استطلاعات الرأي ترجح صعود ماكرون ولوبان إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية (AA)

هل أخطأ مستطلعو الآراء بوصلتهم؟ تتساءل لوفيغارو الفرنسية، راصدة عبر تحقيق لها أكثر من خلل شاب عمليات سبر الرأي السياسية الجارية على أشدها طوال الفترة الجارية والسابقة لرئاسيات مرتقبة على أحر من الجمر. حيث منذ أشهر وهي تحشر التنافس السياسي الدائر في نطاق ضيِّق، بين غريمين اثنين: "فرنسا إلى الأمام" الماكرونية الحاكمة، و"التجمع الوطني" اليميني المتطرف بزعامة لوبان.

بالمقابل تبقى نتائج الانتخابات المحليَّة الشهر الماضي أحد الأدلة الصارخة على خطأ تلك الاستطلاعات، حيث تهاوى الحزبان المذكوران أمام عودة كاسحة للقوى التقليدية، بقيادة اليمين الجمهوري. فيما كانت مقاطعة الانتخابات، التي تجاوزت نسبتها ثلثي الكتلة الناخبة، هي الفائز الأكبر في المرحلة. ما يثير التساؤل حول: إلى أي مدى صنعت شعبية زائفة لماكرون ولوبان، متجاهلة باقي ألوان الطيف السياسي الفرنسي، والإرادة الشعبية الساخطة على الطبقة السياسية؟

المقاطعة تضرب مصداقية منهجية استطلاعات الرأي

جاءت النتائج الفعلية للانتخابات المحلية الفرنسية، قبل أسبوعين، مغايرة بفارق شاسع لما تنبأته استطلاعات الرأي السابقة لها. هي صفعة لا على خد المبشرين قبلاً بفوز ساحق فقط، بعد أن خابوا في تحصيل المقاعد المرجوة، بل على صانعي أملها من مؤسسات سبر الآراء، الذين انزلقوا في منحدر الحسابات الخاطئة وما أتت به من تزييف للواقع.

هذا وقد أتت قبلاً استطلاعات الرأي بتأكيدات تفيد بأن 6 مجالس محلية، من أصل 13 فرنسية، ستكون لمصلحة حزب لوبان، الذي خرج من دورَي الانتخابات خالي الوفاض. تصف جريدة لوفيغارو نسبة الخطأ بـ"الجسيمة"، قبل أن تخصص لها تحقيقاً موسعاً لسبر أسبابها. فيما تردُّ مؤسسات سبر الآراء بأنه "تم المبالغة في شعبية لوبان لأننا أهملنا مدى استعداد متعاطفيها للتوجه إلى مراكز الاقتراع".

حيث بلغت نسبة العزوف عن الإدلاء بالأصوات نسبة ثلثي الكتلة الناخبة الفرنسية، ألقى هذا بثقله على منهجية سبر الآراء المستخدمة، والتي يعدُّ "تكييف" الدراسة على الواقع إحدى آلياتها الأساسية، وهي حين يقوم الدارس بإعادة ضبط العينة المدروسة لتعبر أكثر عن رأي عام. يقول أحد العاملين بمؤسساتها لـ"لوفيغارو": "ماذا سينفعنا تكييف الشرائح المدروسة إذا لم يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع؟".

فيما يعترف آخر بأن "الوسائل المستخدمة في استطلاعات الرأي تبقى محافظة"، بالتالي لا تعبر عن التغيرات المجتمعية "حيث يصوت الناس انطلاقاً من وضعيتهم السوسيو-ديموغرافية أكثر من هوياتهم السياسية"، حسب ما خلص إليه تحقيق لوفيغارو. مضيفاً أن نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة نزلت إلى مستويات متدنية، ما يضرب مصداقية استطلاعات الرأي في التعبير عن تصور حول التنافس الرئاسي القادم.

هل صنعت استطلاعات الرأي أسطورة شعبية ماكرون ولوبان؟

قبل أقل من عشرة أشهر من الانتخابات الرئاسة الفرنسية، بدأت استطلاعات الرأي منذ أشهر محاولة رصد صورة استباقية للسباق الرئاسي، ومَن مِن الذين أعلنوا ترشيحهم، لحد الآن، الأوفر حظاً في حصد كرسي الإليزيه. فيما الصورة التي تروجها استطلاعات الرأي هي مواجهة ثنائية بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان في الدور الثاني، بعضها أعطى أفضلية لزعيمة "التجمع" اليميني المتطرِّف.

هو إذاً "الموسم المرتفع" لتلك المؤسسات بفرنسا، حيث لا يمكن أن نغفل كون نشاطها الربحي يلعب على رقم معاملات يتعدى ملياري يورو، فقط لدراساتها المتعلقة بالانتخابات الرئاسية. مقابلها هامش الربح من جهة وسائل الإعلام من نتائج تحصد النسب العليا من المشاهدات. هنا ربما يوجد سؤال يقحم نفسه عنوة، مشككاً في مصداقية ما تكشف عنه استطلاعات الرأي المدفوعة، حول إذا ما كانت خاضعة لأهواء المنصات الدافعة؟

يزيد هذا التشكك صعوداً والخطأ يبلغ أقصاه بين الآراء المستطلعة والنتائج المحصل عليها في الجهويات الماضية، كما أن الشعب الفرنسي يجمع على القطيعة مع الطبقة السياسية الحالية، هو الذي نكَّل بها في أكثر من مرة منذ اعتلاء ماكرون سدَّة الإيليزيه، حسب المراقبين.

بالمقابل، هناك سؤال آخر يلح بثقل خطورته على كل ملاحظ متشكك، وهو إذا ما كانت تلك الاستطلاعات تؤثر على العملية الديمقراطية ببلد المبادئ الثلاثة؟ يجيب تحقيق لوفيغارو أنه بطبيعة الحال سبر الآراء جزء من اللعبة الانتخابية، راصداً عدداً من تأثيراته على الرئاسيات السابقة، وكاشفاً بأن "استطلاعات الرأي، خصوصاً حين يكون بحسبها اليمين المتطرف متسابقاً بارزاً، تمثل ضغطًا على الناخبين من أجل إسقاطه".



في هذه الحالة، ماكرون هو المستفيد الأكبر من كل ما ورد من استطلاعات سابقة. ومن أجل هذا الغرض أوردت الجريدة ذاتها مقال رأي للصحفي الفرنسي غيوم طابارا، يدعو فيه "علينا أن نعيد استطلاعات الرأي إلى مكانها الحقيقي".

TRT عربي
الأكثر تداولاً