بعد سقوط مشروع العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وإقالة الحكومة، بات الوضع السياسي الجزائري في مفترق طرق، في ظل صراع تتقاسمه ثلاث قوى، فكيف سيستطيع الجزائر الخروج من نفق الأزمة السياسية الحادة التي يمر بها؟

الاحتجاجات الشعبية الجزائرية غيرت المشهد الجزائري بالكامل 
الاحتجاجات الشعبية الجزائرية غيرت المشهد الجزائري بالكامل  (AP)

أثارت حزمة القرارات المفاجئة التي أعلنها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة حول انسحابه من الترشح لعهدة خامسة، الجدل حول جدواها في تلبية مطالب الاحتجاجات الشعبية، وحول مدى دستوريتها، والأهم أنها أثارت تساؤلاً عمّن سيخلف بوتفليقة.

فبينما خرج الجزائريون إلى الشوارع احتفالًا بقدرة حشودهم على إسقاط مشروع ترشُّح بوتفليقة لعهدة خامسة على الرغم من التهديدات المُبطنة بالعودة إلى العشرية السوداء، بدت القرارات كأنها إعادة تدوير للنظام الحاكم بوجوه مختلفة، ومحاولة لكسب الوقت ليرتّب خلاله رموزه أوراقهم ويعود من جديد.

في بيان الرئاسة الجزائرية أعلن بوتفليقة انسحابه من الترشح لعهدة الخامسة وتأجيل رئاسيات 2019 التي كان مقرراً عقدها في 19 من أبريل المقبل، وإقالة الحكومة وتشكيل ندوة مؤتمر وطنية مستقلة تتمتع بالصلاحيات كافة التي تخوّل إليها إعداد إصلاحات من شأنها أن تُرسِي أساس نظام جديد، وإعداد مشروع الدستور، وتحدد موعد إجراء استحقاق انتخابي رئاسي، غير أنها لم تتطرق إلى وضع إطار زمني لعمل الندوة أو موعد جديد للانتخابات الرئاسية.

مضامين القرارات

قرارات أمس لم تختلف في مضامينها كثيرًا عن تلك التعهدات التي أطلقها بوتفليقة بعد تقديم أوراق ترشحه في الثالث من مارس عندما وعد، تحت الضغط الشعبي، بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة خلال عام واحد، لن يترشح فيها.

بوتفليقة قال في بيانه "إنني لم أنوِ قط الإقدام على طلب الترشح حيـث إن حالتي الصحية وسني لا يتيحان لي سوى العمل على إرساء أسس جمهورية جديدة تكون بمثابة إطار للنظام الجزائري الجديد"، بينما هو نفسه كان قد أعلن ترشحه للعهدة الخامسة في العاشر من فبراير المنصرم

الانتفاضة الشعبية العارمة والمستمرة التي عرفتها جميع ولايات الجزائر، أربكت القائمين بأمر بوتفليقة، وأرغمته على اتخاذ قرارات فيها كثير من الارتجالية والتي يُشتمّ منها رغبة جامحة في الالتفاف على مطالب الشعب الواضحة

جهيد التونسي- الأمين العام السابق لحركة الإصلاح الوطني

الالتفاف على المطالب الشعبية

في مقابلة مع الأمين العام السابق لحركة الإصلاح الوطني الجزائرية أشار الدكتور جهيد يونسي لـTRT عربي، إلى أن الانتفاضة الشعبية العارمة والمستمرة التي عرفتها جميع ولايات الجزائر، أربكت القائمين بأمر بوتفليقة، وأرغمته على اتخاذ قرارات فيها كثير من الارتجالية والتي يُشتمّ منها رغبة جامحة في الالتفاف على مطالب الشعب الواضحة، وهي رحيل النظام بجميع رموزه.

وأضاف: لكن مع الأسف النظام يحاول مرة أخرى استنساخ نفسه. لكن ما دام الشعب يقظاً ورقيباً، فلا بد لمسار التغيير في الجزائر الجديدة أن يُبنى تحت أعين الشعب.

كذلك اعتبر رئيس حزب طلائع الحريات ورئيس الوزراء السابق علي بن فليس أن القرارات الأخيرة تُعَدّ "تعدّيًا بالقوة على الدستور وتمديدًا للعهدة الرابعة لرئيس غائب عن صنع القرار"، في تسجيل نشره حزبه على موقعه الإلكتروني.

ويرى عبد العزيز بلعيد المرشح الرئاسي، أن القرارات الواردة في رسالة رئيس الجمهورية المنتهية ولايته، خرق صارخ لأحكام الدستور، في منشور على صفحته على فيسبوك.

وقد تكمن خطورة المراجعات التي تعهد بها الرئيس في قرارته، في أن الجميع يعلم أن الرئيس بحالته الصحية لن يشرف شخصياً على مراجعة بهذا الحجم، وأنها محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية، وبالتالي فالنظام يريد أن يخيط نظاماً سياسياً جديداً من أجل البقاء في السلطة، وإعادة بعث نفسه من جديد.

موجة الاحتجاجات الجزائرية لم تشهدها البلاد منذ أكثر من 30 عاماً
موجة الاحتجاجات الجزائرية لم تشهدها البلاد منذ أكثر من 30 عاماً (AP)

تعقيدات المشهد

تتلخص الأزمة السياسية الراهنة في الجزائر في صراع بين ثلاث قوى متعارضة المصالح:

الأولى هي النظام الحاكم بمختلف مكوناته من مؤسسة الرئاسة، والجيش، ورجال الأعمال.

الثانية هي المعارضة السياسية، التي تضمّ بعض العناصر التي كانت داخل نظام الحكم الحالي واستُبعدوا، أو في القوات المسلحة وأُقصُوا، وتمكن بعض عناصرها من إنشاء أحزاب سياسية، والدخول في المجتمع المدني.

الثالثة هي المحتجون في الحراك الشعبي الرافض للعهدة الخامسة ولنظام الحكم الحالي، ويفتقر هذا الطرف إلى قيادة منظَّمة، كما أن كثيرًا منهم قد لا يدرك طبيعة العلاقة والصراع الدائر بين القوتين السابق ذكرهما.

فالمعارضة حصرت مطالب المتظاهرين في تفعيل المادة 102 من الدستور وإعلان منصب رئيس الجمهورية شاغرًا، لكي تصبّ في مصلحتها، إلا أنها لا تحقق أهداف المتظاهرين كاملةً، ومع استمرار الحراك الشعبي وضغط المعارضة التي قد تضمّ عناصر من منظومة "حكم بوتفليقة"، قد يتمكنون من العودة إلى السلطة.

في هذا الإطار سقط مشروع العهدة الخامسة أمام الضغط الشعبي والاستقالات المتوالية من داعمي النظام ومن داخل النظام نفسه، فضلاً عن تأجيل الانتخابات بالنظر إلى حالة الانقسام الحادّ والغليان الشعبي الذي تشهده الجزائر حاليّاً.

إلا أن أمام تفكيك أو احتواء شبكات المصالح السياسية التي تحكم المشهد الجزائري منذ الاستقلال تحديات ضخمة، قد تعيد -إذا استمرَّت- إنتاج نفس الأوضاع، ولكن بوجوه مختلفة.

المصدر: TRT عربي