل نواة دولة الاحتلال، ومن أجل ضمان التفوق العددي اليهودي فيها، قامت العصابات الصهيونيّة بشن هجماتٍ عنيفة على القرى والمدن الفلسطينيّة، وتشير المصادر التاريخيّة إلى أن هذه العصابات اقترفت 37 مذبحة، ودمّرت 478 قرية من أصل 585 قرية في المناطق المحتلة عام 1948، وهجّرَت سكان 531 قرية من هذه القرى. ويشير الدكتور محسن محمد صالح في كتابه "مدخل إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين" إلى أن حملات التهجير القسرية هذه، أدّت إلى تهجير نحو 800 ألف فلسطيني من أصل مليون وأربعمئة ألف من سكان فلسطين حينها، وهو ما يشكّل نحو 57% من مجمل الشعب الفلسطيني آنذاك. وعلى أثر حرب عام 1967 هجّر الاحتلال أعداداً أخرى، داخل وخارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.

التعداد السكاني للاجئين الفلسطينيين في لبنان وتوزيعهم الديموغرافي

حسب دراسة "معاناة اللاجئ الفلسطيني" لمريم عيناتي ومعين مناع، تَراوَح عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا إلى لبنان بعد النكبة، بين 100 و130 ألفاً، وُزّعوا على أكثر من 45 مخيماً وتجمعاً، بقي منها حتى اليوم 12 مخيماً رسمياً تُديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، وهي مخيمات "عين الحلوة، والمية ومية، وشاتيلا، وبرج البراجنة، ونهر البارد والبداوي، والبص، والرشيدية، وبرج الشمالي، وويفل، وضبية، ومار إلياس"، إضافةً إلى 13 تجمعاً غير رسميّ لا تعترف بها "الأونروا" ولا تقدم لها أي خدمات. وإبان الحرب الأهلية اللبنانية تعرضت ثلاثة مخيمات للتدمير الكامل، ولم يتم إعادة تشييدها، وتَعرَّض اللاجؤون حينها لعدد من المجازر الفظيعة، راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل.

وفي سياق آخر الأرقام الإحصائية الخاصة باللاجئين، ينقل التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2018-2019، الذي يعده مجموعة من الباحثين وصدر عن مركز الزيتونة في بيروت، أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان المسجلين لدى وكالة "الأونروا" في 1/2/2019 نحو 533,885 نسمة، يعيش 50.7% منهم في المخيمات الرسمية. وأظهرت نتائج التعداد العام للاجئين الفلسطينيين في لبنان لعام 2017، الذي أعدته إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وأشرفت عليه لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، أن عدد اللاجئين القاطنين في المخيمات والتجمعات السكانية يبلغ 174,422 نسمة، وقد أثارت هذه الأرقام حينها انتقادات عديدة، وأنها محاولة لتقليل أعداد الفلسطينيين اللاجئين لأهدافٍ سياسية.

وحسب بيانات هذا التعداد العام، يتمركز اللاجئون بنسبة 36% في منطقة صيدا، و25% في منطقة الشمال، و15% في منطقة صور، و13% في بيروت، ويُعَدّ المجتمع الفلسطيني في لبنان مجتمعاً فتياً، إذ يشكل الأفراد ما دون 15 عاماً نسبة 29%، في حين بلغت نسبة من تبلغ سنّهم 65 عاماً فأكثر 6.4%، وبلغ متوسط حجم الأسرة الفلسطينية في لبنان 4 أفراد، وبلغت نسبة الأسر التي ترأسها نساء 17.5%.

ثالثاً: ملامح من معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

يعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان معاناة شديدة كحال اللبنانيين والسوريين، على الصعد الاقتصادية وظروف السكن في المخيمات، إضافةً إلى غياب أي آليات قانونية سليمة لإدارة شؤونهم الخاصة، ما يفاقم ما يعانونه من تهميش وتمييز، فحسب القانون اللبناني يُمنع على اللاجئ الفلسطيني العمل في أكثر من سبعين مهنة، بما فيها معظم المهن الأساسية كالطب والمحاماة والهندسة والصيدلة وغيرها، ولا يُسمح لهم بالتملك العقاري، ما يعدّ خرقاً للمواثيق الدولية، ولأبسط حقوق الإنسان.

وفي ما يأتي بعض ملامح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان:

اللاجئ بين فكَّي الأزمة الاقتصادية وكورونا

يعاني لبنان من أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ أواخر عام 2019، ألقت بظلالها على القاطنين فيه من مواطنين ولاجئين، وحسب دراسات صادرة عن مؤسسات دولية، فَقَدَ نصفُ الرجال العاملين وظائفهم جراء تفشي وباء كورونا، وما يعانيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة، وحسب منظمة "ماعت للسلام والتنمية" يعمل معظم هؤلاء في وظائف ذات مردود مالي متدنٍّ، كعمال البناء والمزارعين، وذكرت المنظمة أن متوسط ديون الأسرة الواحدة بلغ نحو 1115 دولاراً أمريكياً، فيما اضطُرّ 70% من اللاجئين إلى تقليل استهلاكهم من الغذاء. وأشارت مصادر فلسطينية إلى أن تراكم الأزمة الاقتصادية مع الجائحة أدى إلى وصول نسبة البطالة بين الشباب الفلسطيني إلى نحو 80%، وهو الأعلى منذ سنوات طويلة.

تقليص تقديمات الأونروا

عملت الإدارة الأمريكية في عهد ترامب على تطبيق مسبق لـ"صفقة القرن"، فعملت على إنهاء ملف اللاجئين عبر تجفيف تمويل وكالة الأونروا، ففي 5/1/2018 جمّدَت الولايات المتحدة نحو 125 مليون دولار من مساهمتها في ميزانية الأونروا، وفي شهر أغسطس/آب 2018 أعلنت الإدارة الأمريكية قطع مساعداتها المالية عن وكالة الأونروا بشكلٍ كامل، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر ناورت، إن واشنطن قررت عدم تقديم المزيد من المساهمات للأونروا بعد الآن.

وأدّى تراجع تمويل الأونروا إلى تقليل الكثير من الخدمات التي تقدمها، ففي شهر سبتمبر/أيلول الماضي أعلن مسؤول كبير في وكالة الأونروا أن جميع برامج الوكالة مهددة بالتوقف قريباً بفعل العجز المالي في ميزانيتها. وذكر أن الوكالة تواجه عجزاً يبلغ 200 مليون دولار لتغطية برامجها الإنسانية حتى نهاية العام الجاري، ما يؤثر في قدرة الوكالة على دفع رواتب موظفيها واستمرار برامجها الإنسانية، بخاصة مع انتشار معطيات عن خطة للوكالة، تستغني بموجبها عن عشرات المعلمين والعمال.

وأكد مدير عام وكالة الأونروا فيليب لازاريني في تصريحات صحفية، أن أوضاع اللاجئين في مختلف بلدان اللجوء "مخيفة"، ولكنها الأسوأ في صفوف اللاجئين في لبنان، وبحسب لازاريني فإن أكثر من 80% من اللاجئين في لبنان يعتمدون على المساعدات المقدمة من الوكالة. وتشير هذه المعطيات، وما أسلفنا الإشارة إليه حول الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في لبنان، إلى أن أي تقليصٍ في خدمات الأونروا وتقديماتها الإنسانية، يُنذِر بكارثة إنسانية وشيكة، تُسهم في ترسيخ معاناة آلاف اللاجئين.

وزارة العمل ومحاربة اللاجئ الفلسطيني في رزقه

لم تكن معاناة الفلسطيني من اللجوء والظروف الاقتصادية المتردية هي عامل التشنج الوحيد في السنوات الأخيرة، فقد أطلقت وزارة العمل اللبنانية في 6/6/2019، حملة على "العمالة الوافدة" في لبنان، استهدفت من خلالها اللاجئين الفلسطينيين بشكلٍ خاص، وعملت طواقم تابعة لوزارة العمل على وقف العمال الفلسطينيين الذين يعملون دون إجازة عمل، على الرغم من الوضع الخاص للاجئ الفلسطيني، وضرورة النظر بأوضاعه الاقتصادية والمعيشية، وتراجعت هذه الحملة على أثر وعود من الحكومة اللبنانية بوقفها والنظر بواقع اللاجئين، وعلى الرغم من توقفها، فإن الدولة اللبنانية لم تقم بأي إجراء عملي يسمح للاجئين بالانخراط أكثر في البنية الاقتصادية.

المخيمات بيئة مستهدفة ومحرومة

لم تتدخل الدولة اللبنانية منذ بداية قضية اللاجئين بالمخيمات الفلسطينية، التي افتقرت إلى التنظيم المدني اللازم، فسيطر عليها البناء العشوائي، وافتقرت إلى الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرفٍ صحيّ، وعلى الرغم من الازدياد الطبيعي لسكان المخيمات، تضع السلطات اللبنانية قيوداً صارمة على إدخال مواد البناء إلى المخيمات الفلسطينية، ولا تسمح إلا ضمن شروط صارمة وبكمياتٍ صغيرة.

وعلى الرغم من الدور الفلسطيني الكبير، تمارس وسائل إعلام لبنانية وأطراف سياسية التحريض بحق اللاجئين الفلسطينيين، في سياق التركيز على بيئة المخيمات الفلسطينية، ومحاولة تشويه الدور الفلسطيني وشيطنة المخيمات، وهو ما ترفضه الأطراف الفلسطينية بشكلٍ متكرر، وتصر على أنها تحت القانون اللبناني، وتقوم بتسليم المطلوبين إلى السلطات الأمنية المختصة.

أخيراً، يشكّل اللاجئون الفلسطينيون اليوم دائرة رخوة تستهدفها الظروف العامة المتردية التي تعصف بلبنان وتؤثر في مختلف سكانه وقاطنيه، إذ تستهدفها مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، ومحاولة إنهاء قضيتهم من خلال الأمر الواقع أو الصفقات المشبوهة، أو عجز المنظمات الدولية عن تأمين احتياجاتهم، وتستهدفهم أذرع معروفة التوجه، تعمل على شيطنتهم وتلفيق الاتهامات بحقهم، ما يجعل العمل على معالجة هذه القضية، وتثبيت اللاجئين ومد يد العون إليهم، جزءاً أساسياً من مواجهة خطط تصفية القضية الفلسطينية، وهي مواجهة تتصاعد مع كل موجة من موجات التطبيع العربي مع "إسرائيل"، وتحتاج إلى تضافر الجهود على الصُّعُد كافة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً