تكتسب الانتخابات المحلية التركية أهميتها كونها فرصة للأحزاب لتحسين صورتها أمام الشعب، وسط تحالفات متنافسة في ظل التحدي السياسي الذي تواجهه تركيا إقليمياً ودولياً

تستعد تركيا للانتخابات المحلية نهاية مارس/آذار الحالي، التي هي الأولى بعد اعتماد النظام الرئاسي الجديد، وسط تنافسٍ شديد بين الأحزاب ضمن تحالفات، وفي ظل الدور الكبير الذي تلعبه تركيا والتحديات التي تواجهها إقليمياً ودولياً.

لماذا الانتخابات المحلية التركية مهمة؟

بدأت الانتخابات المحلية في تركيا تكتسب أهمية كبرى ابتداء من عام 1963، نظراً إلى الدور الذي تلعبه في تحديد الحزب الفائز في الانتخابات العامّة التالية. يعزّز هذا الطّرحَ كونُ "الحزب الفائز في الانتخابات المحلية في مدينة إسطنبول هو الذي اعتاد على الحصول على مقاليد الحكم في البلد"، حسب الباحث المتخصص في الشأن التركي محمود الرنتيسي.

وفي دراسة صادرة عن المركز العربي في قطر، يشرح الرنتيسي أن حزب العدالة، وهو غير الحزب الحاكم الآن، فاز خلال الستينيات ببلدية إسطنبول، ليقود الانتخابات العامة التالية. حدث ذلك أيضاً مع حزب الشعب الجمهوري في السبعينيات، وحزب الوطن الأم في الثمانينيات، وحزب الرفاه في التسعينيات، انتهاءً بحزب العدالة والتنمية الذي حافظ على اكتساحه لبلدية إسطنبول، وما يزال الحزب الحاكم منذ 17 عاماً.

كل عمل جيد للأحزاب في الانتخابات البلدية سيضاف إلى رصيدها أمام الشعب، وبالتالي سيؤثر على رأي الناخب في الانتخابات العامة السياسية

الدكتور برهان كورأوغلو

في هذا السياق، يؤكد الدكتور برهان كورأوغلو، عميد كلية الدراسات العليا ورئيس قسم الفلسفة في جامعة ابن خلدون، أن الانتخابات البلدية التركية تكتسب أهميتها من صلاحياتها وتعدد مجالات عملها، بالإضافة إلى كونها فرصة للأحزاب لتحسين صورتها أمام الشعب.

ويضيف كورأوغلو في تصريحه لـTRT عربي أن "كل عمل جيد للأحزاب في الانتخابات البلدية سيضاف إلى رصيدها أمام الشعب، وبالتالي سيؤثر على رأي الناخب في الانتخابات العامة السياسية".

وبالنسبة للمتحدّث نفسه فإن تركيا تعيش وضعاً إقليمياً ودولياً حساساً، لذلك فإن أي حزب سياسي يروم، من خلال هذه الانتخابات، تقديم موقفه وتقييمه السياسي للشعب، وذلك من خلال طرح القضايا السياسية، أكثر مما يتحدّث عن الخدمات التي أصبحت مألوفة لدى الشعب.

وأشار إلى أن أحزاب المعارضة تلجأ إلى استغلال بعض الأزمات التي مرت بها تركيا لتروج لموقفها السياسي، كما فعلت خلال الأزمة الاقتصادية التي عانت منها تركيا صيف 2018.

12 حزباً تتنافس في الانتخابات المحلية التركية
12 حزباً تتنافس في الانتخابات المحلية التركية (TRT Arabi)

التحالفات الانتخابية

تحالف الشعب

ويقوده كل من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، والذي شكّلاه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في 24 يونيو/حزيران الماضي. يدعم حزب الاتحاد الكبير هذا التحالف في البلديات الكبرى وفي المناطق المتفق عليها من قبل الحزبين.

تحالف الأمة

يقود تحالف الأمة كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب إيي.

وعلى النقيض من هذه التحالفات العلنية حصلت "ائتلافات وبعضها سرية كتأييد أنصار حزب الشعوب الديمقراطي ـالقومي الكردي- لمرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض"، الأمر الذي سيكون له ارتدادات سلبية بحسب كورأوغلو.

الخطاب الانتخابي للأحزاب التركية

على عكس الخطابات التي تتبناها عادة الأحزاب في الانتخابات المحلية والتي تكون إجمالاً مركزة على الخدمات المتعلقة بالمواطن، فإن الأمر يختلف في الانتخابات الحالية إذ ترتفع نسبة الحمولة السياسية في الخطاب الحزبي.

ويحيل الباحث المتخصص في الشأن التركي الدكتور سعيد الحاج هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها السياقات الحادثة في تركيا داخلياً وإقليمياً.

"الأزمة المالية الداخلية ومواجهة PKK في تركيا وسوريا، وغيرها الكثير من السياقات تجعل الانتخابات البلدية في تركيا تحمل معنى سياسياً معيناً، فنجد الحملات الانتخابية مليئة بالخطاب السياسي"، يقول الحاج لـTRT عربي.

ويضيف "الأمر الثاني هو أن الحالة الحزبية في تركيا قوية جداً وبالتالي من النادر أن يجد الإنسان مرشحين مستقلين، فالمرشح لا يمثل نفسه فقط في البلديات وإنما يمثل حزبه، وهذا يفسر أن كل رؤساء الأحزاب، بما فيهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يقودون الحملات الانتخابية لأحزابهم حتى في الانتخابات البلدية".

"أمننة الخطاب" هو تحميل المعنى الأمني في الخطاب أهمية بدرجة أعلى لاستدراج اهتمام المواطن به

الدكتور سعيد الحاج

وفي الوقت الذي ترتفع فيه الحمولة السياسية في خطاب الحملات الانتخابية، فإن المفردات تختلف في توظيفها من حزب إلى آخر، فعلى سبيل المثال تحالف الشعب يركز أكثر على فكرة بقاء تركيا واستمرارها، بمعنى فكرة وجود أخطار معينة تواجه تركيا، وبالتالي تحميل المعنى الأمني في الخطاب أهمية بدرجة أعلى لاستدراج اهتمام المواطن بها. وهو ما أسماه الحاج "أمننة الخطاب" فيما يتعلق بالانتخابات المحلية.

في حين تتجه أحزاب المعارضة -بحسب الحاج- إلى تحميل الحكومة بصفة عامة والحزب الحاكم بصفة خاصة مسؤولية التحديات التي تواجهها تركيا.

إلا أن هذا الخطاب السياسي الأمني للأحزاب والمتعلق بانتخابات بلدية وخدماتية، لا يمنع كما يرى الحاج من وجود خطاب خدماتي وتحديداً من مرشحي حزب العدالة والتنمية، الذين يركزون في خطابهم على الإنجازات واستكمال المشاريع التي بدؤوا بها، في المقابل فإن مرشحي المعارضة من حزب الشعب الجمهوري وحزب إيي وغيرهما ينتقدون هذه المنجزات ويعدون بتصويبها واستبدال بعضها.

مفردات البيان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية
مفردات البيان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية (TRT Arabi)
مفردات البيان الانتخابي لحزب الشعب الجمهوري
مفردات البيان الانتخابي لحزب الشعب الجمهوري (TRT Arabi)

ما بعد الانتخابات

يؤكد الحاج أنه من الصعب جداً الجزم بنتائج الانتخابات المحلية التركية، كونها تختلف عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إذ تحسب نتائج كل منطقة ومدينة ومحافظة وحي على حدة.

وتشير التوقعات بحسب الحاج إلى "أن حزب العدالة والتنمية متقدم بشكل شبه مريح في إسطنبول وكأن بن علي يلدرم سيضمن فوزه في إسطنبول، في حين حزب الشعب الجمهوري سيفوز في إزمير، مع وجود منافسة حادة وواضحة ومحتدمة في أنقرة".

وعلى الرغم من الأهمية التي تحملها الانتخابات المحلية التركية هذا العام للأسباب سابقة الذكر بما فيها الحمولة السياسية المكثفة في ظل الدور السياسي لتركيا على الخارطة الإقليمية والعالمية، فإنه لن يترتب ضرر كبير مباشر على النظام السياسي أو الحالة الحزبية في تركيا، بحسب الحاج.

المصدر: TRT عربي