يَعدّ الرئيس ترمب الاحتباس الحراري خدعة، ويدفع بلاده بعيداً عن أية جهود دولية لمكافحة خطر ارتفاع درجة حرارة الكوكب، على الرغم من تأكيد العلماء أن خطر الاحتباس الحراري أصبح ماحقاً وينذر بعواقب كبيرة.

"إن هذه الفترة هي الأكثر دفئاً من عمر الحضارة الإنسانية الحديثة"، هذا ما صرح به أحد أهم خبراء المناخ ديفيد فاهي من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة. فحرارة الأرض سجلت ارتفاعاً قدره درجة مئوية واحدة، وهي في طريقها إلى أن تسجل ارتفاعاً محتملاً يقدر بحوالي خمس إلى ست درجات مئوية مع نهاية القرن الحالي، أي عام 2100. ربما يبدو هذا التاريخ بعيداً جداً. فمن منا سوف يعيش إلى ذلك العام الذي سيشهد فيه العالم تغييرات كارثية على مستوى البيئة والمناخ؟ فذاكرة الإنسان المستقبلية غالباً ما تسقط من حساباتها تلك الفترات الزمنية التي تتجاوز متوسط عمره الافتراضي الذي يتراوح بين الستين والسبعين سنة، ولذلك تجد الغالبية غير معنية بالتفكير فيما سوف يحدث في العام 2100، هذا على الرغم من أن ذلك التاريخ لا يبعد عنا إلا جيلين فقط أو ثلاثة على أبعد تقدير، وهو ما يعني أن أحفادنا سوف يشهدون ذلك العصر لا محالة.

ماذا عن جيلنا نحن؟ بحلول عام 2030 وهو العام الذي ربما سيشهده غالبيتنا، فإن علماء البيئة يتوقعون أن ترتفع درجة حرارة الأرض إلى ما يقرب من ثلاث درجات مئوية. يعد هذا كابوساً مقلقاً للبشرية سيهدد بمخاطرة جمة تصل إلى انقراض أنواع كثيرة من الأحياء، وسيفرض تحديات وجودية على الجنس البشري من خلال تعطيل منظومة الأمن الغذائي العالمي، وعدم قدرة الإنسان على العمل خارجاً والعيش في بعض مناطق العالم، الأمر الذي سوف يتسبب في هجرات واسعة لا تُحمد عقباها، وهنا يبرز نموذج بنغلادش الذي يعد النموذج المصغر لما قد يحدث لاحقاً، حيث تشهد البلاد غرقاً لبعض مناطقها وهو ما يدفع الكثيرين إلى الهجرة إلى الهند.

حرارة الأرض سجلت ارتفاعاً قدره درجة مئوية واحدة، وهي في طريقها إلى أن تسجل ارتفاعاً محتملاً يقدر بحوالي خمس إلى ست درجات مئوية حتى عام 2100.

نبيل عودة

عتبة الدرجتين المئويتين وخطر الانقراض

بالنظر إلى السيناريوهات الفظيعة المكتنفة عتبة الدرجات الثلاث ارتفاعاً في حرارة الأرض، فإن علماء البيئة درجوا على التحذير من الوصول إلى عتبة الدرجتين المئويتين. وهي أيضاً عتبة تتضمن نتائج كارثية. لقد كانت آخر مرة شهدت فيها الأرض ارتفاعاً في درجة حرارتها بمقدار درجتين قبل 11 ألف سنة، وإذا تكرر هذا الأمر في غضون عشرين سنة مقبلة فإن التبعات لا شك ستكون فظيعة، حيث سيعاني العالم من جفاف كبير، الأمر الذي سوف يسبب انهياراً اقتصادياً، وتوقفاً لعجلة التنمية الزراعية، والبنية التحتية، ويُحدث تغيراً جوهرياً على أنماط الطقس. كما سنشهد إضراراً بليغاً بالنظم الإيكولوجية والأجناس الحية التي لا تستطيع التكيف مع تغير كهذا مثل الشعاب المرجانية والمناطق القطبية. كما أن المناطق الساحلية المنخفضة والجزر الصغيرة في جميع أنحاء العالم ستكون معرضة للغرق والاختفاء الكلي مع ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب ذوبان الغطاء الجليدي في القطبين. إن ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين باختصار سيهدد وجود بعض الأمم بأسرها.

خطر ليس بالجديد

إن الأمر المثير هو أن التحذير من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين لم يكن بالأمر الجديد. فقد أطلق الخبير الاقتصادي ويليام نوردهاوس تحذيراً من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين بفعل ثاني أكسيد الكربون عام 1975. وللأسف فقد استغرق الأمر عقدين من الزمان لكي تستجيب الأمم المتحدة لهذا التحذير بإنشائها عام 1992 للاتفاقية الإطارية لتغير المناخ المعرفة بــUNFCCC. غير أن الاتفاقية لم تحتوِ على أية إجراءات إلزامية تجبر الدول الرئيسة المسببة لانبعاث الغازات السامة في الجو على العمل على الحد من إنتاجها لثاني أكسيد الكربون، وهو المتسبب الرئيس في الاحتباس الحراري. لقد كان على العالم الانتظار أربعة عقود من إطلاق التحذير الأول من نوردهاوس لكي يصل إلى اتفاقية دولية بشأن المناخ، وُقّعت في فرنسا عام 2015 من قِبل 197 دولة، وعُرفت باتفاقية "باريس للمناخ". وجوهر الاتفاقية يدور حول العمل بشكل جماعي من كل الدول للحد من الانبعاثات السامة في الجو للسيطرة على ارتفاع درجة حرارة الأرض والحفاظ عليها ما دون عتبة 1.5درجة مئوية.

أوباما وقيادة متعدد الأطراف

كان للرئيس الأميركي السابق بارك أوباما دور جوهري في التوصل إلى اتفاقية باريس. لقد استلم الرئيس أوباما صلاحياته الرئاسية في ظل أزمة اقتصادية عالمية، تُهدد النظام العالمي حينها بكساد كبير يشبه الكساد الذي اجتاح العالم في عشرينيات القرن العشرين. وعليه فقد تبنى مقاربة واضحة تقوم على التعددية في العمل الدولي. فقد آمن بأن العالم بفضل العولمة وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة قد بات مترابطاً ومتداخلاً بشكل لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل، ولذلك فإن معالجة الأزمات الناجمة عن هذا الاعتماد المتبادل يتطلب تكاتف جهود الجميع: من دول، ومنظمات دولية، ومنظمات غير حكومية (NGOs)، وأفراد، ومؤسسات، وكيانات إقليمية. فالعمل بشكل أحادي الجانب لن يكون مجدياً، فما من دولة مهما بلغت قوتها قادرة على معالجة الأزمات العابرة للحدود التي تعصف بالعالم وبالنظام الدولي ككل.

لقد كان على العالم الانتظار أربعة عقود من إطلاق التحذير الأول عام 1975 لكي يصل إلى اتفاقية دولية بشأن المناخ، وُقّعت في فرنسا عام 2015.

نبيل عودة

سمحت سياسة الرئيس أوباما ونظرته للعالم بالتوصل إلى اختراقات مهمة على صعيد العمل متعدد الأطراف دولياً. فقد تم تطوير مجموعة العشرين G20 لتشمل رؤساء الدول بعد أن كانت مقتصرة على وزراء المالية، وتوقيع بعض اتفاقيات التجارة الدولية مثل الشراكة عبر الأطلسي، والتوصل إلى معاهدة ستارت جديدة مع روسيا للحد من انتشار وتطوير الأسلحة النووية، وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني بين إيران ومجموعة (5+1) وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا.

وقد كان من ضمن أهم هذه الاتفاقيات الدولية التي تم التوصل إليها اتفاقية باريس للمناخ. وقد سبقت اتفاقية باريس مجموعة من الإجراءات التي دلت على حرص إدارة الرئيس أوباما على معالجة مشكلة الانبعاثات السامة في الجو، كإعلان الرئيس عن خطته للمناخ في خطاب ألقاه في جامعة جورج تاون في يونيو/حزيران من عام 2013، وتوقيعه أمراً تنفيذياً لمواجهة آثار تغير المناخ في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015.

مع رحيل الرئيس أوباما عن البيت الأبيض ومجيء الرئيس دونالد ترمب خلفه، عادت السحب السوداء تحوم من جديد على مسار مكافحة الاحتباس الحراري.

نبيل عودة

لقد كانت لحظة تاريخية تلك التي شهدت توافقاً بين أكبر الاقتصاديات المتقدمة والنامية على اتفاقية تهدف لإنقاذ الكوكب. إن التوافق الذي جرى حينها بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند واليابان وهي الدول الخمس الأكثر مساهمة في الانبعاثات السامة في العالم يُعد حدثاً تاريخياً بامتياز يضع الإنسانية على طريقها الصحيح لحفظ مستقبلها على الأرض، حيث أقر المجتمِعون في باريس على تخفيض مستوى الانبعاثات السامة في الجو بالحد الذي يسمح بالمحافظة على نسبة ارتفاع في درجة حرارة الأرض ما دون عتبة 1.5درجة مئوية، وهي النسبة التي يرى العلماء أن بمقدور البشر إدارة تداعياتها بشكل لا يؤثر على السلم البيئي للكوكب.

ترمب وخدعة الاحتباس الحراري

غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، فمع رحيل الرئيس أوباما عن البيت الأبيض ومجيء الرئيس دونالد ترمب خلفه، عادت السحب السوداء تحوم من جديد على مسار مكافحة الاحتباس الحراري. فالرئيس ترمب جاء بمقاربة معاكسة تماماً للتوجهات متعددة الأطراف والعمل الجماعي التي تبناها سلفه. فمع شعاره "أميركا أولاً" تبنّى الرئيس ترمب مقاربة أحادية الجانب، تتجه إلى النزعات الانعزالية، والقومية، والحمائية. رفض ترمب من الأساس فكرة المعاهدات الدولية، وسعى منذ البداية للانسحاب من الالتزامات الدولية المتعلقة ببعض الاتفاقيات الدولية مثل الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية نافتا، واتفاقية باريس للمناخ.

ليس هذا وحسب، بل تبنّى الرئيس نهجاً تصادمياً مع المجتمع الدولي ليس ضد خصوم الولايات المتحدة التقليديين، بل ضد حلفائها التاريخيين أيضاً. فهجوم الرئيس المتواصل على حلف شمال الأطلسي والتشكيك بجدواه، وانتقاده لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا كان يرسل مؤشرات واضحة على أن الرئيس الجديد يغيب عنه تماماً أي نهج توافقي من شأنه الاستمرار قدماً في معالجة المشاكل الدولية ذات التأثير المشترك.

و كانت من أشد سياسات الرئيس ضرراً على حالة التوافق الدولية التي سادت لفترة قصيرة قبل مجيئه تلك السياسة التصادمية التي اتخذها ضد الصين من خلال فرض التعرفة الجمركية . لذلك تجد الصين نفسها وهي أكبر منتج للغازات السامة في العالم (بنسبة تصل إلى 20%) في حِلّ من التزاماتها الدولية، الأمر الذي يعيد فرض المخاطر البيئية مجدداً.

إن السياسة التصادمية للرئيس ترمب، وعدم احترامه للاتفاقيات الدولية، وعدم إيمانه بالعمل المشترك من شأنه أن يدفع اللاعبين الدوليين الآخرين إلى التحلل من التزاماتهم الدولية، الأمر الذي من شأنه أن يعزز حالة عدم الاستقرار على المستوى الدولي، ويزيد من حدة الأزمات العابرة للحدود من قبيل أزمة الهجرة، وأزمة سوء توزيع الثروة بين الشمال والجنوب والتي باتت تهدد بشكل ملح الاقتصاديات الناشئة مثل البرازيل والهند والأرجنتين.

إن السياسة التصادمية للرئيس ترمب، وعدم احترامه للاتفاقيات الدولية، وعدم إيمانه بالعمل المشترك من شأنه أن يدفع اللاعبين الدوليين الآخرين إلى التحلل من التزاماتهم الدولية.

نبيل عودة

ظهرت الآثار السلبية لسياسة الرئيس ترمب بشكل مباشر على الجهود الدولية لمكافحة الانبعاثات السامة والحد من الاحتباس الحراري سريعاً. فوفقاً لأحدث تقرير للأمم المتحدة حول المناخ فإن درجة حرارة الأرض قد ارتفعت فعلياً بمقدار درجة مئوية واحدة نتيجة للنشاط البشري منذ بداية الثورة الصناعية، ويمكن أن تصل إلى عتبة 1.5درجة مئوية بحلول 2030 إذا استمرت الانبعاثات السامة بالمعدلات الحالية.

تقارير قاتمة

ويبدو الأمر أكثر قتامة مع التقرير الذي صدر من سول عاصمة كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول 2018 عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ المعروفة اختصاراً بـIPCC في دورتها الثامنة والأربعين، حيث أكدت الهيئة على أن عدم التزام الدول باتفاقية باريس للحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري سيسمح بارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من ثلاث درجات مئوية حتى نهاية القرن. وأن الجهود المبذولة للحد من وصول درجة حرارة الأرض إلى ما دون عتبة 1.5درجة مئوية تشهد تراجعاً ملموساً. إن الأمر يتطلب خفض إنتاج ثاني أكسيد الكربون إلى درجة الصفر من خلال التحول إلى مصادر الطاقة البديلة، واستخدام تكنولوجيا شفط الغازات السامة من الجو، وإحداث تغييرات جوهرية على الطبيعية المعيشية للمجتمعات. وبالرغم من أن هذه الجهود يمكن القيام بها، إلا أن تكلفتها عالية جداً، حيث تصل التقديرات إلى ما يقرب من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يدفع الكثير من الدول إلى التلكؤ في تطبيق هذه الإجراءات نظراً إلى تأثيرها المحتمل على جهود التنمية.

قيادة دولية مفقودة

يحتاج العالم إلى قيادة نشطة للولايات المتحدة في مواجهة الاحتباس الحراري، وذلك من خلال اتباع سياسة النموذج بتخفيض الانبعاثات السامة التي تنتجها حيث تُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر دولة منتجة لهذه الغازات بعد الصين بنسبة 18%، والدفع إلى توافق مُلزم بين الدول الكبار، وتطوير اتفاقية باريس للمناخ عن طريق تضمينها لإجراءات عملية، وأساليب مراقبة ومحاسبة.

ولكن يبدو أن هذه المقاربة غير قابلة للتطبيق مع وجود الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي لا يؤمن مطلقاً بتقارير العلماء والاختصاصيين فيما يتعلق بالاحتباس الحراري ويعتبرها "خدعة"، كما أن سياسته التصادمية مع المجتمع الدولي تمنع أي توافق مع الدول الكبرى حول مسار جاد للتعاطي مع هذه القضية المصيرية.

يحتاج العالم إلى قيادة نشطة للولايات المتحدة في مواجهة الاحتباس الحراري، وذلك من خلال اتباع سياسة النموذج، والدفع إلى توافق مُلزم بين الدول الكبار.

نبيل عودة

وقد انعكست مقاربة الرئيس ترمب الرجعية على مؤتمر "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" في اجتماعها الرابع والعشرين المنعقد في بولندا في ديسمبر/كانون الأول 2018، حيث رفضت الولايات المتحدة ومعها كل من السعودية والكويت وروسيا التصديق على تقرير هيئة الـIPCC، لاعتماد الدول الثلاث في اقتصادياتها النامية على مصادر الطاقة الأحفورية، أما الولايات المتحدة فإنها تتجه إلى تعزيز اعتمادها على مصادر الطاقة غير المتجددة بشكل كبيرة حيث أشارت تقديرات إدارة معلومات الطاقة (EIA) في أحدث توقع لها في سبتمبر/أيلول 2018 إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط الخام في العالم، ومن المحتمل أن تتجاوز كلاً من روسيا والمملكة العربية السعودية. ففي فبراير/شباط 2018، تجاوز إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام مثيله في المملكة العربية السعودية لأول مرة منذ أكثر من عقدين، أما في يونيو/حزيران وأغسطس/آب من ذات العام فقد تجاوزت الولايات المتحدة روسيا في إنتاج النفط الخام لأول مرة منذ فبراير/شباط 1999.

الخاتمة

على مدار أكثر من مئة عام، كان السؤال الأخلاقي حول استخدام مصادر الطاقة غير المتجددة متوارياً خلف المكاسب الاقتصادية الجمة، والحاجة الماسة لمصادر طاقة رخيصة الثمن نسيباً، كانت عجلة التنمية تأكل في طريقها الالتزامات الإنسانية المتعلقة بسلامة عيش البشر على هذا الكوكب. لقد وصلنا إلى مرحلة لا بدَّ فيها من إعادة الاعتبار للدواعي الأخلاقية، وإحداث توازن بينها وبين متطلبات التنمية لكي ينجو البشر من كوارث ماحقة في المستقبل.

المصدر: TRT عربي