يميل الناس في الوضع الطبيعي إلى التعاطف مع معاناة الآخرين بحسب قربهم من القصة ومعطياتها، فنميل مثلاً إلى التعاطف مع القصة التي تشبهنا أو التي نستشعر بأنها أقرب إلينا، من نفس الدولة، أو من نفس العمر، أو من نفس الدين، أو العرق.

صورة علقت مع الورود أمام مسجد النور الذي وقع فيه الهجوم الإرهابي في نيوزيلندا
صورة علقت مع الورود أمام مسجد النور الذي وقع فيه الهجوم الإرهابي في نيوزيلندا (Reuters)

أكثر من 50 ضحية على الأقل قضت نحبها في هجوم نيوزيلندا الإرهابي، بينما يرقد في المشافي النيوزيلندية عشرات المصابين الذين لا يعلمون أن عدداً كبيراً من عائلاتهم ممن كانوا برفقتهم قد توفوا في هذا الهجوم.

أحدهم الدكتور محمد عليان، مؤسس مسجد النور الذي وقع فيه الهجوم، محمد هو والد الشاب عطا عليان الذي لم يتمكن من النجاة بعدما اخترقت رصاصة صدره وأردته قتيلاً أمام عيني الإرهابي، محمد ما زال في العناية المركزة لم يستفق حتى الآن، ولا يعلم أن ابنه قد غادر هذا العالم.

امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بصور ضحايا الهجوم، عقب ساعات من حدوثه، وتناقل الأشخاص تعازيهم ومواساتهم لأهالي الضحايا الذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم.

منهم صور عطا ووالده، وسيل من المشاعر المتدفقة التي جعلت من قصة أشخاص عاديين جداً، ضحايا ينحب الجميع عليهم، ويتعاطفون معهم بشكل شخصي، ولكن ما حجم هذا التعاطف، وما تأثيره ومدته؟

ما بعد الهجوم الإرهابي:

أصبحنا نرى التعاطف مجرد أرقام إحصائية نحصي بها مجموع آلام الناس، نشاهد صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي وننعاهم بـ(لايك) أو وجه دامع مع إضافة مارك التكنولوجية، ولكن هذا التعاطف سننساه تماماً بعد ثوانٍ ونعود لمتابعة حياتنا.

يميل الناس في الوضع الطبيعي إلى التعاطف مع معاناة الآخرين بحسب قربهم من القصة ومعطياتها، فنميل مثلاً إلى التعاطف مع القصة التي تشبهنا أو التي نستشعر بأنها أقرب إلينا، من نفس الدولة، أو من نفس العمر، أو من نفس الدين، أو العرق.

وهذا يجعل التعاطف رد فعل لا شعوري في الدماغ تتحكم فيه خبراتنا السابقة، حسب عالم الأعصاب البريطاني دانيال جلاسير.

وبهذا يكون التعاطف الذي نشعر به من دون أن نتحكم في معطياته شعوراً انتقائياً، يجعلنا نتعاطف مع أشخاص دون غيرهم، أو مع قضية دون غيرها، يجعلنا نضع الأحداث في بقعة محددة نسلط عليه الضوء دون غيرها ونراها بزوايا مغلقة وقاصرة، وهذه إحدى مشاكل التعاطف في العالم على مرّ التاريخ عموماً، فهو يساعد فئة ولكنه يظلم فئة أخرى ستشعر بالتهميش وعدم التمتع بنفس القدر من الاهتمام العاطفي كفئة أخرى.

كيف تعامل الجمهور مع هجوم نيوزيلندا الإرهابي؟

نشر موقع Cinismo Ilustrado المكسيكي عام 2015 خريطة أظهرت تباين التعامل مع الكوارث والاعتداءات التي تتعرض لها بلدان العالم، من حيث حجم التعاطف والاهتمام الإعلامي والسياسي في القضية، وحجمها في تغير معطيات أحداث أو ربما قوانين ما، وفي الخريطة احتلت الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا المركز الأول، تلتها دول أمريكا اللاتينية ثم منطقة شرق أوروبا، فيما جاءت الدول العربية في المرتبة الثالثة ودول أفريقيا جاءت في المركز الأخير.

وهذا ما يفسّر بشكل إحصائي لماذا كان التفاعل والتعاطف الذي حصل في نيوزيلندا عالمياً وعربياً انتقائياً بشكل كبير، ولكنه يفسر أيضاً لماذا تفاعلت الدول الغربية على الرغم من تفاعلها المحدود إعلامياً وسياسياً مع الهجوم الإرهابي. في المقابل يموت العشرات من المسلمين في مناطق أخرى كثيرة من العالم مثل ميانمار والصومال وأفغانستان وغيرها، على يد إرهابين يدّعون الإسلام تارةً وعلى يد قوات عسكرية أجنبية تقتل المدنيين العزّل "بالخطأ".

يعرِّف هذا الشعور الملتبس عالم النفس بول بلوم، بقوله إن هذه "الرياضيات الأخلاقية المنحرفة" جزء من السبب وراء هذا الاهتمام، واختلاف ردة الفعل على حوادث قتل المدنيين باختلاف المكان أمر يفسر الانتقائية حول ماهية ردود الأفعال.

ماذا بشأن المسلمين؟

قامت الباحثة في علوم النفس والاجتماع، سارة كونراث بعمل دراسة بحثية حول مفهوم "التعاطف المطلق مع الأشياء"، وأشارت خلال الدراسة إلى أن اندراج بعض المجتمعات وقولبتها تحت اسمٍ ما، يزيد من تعاطفها إزاء بعضها، وهذا ينعكس على أبناء المجتمع الواحد، في منطقة واحدة، أو الذين تجمعهم قيم وإيديولوجيات واحدة في مجتمعات مختلفة.

تعرّف هذه "بالجمعية"، إذ يرى الفرد نفسه كجزء من مجموعة، تحمل نفس القيم والمُثل والعادات والتقاليد والدين أيضاً، وفي هذه الحالة من الانسجام والتماس بين أفراد المجموعة الواحدة تجد الدراسة أن نسبة التعاطف تكون أعلى وأكثر تماسكاً.

أما الشق الآخر فكان يتعلق بفردانية الشعوب وهي المُثل التي تتمتع بها معظم المجتمعات الغربية، فهي تتضمن الفردية ورؤية الذات على أنها منفصلة ومتمايزة عن الآخرين، وهذا ما قد يجعل البعض كما ورد في الدراسة يشعرون بضعف في التعاطف، أو على تخيل أنفسهم في مكان الآخرين.

كل ذلك فسر الكثير من موجات السخط التي انسالت بين الكثيرين في المجتمعات الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً، وشعورهم بقلة تعاطف المجتمع الغربي تجاه القضية التي ينظر إليها المجتمع الغربي بوصفها حادثة إرهابية لكنها تشكل خطراً عليهم، ولا يمكنهم تخيل أنفسهم في نفس مكان الآخرين (المصلين) الذين كانوا يؤدون شعائرهم الدينية في يوم الجمعة.

كيف حاول الإرهابي أن يجعل من نفسه بطلاً؟

خلال أقل من نصف ساعة من البث المباشر الذي قام به المنفذ الإرهابي ريثما كان يقتل أبرياء يصلون في المسجد، انهالت تعليقات المتابعين له والمؤيدين لقتل هذه الفئة التي لا يشعرون معها بتعاطف، بل يرونها بمنظور الضحية والجلاد، مشجعين لقتل المزيد منهم "لتخليص بلادهم من الغزاة" كما كانوا يقولون.

وهذا ما حاول الإرهابي إبرازه أيضاً لجلب تعاطف البعض إزاء قضيته وأسباب فعله لهذا الهجوم، من خلال بند استخدام الإنترنت لإيصال الفكرة وتحريض الآخرين عبر المانفيستو الذي نشره على صفحته وتعمّد إرساله إلى رئيسة الوزراء وعدد من المسؤولين ووسائل إعلام محلية ليصنع لنفسه قاعدة شعبية تتعاطف انتقائياً مع فعلته، تبررها وتصنع منه بطلاً قام بالتضحية بنفسه من أجل أن يعيش "الرجل الأبيض العادي" بسلام.

المصدر: TRT عربي - وكالات