بعد ترحيب عديد من الماليين بالتدخل الفرنسي خشية انهيار الدولة تحت ضربات المتمردين، تعالت صيحات المحتجين في ميادين باماكو بعد قرابة ثماني سنوات مطالبة برحيل القوات الفرنسية من البلاد.

وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي في أثناء مشاركتها في مؤتمر صحفي إثر مقتل 13 جندياً فرنسياً في مالي أواخر 2019.
وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي في أثناء مشاركتها في مؤتمر صحفي إثر مقتل 13 جندياً فرنسياً في مالي أواخر 2019. (AP)

منذ مطلع 2013 أعلنت فرنسا عن إطلاقها تدخلاً عسكرياً في مالي، وهو ما استمر حتى اليوم وفق أشكال متعددة سواء أكان منفرداً أم بغطاء إقليمي ودولي.

وتعد فرنسا من أكثر الدول تدخلاً عسكرياً في القارة الإفريقية، وارتبط ذلك بالحفاظ على النفوذ الفرنسي في المستعمرات السابقة، وبمصالح النخب الاقتصادية والعسكرية والسياسية الفرنسية المرتبطة بمثيلاتها الحاكمة في الدول الإفريقية.

محاربة الإرهاب قناع المصالح

ولم يكن الحال مغايراً في مالي فتحت ذريعة مكافحة الإرهاب أطلقت الرئاسة الفرنسية عملية سيرفال عقب استيلاء المتمردين الماليين على مدن هامة شمال البلاد وتقدمهم نحو العاصمة، وهو ما قرع أجراس الإنذار بقوة في باريس خوفاً من تشكل واقع سياسي جديد في البلاد يخرج المستعمرة السابقة التي نالت استقلالها عام 1960 من فلك النفوذ الفرنسي المهيمن.

وممّا زاد في قلق صناع السياسة في باريس الخوف من التمدد المسلح في جارات مالي الحليفة لفرنسا كالنيجر والجزائر، وهو ما سينعكس على مصالح فرنسية حيوية في تلك المنطقة، وعلى سبيل المثال فإن ثلث اليورانيوم الذي تُزود به المفاعلات النووية الفرنسية يأتي من المناجم الموجودة شمال النيجر غير بعيد عن الحدود المالية، وهذه المفاعلات تعد المصدر الرئيسي للكهرباء في فرنسا.

ولفرنسا استثمارات في مالي التي تحتوي على ثروات باطنية هامة فهي على سبيل المثال تعد ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا، كما يعتقد أنها تملك ثروة ضخمة من النفط والغاز غير مستغلة في شمال البلاد وفرنسا من الأطراف التي تملك حقوق التنقيب في تلك المناطق.

بجانب أن وقوع مالي ضمن دول الساحل التي تعد ممراً لنقل لبترول والغاز يجعلها فضاء للصراع الدولي، ومن هنا يكتسي تدخل فرنسا في المنطقة بعداً استراتيجياً متعلقاً بمواجهة القوى الجديدة النشطة في إفريقيا كالصين والهند وتركيا.

وهو ما يفضي إلى عامل أساسي في تحريك السياسة الخارجية الفرنسية مرتبط بالماضي الاستعماري لباريس، وسعيها إلى إثبات وجودها كقوة عظمى على الساحة الدولية بالعمل على فرض نفوذها على العديد من مستعمراتها السابقة، وهو ما تجلى في السلوك الذي وصف "بالمهين" من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاه نخبة الطبقة السياسية اللبنانية إثر انفجار مرفأ بيروت، وتقمصه دور الحاكم الفرنسي للبنان إبان الحقبة الاستعمارية مطلع القرن الماضي.

ويرتبط التدخل الفرنسي بالمخاوف الأوروبية من أن ينتج عدم الاستقرار السياسي موجات المهاجرين غير الشرعيين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، ووفق مراقبين فإن هذا يوضح تناقضات السياسة الفرنسية حيال إفريقيا، إذ بينما تدعو باريس إلى الحد من هذه الظاهرة فإنها تدعم في الآن نفسه الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي تخلق البيئة الطاردة لأبناء البلاد.

ومن الجدير بالذكر أن الرئيس السابق لمالي أبو بكر إبراهيم كيتا كان من أوثق حلفاء فرنسا، واتسم عهده بالفشل السياسي والأمني والفساد الاقتصادي، ما أخرج الماليين في مظاهرات مطالبة باستقالته وبإصلاحات سياسية في البلاد، وهو ما أدى إلى انقلاب عسكري أواخر أغسطس/آب ودخول البلاد في مرحلة جديدة لم تتبين كل ملامحها بعد.

التمرد في مالي والتدخل الفرنسي

تعود جذور المعضلة الأمنية في مالي إلى 2011 وسقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، وهو ما أدى إلى تدفق الطوارق الماليين الذين استخدمهم العقيد على بلادهم مدججين بالأسلحة الليبية، ومعلنين في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 "حركة تحرير أزواد" شمال مالي وانطلاق العمل العسكري لإعلان الاستقلال.

واستطاع المسلحون في وقت وجيز الاستيلاء على الشمال المالي واجتياح مدن هامة كغاو وتمبكتو وكيدال وكونا، كما بدا سقوط العاصمة باماكو حتمياً مطلع عام 2013.

وسرعان ما ظهرت في غمار هذه الفوضى العديد من التنظيمات الأخرى التي حملت رايات جهادية واستطاعت تهميش حركة تحرير أزواد والبروز في المشهد، كجماعة أنصار الدين التي تحالفت مع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وكذلك حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا.

وخوفاً من خروج الأوضاع عن السيطرة في مالي أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في 11 يناير/كانون الثاني 2013 انطلاق عملية سيرفال وفقاً لطلب تقدم به الرئيس المالي حينها ديكوندا تراوري إلى الرئيس الفرنسي والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

وفي يوليو/تموز 2013 سلم الفرنسيون مسؤولية الأمن في مالي إلى بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) والتي تتمتع فرنسا بدور كبير فيها، كما أعلنت الأخيرة في 1 أغسطس/آب 2014 انطلاق عملية برخان التي تضم آلاف الجنود الفرنسيين المنتشرين في خمس من دول الساحل الإفريقي.

وفي نفس الإطار عمدت فرنسا إلى إنشاء مجموعة من التحالفات السياسية والعسكرية مع دول غرب إفريقيا وغيرها لمكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار في منطقة الساحل وجنوب الصحراء.

هل انتهت المهمة حقاً؟

في تصريح مشابه لعبارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الشهيرة حول العراق "أنجزت المهمة"، صرح وزير الدفاع الفرنسي حينذاك جان إيف لودريان، يوليو/تموز 2014، أن العملية العسكرية "أنجزت مهمتها" في مالي، وستنتقل إلى مهمة جديدة تركز على منطقة الساحل الأوسع.

وعلى الرغم من الدعم الدولي الكبير الذي حظيت به فرنسا وتراجع الحركات المسلحة وتوقيع بعضها اتفاقية مع الحكومة عام 2015، فإن الواقع لا يدعم تصريح لودريان المذكور، ووفقاً لمجموعة الأزمات الدولية فقد أدى تكثيف النشاط العسكري الحكومي إلى انسحاب المسلحين المدن في حين ظل الريف تحت سيطرتهم ومنطلقاً لعملياتهم ضد العسكريين والمدنيين على حد سواء، وفي تلك المناطق الشاسعة حاول المتشددون تشكيل سلطات بديلة عن الدولة.

وبينما أدى ضغط الحكومة وحلفائها على شمال مالي إلى فتح المسلحين جبهات جديدة في وسط البلاد، فقد برزت حركات مسلحة عابرة للحدود كبوكو حرام التي تنشط مالي والدول المجاورة، مما أدى إلى تحول الأزمة إلى معضلة إقليمية تهدد منطقة الساحل وجنوب الصحراء الإفريقية.

كما بدأ الصراع ينحو في اتجاه أشد خطورة باتخاذه طابعاً عرقياً قبلياً بشكل متزايد، نتيجة سوء إدارة ملف مكافحة من قبل الحكومة وحلفائها وعلى رأسهم فرنسا، حيث ظهرت على سبيل المثال كتيبة ماسينا بقيادة الداعية أمادو كوفا، وهي تتشكل من أبناء قبائل الفولاني التي تشكو من التهميش المستمر من السلطة المركزية، ممَّا سهَّل استهدافها بالخطاب الجهادي المحارب للسلطة في باماكو.

وبالمقابل شرعت مجموعات قبلية أخرى متنافسة مع الفولاني في تشكيل مليشيات خاصة بها كقبائل بامبارا ودوغون، وهو ما أضاف إلى الصراع بعداً قبلياً مدمراً، سيترك بصماته على مستقبل المجتمعات المحلية في تلك المناطق.

وقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة في مالي مقتل 380 مدنياً على الأقل خلال الربع الأول من العام الحالي، نتيجة هجمات مسلحة، وأوضح البيان أن الاعتداءات المسلحة جرى تنفيذها إما من قبل التنظيمات الإرهابية أو نشبت إثر نزاعات بين المجموعات العرقي. في حين تشير أرقام من مشروع بيانات موقع وحوادث النزاعات المسلحة إلى أن العنف العرقي تقدم على هجمات الإسلاميين المتشددين كسبب رئيسي للوفيات الناجمة عن العنف في مالي.

ولعل رد الفعل الشعبي على الوجود الفرنسي في مالي يمثل أكبر مؤشر على فشل باريس عسكرياً وشعبياً، فبعد ترحيب عديد من الماليين بالتدخل الفرنسي خشية انهيار الدولة تحت ضربات المتمردين، فقد تعالت صيحات المحتجين في ميادين باماكو بعد قرابة ثماني سنوات مطالبة برحيل القوات الفرنسية من البلاد.

المصدر: TRT عربي