إنَّ غاية الأبناء من الحياة هي أن يصبحوا ما يريدون، لا ما يريد لهم آبائهم أو أمهاتهم

في الأسرةِ العربيةِ يخضع أفرادُ الأسرة لحكم الأب وهو ما يُقصد به (السلطة الأبوية)، فيكون الأب هو المتحكم الأول والأخير وصاحبُ السلطة المطلقةِ بكل ما يتعلق بحيوات أبنائه وهو ما يمتد إلى رفيقة حياته أيضاً.

وهو بهذا يمسُّ الحق الفردي للأبناء وهو حقُ الاختيار، ويتعدى الأب في غالب الأحيان على المسار الوظيفي لأبنائه فيحدده لهم مبرراً بأنه الأعلم بما يصلح لهم ولمستقبلهم، وتحت تأثير ممارسة هذه السلطة يخضع الكثيرُ من الأبناء، أما الفتيات فقد يضحين بمستقبلٍ كامل لتتقلصَ أحلامهن وطموحاتهن إلى ما لا يرغبن فيه!

TRT عربي تناقشُ هذا الموضوعَ مع من عايشوه، كما تحاور متخصصين من أجل معرفةِ المبررات التي تدفع بعض الآباء إلى هذا السلوكِ المجحف، بالإضافة إلى إيجاد طرقٍ وسطية لمواجهة السلطة الأبوية في حال تقريرِها للمسار الوظيفي!

لصنعت نجاحاً مختلفاً

فاطمة أبو ناموس، فتاةٌ فلسطينيةٌ في منتصف العشرينيات، تخرجتْ منذ ما يزيد عن خمس سنوات في تخصص اللغة العربية تقول لـTRT عربي: "أردت التسجيل في قسم البصريات، لكن والدي عارضَ الأمرَ، وأجبرني على اختيار اللغةِ العربيةِ، وهو من وجهة نظر والدي المهنة الأفضل للسيدات في مجتمعاتِنا العربية، وأن دراسة البصريات لن تتيح لي الفرصة في العمل المجدي، وإن حصل فهي تنصُّ على الاحتكاكِ المباشر بالجنس الآخر وهذا ما لا يليق بمجتمعاتنا".

وتابعت فاطمة قولها: "عشتُ صراعاً مريراً لم أستطع أن أنتصر فيه لرغبتي وتنازلت مرغمة عن حلمي مطيعة لوجهة نظر أبي، ربما لأنه بشكلٍ أو بآخر لم يكن تعليمي ممكناً إلا بواسطته فأنا لست أملك ما يجعلني قادرةً على الرفض وتكفُّلي بأمر الدراسة وحدي".

وتضيف: "خياره أفضل من عدمه في الحقيقة لا أعلم لقد تفوقتُ في الجامعة وكانت وجهة نظره الأمثل لشخصيتِي حقاً، لكن لا أستطيع أن أقول نعم أفضل لأنني لم أجرب المجالات الأخرى ربما لو التحقت بها لتفوقت أيضاً وصنعت نجاحاً مختلفاً".

وعن شعورها بالندم لعدم دخولها مجال البصريات أكدت قائلة لـTRT عربي: "نعم لقد ساورني الندم في مراحل كثيرة وأردتُ أن أكون هناك دائماً لكنني لم أستسلم للشغفِ وحده، دائماً حاولت أن أصنع شغفي في مسيرتي كي لا أفشل، وبالتأكيد لو عاد بي الزمن كنت التحقت بالبصريات، لا يزال حلماً يلوح في الأفقِ كلما استذكرته هيج خاطري، لكنني راضية تماماً عن نفسي وما وصلت إليه بحمد لله، وعن والدي أيضاً لقد رسم لي طريقاً مختلفاً نعم، ليس بالطريق الموحش بفضلِ الله لكن من المؤلم أن يقسو الآباء على أبنائهم، الأفضل أن يدعوهم يخوضوا التجربة دائماً".

الإصرار والاستمرار هو الحل

وفي تجربة مغايرة ومتحدية بعزم للسلطةِ الأبوية تقول عائشة حسن، كينية مقيمة في إسطنبول لدراسةِ الطب البشري، لـTRT عربي: "كان وصولي إلى إسطنبول حلماً أسعى لتحقيقه على الرغم من معارضةِ والدي سفري من أجل الدراسة، لقد كان يرغب في أن أدرس الطبَّ ولكن داخل كينيا، بينما كانت رغبتي هي الدراسة بالخارج حتى أحصلَ على تجارب وخبرات أقوى".

تتابع: "في البداية عندما أنهيت الثانويةَ العامة انتظرت ستة شهور، ثم أتبعتها بثلاثة شهور أفكر فيها بعمقٍ بصحة خياري، ثم عزمت على الدراسة بتركيا، وبدأت الإجراءات اللازمة وحدي، ذهبت مسافرةً إلى السفارة التركية في مدينة غير مدينتي، واستخرجت جواز سفري بنفسي".

وعن ردة فعل والدها أكدت لـTRT عربي: "عندما رأى والدي إصراري الكبير والمتواصل ومدى جديتي استسلم لرغبتي، ثم أتت أزمة كورونا وعطلتْ سفري، لكني لم أتراخَ ولم أيأس بل سجلت لدى جامعة أنقرة لأتعلم اللغة التركية عن بعد كخطوةٍ أولى، وكنت في كل مرة أرسلُ نقودَ التعليم إلى تركيا لا تصل، لهذا بدأت تعليم نفسي بنفسي، حتى فتحت المطارات ووصلت إلى إسطنبول في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وها أنا ذا في خطواتي الأولى نحو الطب البشري، بعدما كان السفرُ من أجل التعليم صعباً لفتاة كينية تريد كسر طوق ما هو اعتيادي!".

توريث المسار الوظيفي

أما أبو محمود وهو اسم مستعار لفلسطيني يبلغ من العمر سبعين عاماً، فيسرد تجربته لـTRT عربي كي تكون عبرة لشباب اليوم قائلًا: "كنت آمل أن أصبح طياراً، لكن رغبة والدي في أن أتبع مهنته بإدارة محلِه التجاري المخصصِ لبيع الأقمشة كانت أكبر من رغبتي في عينه، فأخرجني من مدرستي وألحقنِي بمحله كي أرثَ مهنته منذ الصغر".

يتابع: "بدأت العمل لدى والدي وأسند إليَّ مهمة دفاترِ الحسابات، وبعد سنوات وخلال عملي لديه باع أراضي نملكها لكي يعلم إخوتي الآخرين ما يطمحون إليه، وبقيت أنا الوحيد من بين إخوتي من لم يحصلْ على تعليم".

ويضيف: "وبقيت رهينة مهنةِ والدي لأكثر من ثلاثين عاماً، إلى أن نشب خلافٌ بيني وبينه، خرجت منه صفر اليدين حافي القدمين، تاركًا خلفي كل جهودي على مدار عمرٍ طويل، صعقت لهذا الخلاف وأثره الكبير على حياتي وحياة زوجتي وأولادي، إذ خرجت بخفي حنين ولم آخذ فلساً واحداً جراء عملي لسنين طويلة".

ويلوم أبو محمود نفسه إذ يقول: "كنت أعتبر نفسي من جماعة (أنا ومالي لأبي، في ولاءٍ منقطع النظير) ثم وجدت نفسي وعائلتي بلا أي شيء، وخرجت لأبدأ من الصفر بالسعي نحو رزقي كيفما كان، فعملت في أشغالٍ عديدة ومتفرقة بعدما قطعتُ شوطاً طويلاً من العمر في محل بيع الأقمشة".

ويؤكد أبو محمود لـTRT عربي شعوره بالحسرةِ والندم: "إلى هذا اليوم أنا عاتب على والدي لأنه تحكم في مسار حياتي كاملاً فاختار لي ولم يخيرني، وللأسف تبخرت كل جهودي في عملي مع أبي، وطموحه بأن يورثني مهنته أيضاً ذهب أدراج الرياح!".

اتباع الأهل فضيلة:

صفاء هليل، أخصائيةُ تطويرِ أعمالٍ من المملكةِ العربية السعودية، عبرت عن وجهةِ نظرها تجاه تحكُّمِ السلطة الأبوية في المسار الوظيفي للفتاة كونها الجناحَ الأضعف والأرقَّ في الأسرة العربية، قائلة لـTRT عربي: "قرار التخصصِ الجامعي للأهل، مرتبط بأوقات الدوام المترتبة على هذا التخصصِ أو فرصِ الزواجِ التي يحددُها المجتمع، وبذلك يكون توجيه الابنة لاختيار تخصصٍ أو الابتعاد عن آخر بناءً على هذه المعايير".

وتضيف: "يعتبرُ الاتباعُ الكامل للأهلِ فضيلة، والفتاة في المجتمعات العربية تعتبرُ تجربتها في الحياة محدودة مقارنة بأخيها على سبيل المثال، وهذا بسبب الخوفِ عليها أو الضوابطِ الاجتماعية المبالغ فيها أحياناً، لهذا يعتبر أخذها برأي الأب خصوصاً والأهل عموماً هو من باب الثقة في قرارهم ورأيهم الأكبر كونهم الأعلم بما ينطبق على الواقع والحاضر، ويدخل في هذا التخصصِ أو المسار الوظيفي".

وتبين هليل لـTRT عربي كيف للفتاةِ أن تواجه السلطة الأبوية في حال عدم رغبتها فيما حدد لها: "أولًا على كل فتاة أن تتعرَّف الرغبة الحقيقية لديها إزاء مسارٍ وظيفي بعينه، وتتحمل مسؤولية قرارها، ثانياً عليها وعبرَ جلسات تتطلب الصبرَ أن تناقش طموحها بأساليبَ مقنعة، ثالثاً تطلب من الأب أن يدعمها فيما ترغبُ فيه وتفند له المنافع التي ستعود عليها في حال نفذت رغبتها، مثل: الاستقلال المادي والمنصبِ الاجتماعي وغيره".

وتنوه: "في النهاية الأبُ يريد السعادة لأبنائِه، وإذا كان الابن أو الابنة على معرفة عميقةٍ ووعي بما يرغبون فيه، فلا يوجد حينها ما يمكن أن يجبرهم، لأن الهدف لديهم واضح، وقد يكون الأمر صعباً في البداية، لكن الإصرارَ وإثبات النفس هو ما يجعلُ الأب يمنح الضوء الأخضر للابن/الابنة".

وتوضح هليـل: "توجد نقطةٌ مهمة وهي موضوع الاستقلالية، وهذا يشمل الاستقلالية الشخصيةَ والمادية، فالابن/الابنة المستقل والمتفرد بشخصيته له دورٌ كبير في تقرير قراراته، إلا أن الأسرةَ العربية يبقى فيها الابن/الابنة غير مستقلين بشكل تام ما دام يوجد مشوارٌ دراسي يحتاج إلى مصاريفَ وأعباء مادية لا يستطيع الأبناء تغطيتها، لهذا في حال قرر الابن/الابنة اتخاذ مسارٍ وظيفي غير موافق عليه من قبل السلطة الأبوية، فعليهم أن يكونوا على قدر هذا القرار والتكفل بتبعاتِه".

لم يفلحوا

الأستاذ الدكتور حسين محادين عميدُ كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة، يقول لـTRT عربي تعقيباً على المبرراتِ التي تتيحُ للسلطة الأبوية التحكم في مسار الأبناء الوظيفي: "يمكنُ القول إنَّه يوجد نوعان من التأثير للسلطة الأبوية على الأبناء أولها أنَّ الأبناءَ يمكن أن يأخذوا من آبائهم نموذجاً للاقتداء وهو جدير بالتقليدِ والمحاكاةِ أو استمرارِ في نفس التوارث المهني، ويوجد نوعٌ آخر هو أن الأبناء بوسعهم أن يكونوا شركاءَ في تحديدِ أولوياتهم المختلفة إن كانوا على معرفةٍ وعلى درايةٍ وعلى تدريبٍ من قِبل ذويهم وهذا يتعلق بطبيعة تنشئة الأسرة للأبناء".

ويضيف: "إن التركيبةَ الهرمية للأسرة العربية تمنح الأب نوعاً من السلطة الاعتبارية المميزة من جهة ومن جهة أخرى الاستفادة من خبرات الآباء وتطلعاتهم، فبعضهم يرى ضرورة أنْ يكون الأبناءُ امتداداً حرفياً لشخصياتهم ومهنهم. من هنا نجد أن هذه السلطة الأبوية التي تُمارَس من قِبل الأب بشكل خاص مردُّها إلى أنماطِ التعلُّم".

ويتابع: "يوجد نوعٌ آخر من الأسر يكون فيها الحوارُ سيد الأشياءِ يتبادل الآراءَ وبالتالي يمكن أن يكونَ للأبناء الرأي في تفضيلاتهم الدراسية، خصوصاً أن موضوع المعدلِ هو الأساسُ فأحياناً نجد أن الآباء يثقلون أبناءهم، وأبناؤهم ليسوا على الكفاءةِ التي يتمنونها".

وعن آليات دفاعِ الأبناء عن حقهم في اختيارِ مسارهم الوظيفي يوضح محادين: "أدوات الدفاع لدى الأبناءِ تجاه آبائهم تكمن في نوعية ترسب ثقافة الحوار والثقة بالنفس ودرجتها لدى الأبناء من الجنسين في سبيل إبداءِ آرائهم، وأن يكونوا على درجة من التشاركيةِ في اختيارِ المهنة خصوصاً أننا في مجتمعٍ عربي مسلم يفضل الألقاب والأرقام (محامٍ، مهندس، طبيب)، لأن العائدَ الاقتصادي في المحصلة النهائية والمكانة الاجتماعية يؤثران على ذلك".

ويبين محادين أن "عدداً كبيراً من الأبناء الذين امتثلوا لتوجيهات أو سلطة آبائهم في تفضيلهم لنوعية معينة من الدراسة لم يفلحوا لاحقاً واضطروا بعد مرور سنوات إما إلى ترك الدراسة وإما إلى تغيير التخصص بما في ذلك فقدانهم لسنوات وإنفاقهم العالي على هذه الأنواع من الدراسات خصوصاً الطلبة الذين يدرسون بعيداً عن ذويهم".

ويتابع: "ولا ننسى أيضاً وجود تغيرات عميقة هذه الأيام، وقد حصلت بعيد تسعينيات القرن الماضي وأعطتْ للأبناءِ بحكم التطور والضرورة وحرية السوق فرصاً أوسع في تقرير المسار الوظيفي الذي يرغب أو ترغب في دراسته كمهنة مستقبلية".

وختم محادين حديثه لـTRT عربي مؤكداً أهمية مواقعِ التواصل الاجتماعِي في الوقتِ الحالي التي ساهمتْ بإغناء معارف الأبناء وإنضاج كثير من تفضيلات المسارات الوظيفية.

وفي النهايةِ يبدو أن تحكُّمَ الآباء بالمسارِ الوظيفي لأبنائهم يكون انطلاقًا من دافعِ أنهم أدرى بمصالحهِم منهم، بينما يتمنى الأبناء لو يستطيعون من هذه النقطة التحكمَ بزمام حياتهم وخياراتهم بما يناسبهم، هذا الصراعُ الدائم يذكِّر بقول سميح القاسم لدرويش -الشاعرين الفلسطينيين: "نريد لأنفسنا مهنةً أخرى قد يخسرُ فيها المرءُ كل شيء تقريباً إلا أنه يكسب نفسه حتماً، أراد لنا أهلنا سعادة تردع الشقاء وأردنا لأنفسنِا شقاءً يبدعُ السعادة".

TRT عربي
الأكثر تداولاً