#HVI50 : Assassination of President Jovenel Moise (Valerie Baeriswyl/AFP)

رجال مُلقَون على الأرض مصفَّدين، أيديهم خلف ظهورهم، وأرجلهم غارقة في أحذية عسكريَّة. أمامهم طاولة صُفّت عليها ترسانة أسلحة خفيفة متنوعة، بنادق رشاشة ومسدسات وقنابل صوت ودخان، وكذلك جوازات سفر وأوراق نقدية، كانت صودرت منهم حال اعتقالهم. هذه هي الصور التي قدّمت بها السلطات الهايتية المشتبه بهم في اغتيال رئيس البلاد، الذين أُعلنَ في ما بعد أنهم مرتزقة كولومبيون.

فرقة من 26 مرتزقاً، قُتل منهم ثلاثة في أثناء العملية واعتُقل 18، فيما لا يزال أربعة منهم فارّين من العدالة. رجال ذوو تدريب عالٍ وخبرة عسكرية اكتسبوها من خدمتهم العسكرية بقوات الأمن الكولومبي، وتمرّسوا عليها عبر عمليات ملاحقة المتمردين وتجار المخدرات في جبال البلاد ووديانها، مما رشحهم ليكونوا في كل أماكن التوتر كبنادق مأجورة للقتل، وكانت واشنطن ولا تزال أبرز عملائهم.

مرتزقة فقراء بتدريب أمريكي

تُعَدّ كولومبيا أحد الموردين الدوليين الكبار للبنادق المأجورة، كما أن منطقة الكاريبي إحدى الأسواق النشيطة للشركات الأمنية الأوروبية والأمريكية من أجل تأمين المنشآت النفطية والمنجمية بالمنطقة، لقاء هذين العاملين يفسر حضور المرتزقة الكولومبيين بالكثافة التي هم بها هناك. فيما لو بحثنا في سيرهم، فسنجد أن أغلبهم خدم في قوات الأمن ببلده، شرطة أو جيشاً أو مجموعات شبه عسكرية، إبان فترة قمع التمرُّد الذي قادته منظمة فارك المسلحة، كما في فترة الحرب على تجار المخدرات التي تعرف كولمبيا بانتشار كارتيلاتها واستفحال سطوتهم على أراضيها.

أفادت وسائل إعام دولية بأن أغلب من أُلقيَ القبض عليهم في هايتي على خلفية حادثة اغتيال الرئيس جوفينيل مويز، خدموا بقوات الأمن الكولومبية وتلقوا تدريباتهم بالولايات المتحدة، حيث درَّبت واشنطن أزيد من 107 آلاف مسلَّح كولومبي خلال العقدين الماضيين، ضمن برنامج لمحاربة عصابات تهريب المخدرات بالبلاد. ومنذ الحرب الباردة ثم الحربين ضدّ تهريب المخدرات والإرهاب، دربت واشنطن آلاف الكولومبيين كي يكونوا ذراعها المسلحة فيها، في ما يعرف بـ"خطة كولومبيا"، التي أطلقها سنة 1999 الرئيس الأمريكي بيل كلنتون. كما قدمت أمريكا بموجب تلك الخطة، على طول السنوات التي مضت، 10 مليارات دولار مساعدات للحكومة الكولومبية، في رقم لا تفوقه إلا المساعدات التي تتوصل بها إسرائيل ومصر.

هذه المليارات التي تضيع حال وصولها إلى البلاد بين شبكات الفساد، تخُطّ منذ عقود معالم واقع اقتصادي واجتماعي متدهور، سمته الأبرز هي تفشي الفقر والبطالة، وانتشار الجريمة وانعدام القانون، مما يجعل هؤلاء المجندين بنادق سهلة للإيجار، وبأسعار بخسة لا تتعدى 3000 دولار، مقابل عمليات بالغة الحساسية والخطورة. كما سبق وأشارت لوسائل الإعلام المحلية رفيقة أحد المعتقلين على خلفيَّة عمليات الاغتيال المذكورة، إلى أنه "تلقى اتصالاً من شركة عرضت عليه أجراً قدره 2700 دولار في الشهر للانضمام إلى الوحدة المسلحة" بهايتي.

ويوضح الكولونيل جون مارولاندا رئيس "الجمعية الكولومبية للضباط المتقاعدين من القوات المسلحة" في مقابلة أجرتها معه إحدى الإذاعات المحلية، أنه في كل سنة "يغادر ما بين 10 و15 ألف جندي من صفوف الجيش"، مضيفاً أن العسكريين الذين يخرجون من الجيش هم بصورة عامة شبان معاشاتهم التقاعدية متدنية، ما يجعلهم "منفتحين على فرص اقتصادية أفضل" في الارتزاق. وبالتالي هي "بيئة إنسانية من الصعب للغاية السيطرة عليها"، على حد وصف المسؤول العسكري الكولومبي المتقاعد.

نطاق عمليات يشمل الشرق الأوسط؟

يتعدى نطاق عمل هذه الفرق المسلحة أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، فنجدهم يُستأجرون في أماكن توتر أخرى بعيدة، اليمن على سبيل المثال، حيث يقاتل مئات الكولومبيين ضد المتمردين الحوثيين لحساب دولة الإمارات، حسب ما أوردته جريدة نيويورك تايمز سنة 2015. كما أشار المصدر ذاته إلى أن شهر مايو/أيار 2011 شهد هبوط طائرة تُقِلّ عشرات العسكريين السابقين الكولومبيين حطت في أبو ظبي للانضمام إلى قوات من المرتزقة يعملون لحساب الشركة الأمنية الخاصة الأمريكية "بلاك ووتر" لمراقبة البنى التحتية في الإمارات العربية المتحدة.

كذلك شوهدت القوات المرتزقة الكولومبية في كل من العراق وأفغانستان، يشتغلون تحت إمرة القوات الأمريكية في عملية هناك، وكذلك لصالح شركات خاصة لحراسة منشآتها النفطية، إذ تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة بدأت منذ سنوات تبدّل بقواتها في الشرق الأوسط "شركات أمنية خاصة لأن ذلك يتضمن كلفة سياسية أدنى على صعيد الخسائر ويشكّل نطاقاً ملتبساً في القانون الدولي".

TRT عربي
الأكثر تداولاً