مذبحة سربرنيتسا في 11 يوليو/ تموز 1995 وقتل فيها الصرب ما يزيد عن 8 آلاف طفل وشيخ ورجل بوسني (Elman Omic/AA)

ثَمَّةَ حقيقة مؤلمة في عالمنا المعاصر، وهي انتهاج سياسة الكيل بمكيالين من قبل الكثيرين في ما يخص أحداث ووقائع متشابهة من حيث السياق التاريخي والآثار الفعلية على أرض الواقع، بل ولي عنق الحقائق وقلبها رأساً على عقب.

فها هي الذكرى الـ26 لمذبحة "سربرنيتسا" تحل، والعالم نفسه الذي ساده صمت مطبق ولم يحرّك ساكناً لإنقاذ الأرواح البوسنية الزاهقة إبان السادية الصربية عام 1995، ها هو يكرر خذلانه وتواطؤه من خلال عدم ملاحقة مجرمي الحرب المعروفين لدى الجميع. ولا يتوقف الأمر هنا، بل يشغل هؤلاء الرأي العام والأجندات الدولية بمزاعم ليس لها علاقة بالواقع من قريب أو بعيد كمزاعم "إبادة الأرمن" على يد العثمانيين، وهو ما تقول الوقائع التاريخية الموثقة من خلال الأرشيفات إن العكس تماماً هو الصحيح. ورغم ذلك لا ينفك هؤلاء عن قلب وتزييف الحقائق قاصدين تشويه سمعة تركيا، والتي لم تدخر جهداً في مواجهة العالم أجمع بكل الأدلة والبراهين الموثّقة التي تظهر بشكل جلي براءة العثمانيين من تلك المزاعم، بل أنه في حقيقة الأمر العثمانيون هم المجني عليهم.

هكذا قُتِل الآلاف أمام أعين الأمم المتحدة

يعتبر الكثيرون مذبحة سربرنيتسا أسوأ جريمة وحشية على الإطلاق لم تشهد مثلها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. فعلى خلفيّة تفكك الاتحاد اليوغوسلافي خلال التسعينيات من القرن المنصرم، نتج عن ذلك سبعة كيانات منفصلة وهي: صربيا، والجبل الأسود، والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، ومقدونيا، وسلوفينيا، وكوسوفو. ورغم أن عملية انفصال كل كيان من السابق ذكرها لم تكن من السهلة على الإطلاق، فإنه من بين جميع الصراعات كانت الحرب في البوسنة هي الأكثر دموية لأنها كانت الأكثر انقساماً على الصعيدين العرقي والديني.

في ظروف مروعة تم طرد أكثر من مليونين من سكان البوسنة والهرسك من منازلهم في عملية تطهير عرقي بربري. وعلى الرغم من إعلان الأمم المتحدة مدينة سربرنيتسا منطقة آمنة تقع تحت حمايتها، فإن ذلك لم يشفع لها ولم يتورّع الصرب عن اقتحامها بكل همجية في 11 يوليو/تموز 1995. فكانت النتيجة مجزرة جماعية، حيث قتل الصرب ما يزيد على 8 آلاف طفل وشيخ ورجل بوسني تراوحت أعمارهم بين 7 و70 عاماً، وذلك وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. وقد تمت المجزرة على مدار 11 يوماً، ولم يتحرك المجتمع الدولي خلالها لإنقاذ أرواح البوسنيين.

وبالرغم من مرور ما يزيد على ربع قرن على المذبحة، فإن السلطات البوسنية لا زالت تعمل حتى اليوم وعلى مدار العام كله على استخراج جثث ورفات الضحايا من المقابر الجماعية، والتحقق من هويتها ثم دفنها في مراسم شعبية. وحتى الآن، تم التعرف على هوية 7 آلاف من ضحايا المذبحة بفضل اختبارات الحمض النووي، بينما يتم بين حين وآخر اكتشاف المزيد من القبور الجماعية.

وارتكبت القوات الصربية، العديد من المجازر بحق مسلمين خلال ما عُرف بفترة حرب البوسنة، التي بدأت عام 1992، وانتهت 1995 بعد توقيع اتفاقية دايتون، وتسببت في إبادة أكثر من 100 ألف شخص، باعتراف الأمم المتحدة. وبالإضافة إلى عدد القتلى، كشفت دراسة أجريت مؤخراً أن عدد النساء اللائي تعرضن لحالات اغتصاب قد يصل إلى قرابة خمسين ألفاً، من بينهن 20 بالمئة أنجبن أطفالاً جراء هذا الاغتصاب.

المعايير المزدوجة: "إبادة الأرمن" حقيقة تاريخية أم مكايدة سياسية؟

بينما يرى كثيرون أن دول الاتحاد الأوروبي تحجم حتى يومنا هذا عن التذكرة وإحياء ذكرى مذبحة سربرنيتسا بشكل لائق ومتناسب مع بشاعة الإبادة الجماعية في البوسنة، فإن نفس تلك الدول وتحديداً دولة مثل فرنسا يعكف ساستها على الإشارة بأصابع الاتهام إلى تركيا باعتبارها مسؤولة عن "إبادة" للأرمن منذ ما يزيد على قرن كامل من الزمان.

بين هذا وذاك، يظهر علناً للجميع أن غالبية الدول الأوروبية لا تكترث بما تتغنى به من شعارات لحقوق الإنسان، بل ولا تتورع عن تزييف الحقائق ما دام الأمر يخدم مصالحها.

وفقاً لخبراء ومحللين أمريكيين من المهتمين بالتاريخ العثماني وتحديداً الفترة التي تخللت الحرب العالمية الأولى والتي شهدت بعض الأحداث عام 1915، فإن ما يروّج عن "إبادة الأرمن" هو ليس سوى نتاج شائعات يبثها اللوبي الأرمني الموجود بأمريكا، فبعد الرجوع إلى الوثائق الأرشيفية المؤرخة لتلك الفترة نجد أن تلك الادعاءات ليس لها أصل. وأن تلك المزاعم ترمي لفرض ضغوط وقرارات سياسية ضد تركيا، بالإضافة إلى أن اللوبي الأرمني يتشوّق للحصول على تعويضات مادية جراء هذه الحملة. ويتساءل البعض عن سبب عدم ظهور تلك الادعاءات على مدار مئة عام، وفجأة بدأ الجميع يتحدث عن "إبادة" دون حدوث أي كشف عن مستجد متعلق بالأمر.

في هذا الصدد يرى جوستن مكارثي، الأكاديمي والمؤرخ في جامعة لويفيل الأمريكية ومؤلف العديد من الكتب حول الوجود الأرمني في الدولة العثمانية، أن "الكثير من الأدلة الأرشيفية تظهر اهتمام الحكومة العثمانية بسلامة الأرمن وبقائهم على قيد الحياة". "على الرغم من أن الأرمن كانوا تحت رحمة العثمانيين تماماً، فإن غالبية من تم ترحيله منهم قد نجا. لم تكن إبادة جماعية".

وعلى صعيد آخر أفاد مكارثي أن الأرمن كانوا قد شكّلوا مجموعات مسلحة "عصابات" ارتكبت مجازر موثقة تاريخياً ضد سكان المناطق الخاضعة لسلطة الدولة العثمانية التي اكتفت بدورها بقرار تهجير أفراد تلك العصابات للحيلولة دون وقوع مجازر أكبر نتيجة حرب أهلية متوقعة بين الأرمن الذين اصطفوا إلى جانب روسيا، وسكان الدولة العثمانية من المسلمين وغيرهم الذين يوالون دولتهم.

يذكَر أن تركيا دعت دول العالم والباحثين والأكاديميين مراراً وتكراراً لزيارة مكتباتها الوطنية والاطلاع على أرشيف تاريخها الذي يحوي أكثر من مليون وثيقة تاريخية تتعلق بقضية الأرمن الذين تثبت الوثائق تورطهم في ارتكاب مجازر ضد رعايا الدولة العثمانية في منطقة الأناضول. هذا بالإضافة إلى اقتراح جاد من أنقرة للقيام بأبحاث حول أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، من ضمنها الأرشيفات الأرمنية نفسها، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراكاً ومن الأرمن، وخبراء دوليين.

أما الدول والجهات التي تدعم مزاعم "مذابح الأرمن" فقد فشلت حتى اليوم في إثبات مزاعمها بوثائق أرشيفية. ولم تُلبِ دعوات تركيا المتكررة للبحث وإنشاء لجان متخصصة تبت في تلك المزاعم، وهو ما يعكس خشية هؤلاء أن تنكشف كذبتهم.

TRT عربي